لن دن
في احترافيّةٍ ازدواجيّةٍ تجمعُ بين الشعر والسردِ والرسم، انطلق الشاعر الفيتنامي لن دن واسمه الحقيقي بسايغون، في مسيرة نضالية نحو عالم الاغتراب، حيث غادر وطنه صغيراً ليقيم في الولايات المتّحدة الأمريكيّة متّخذاً صفة شاعر، لأنّه آمن بأنّ تصوّراته الخياليّة الجامعة بين الحقيقة والشرود الكوني جعلته يكتب الحروف ويرسمها في دوائر منغلقة، يحاول من خلالها أن يطيرَ نحو سماءٍ لازورديّة لا تتضّح معالمها في غياهب الليل الطويل، الذي سجن فيه نفسه، فقد عاش رغم كفاحه المرير متنقّلاً في مجالاتٍ متعبة من الأعمال اليدوية، في تصدّعاتٍ واختلاجاتٍ نفسيّةٍ فرضتها عليه غربته وحرقته اللامتناهية التي جرفته بعيداً عن وطنه، غريباً عنه.
عاش لن دن في تخبّطٍ ماورائي في تجسيد المشاهد الحيّة عبر لوحاتٍ وكلماتٍ وجدانيّة، يلتقط صوراً فوتوغرافيّة للناس المُتعبين الذين سُلخوا من مرتبة الإنسانيّة، وباتوا يعيشون على هوامش الحياة، دون أن يسجّلوا أصواتهم على إيقاعاتها السريعة، واستعان بمكر اللغة، حسب وصفه، ليصنّف حروفه التي يحبكها حيناً باللغة الفيتناميّة وآخر باللغة الإنكليزيّة.
آمن لن دن بالراديكاليّة، وحين عاد إلى وطنه الأم ليستقرّ فيه، لم يمكث هناك طويلاً، فقد ناشدت كتاباته الشعب للنهوض والتحرّر من أفكارٍ تقليديّة وأوهامٍ متوارثة، حتّى جلب لنفسه سخط السلطات، واختار أن يجمع حقائبه وموانئه الشعريّة المشرفة على مهبّ الرّيح ليعود إلى أمريكا، ومن ثمّ ينتقل إلى إيطاليا ويقضي هناك سنتين، ليغرّد بكينونته الشعريّة بين عوالم الغربة والتغرّب والتنكّر والتقمّص.
في قصيدته «حكاية خرافيّة» يقول لن دن: «في ضوء القمر علا نفسه فوق الشعر المتجعّد، الذي يتدلّى أسفل البرج المخدّد، محاولاً تعليق جائزته الغسقيّة، قبل أن يعلنَ القمرُ منتصفَ الليل» تقدح هنا كلمات لن دن بمشاعر متّقدةً تجمع بين مقاربات ومجازيّات وألوان فضيّة وغسقيّة وبلّوريّة صافية، فهو يرنو لمشهد الأفول معتنقاً إيّاه كمكافأةٍ تريح النفسَ من سراديب النهار المكتظّة، وتسخّر الروحَ لما هو أبقى وأنقى من مجرّد صباحٍ ومساء، وحده مصباح الشعر يلقي ظلال ضوئه على ما تبقّى من شحّ الوقود، فيبثّ مشاعله الحالمة وهجاً مثاليّاً ينصهر بروح الطبيعة وأريجها الذي يبخّر ماهية الكون.
في قصيدته «أجمل الكلمات» يقول لن دن: «أظنُّ أنَّ «بَثْر» هي أجملُ كلمات اللغة الإنكليزية. كان مُكِبًّا على وجههِ، قميصهُ محترقٌ، ومن ظهرهِ يصّاعدُ البخار. وأنا نفسيَ كنتُ أنزفُ. كانَ محصولُ بثورٍ على ظهره. بكى جسده، لعلَّ «زاغَ» هي أبشعُ الكلماتِ. لا تَقُل: لعلَّ «زاغَ» هي أبشعُ الكلماتِ. لا تَقُل: زاغتِ الرصاصةُ في جسده» قلْ رقصتِ الرصاصةُ في جسدهِ، قُل تدحرجتِ الرصاصةُ إلى الأمامِ وإلى الأعلى.. ثمّ مالَ ضياءٌ.. كلُّ العضلاتِ الأدنى منزلةً في وجهيَ ارتعشتْ برفقٍ، قلبتُ الرجلَ، كعاشقٍ ضاقَ صدرُهُ، حذرا من كسرِ عمودهِ الفقريِّ خشخشتْ، تحتَ جلدهِ القاسي حجارة دومينو: طَقْ! طَقْ! وحدّقَ وجهٌ يتداعى. كانَ رذاذٌ قَرنقليُّ في الهواءِ وقوسُ قزحٍ قصيرُ الأمدِ. كانَ الفكُّ السفليُّ مقطوبا بخيطانٍ زرقاءَ حتّى الروحِ. انتزعتُ ضرسا من اللسانِ وكانَ قدِ ابتلعَ ما تبقّى».
لن دن كاتبٌ راديكالي عاشق للطبيعة ومتأثّرٌ بالضوضاء الملازمة للحياة، وبين قصيدة خطّها بوجدانيّة وأخرى بعنف وواقعيّة، نراه يقبل متعثّر الحبر، يتحسّر على ما مضى من العمر وعلى ما قد يأتي في غفلة من عقارب الوقت دون استئذان، وربّما يعود هذا التخبّط الملازم له لضياعه الدائم بين بلده الأم وسفره إلى أمريكا وإيطاليا، حيث تراخت جسورُ الصلة بين هذه البلدان تحت قدميه، فلم يستطع أن يشكّل عقدة وصلٍ تقرّب بين أفكاره ومشاعره ومزايا كلّ بلدٍ على حدة.
تعمّد لن دن في هذه القصيدة أن يحتكرَ مفرداتٍ عنيفة تتيبّسُ أطرافها عند كلّ خطوة تخطوها نحو الأسلوب التعبيري الذي يميل للقحط والجفاف مثل: «رصاصة، كسر عموده الفقري، جلده القاسي، مقطوباً، انتزعت ضرساً» يميل هذا التكنيك إلى الديناميكية الواقعيّة ولا تتضمّن مفهوم العنوان «أجمل الكلمات» والذي يوحي للقارئ بأنّ القصيدة عاطفيّة ورومانسيّة مفعمة بالعبارات المجازيّة المتأنّقة، لكنّ الحقيقة أنّ لن دن يعبّر عن الفيضان الذي يكتم أنفاسه ويخنق تحرّكاته، وقد قضى حياته متنقّلاً حائراً بين الوطن والوطن البديل، حتّى تهشّمت مجاديفه وتحطّمت فؤوسه التي سنّها ليشقّ طريقه بتعبٍ كبير.
ورغم المشقّة الجامحة التي غلّفت سطور أفكاره وهو يتجرّد من التعبير الجلي ليعتمد التعبيرَ السريالي الغامض، يحاول لن دن أن يزرع بصمة إنسانيّة في كلّ كتاباته ويشبّعها ببواطن الحتميّة المعلنة التي تسلّم للقدر كملاذٍ لا مفرّ منه، ولا مقرّ فيه للاستتباب النفسي والعاطفي، فهو يتماهى مع اللغتين الإنكليزيّة والفلبينيّة حسبما توحيه البيئة والحضارة والطبيعة فيها، ويزرع في كلّ قصيدةٍ أحجيةً تتضمّن أسفار الحياة ونبض زمنها ووجه أماكنها، ليخلبَ لبّه عمقُ أثرها في القلوب المرهفة الحسّاسة.
لن دن كاتبٌ راديكالي عاشق للطبيعة ومتأثّرٌ بالضوضاء الملازمة للحياة، وبين قصيدة خطّها بوجدانيّة وأخرى بعنف وواقعيّة، نراه يقبل متعثّر الحبر، يتحسّر على ما مضى من العمر وعلى ما قد يأتي في غفلة من عقارب الوقت دون استئذان، وربّما يعود هذا التخبّط الملازم له لضياعه الدائم بين بلده الأم وسفره إلى أمريكا وإيطاليا، حيث تراخت جسورُ الصلة بين هذه البلدان تحت قدميه، فلم يستطع أن يشكّل عقدة وصلٍ تقرّب بين أفكاره ومشاعره ومزايا كلّ بلدٍ على حدة. لكنّه بقي يخزّن في ذهنه وبين ممرّات كلماته احترافية التصوير وفوتوغرافيا الصمت، التي فجّرت براكين التمرّد في داخله، دون أن يلحظ أو يقرّ بهذا. وبقي التساؤل قائماً في أعماقه، إن كان قد وجد ضالّته في التعبير أو أنّ عليه أن يبحث أكثر في سياق القصيدة والرواية والرسم، ويتجرّع المزيد من المرارة التي كحّلت أهداب مفرداته، حتّى يعيدَ بعثَ نفسه من جديد، وينتفضَ لماضيه وحاضره، ويرسمَ غده باستقلاليّة تامّة، فقد عاش متسكّعاً بين عملٍ بسيط وآخر ضئيل حتّى يحصّل قوت يومه، وصعد تدريجيّاً نحو الاستقرار المادي نوعاً ما، لكنّ النقصَ الدفين الذي واكبه منذ طفولته لم يتبدّد، بل صنعَ فجواتٍ في خبايا روحه، وارتدّ هذا على ظلال كتاباته، حيث تنوّعت بين كتاباتٍ نوعيّة تُحسب له، وكتاباتٍ ذاتيّة لا تبعث الدفء في شريان الثقافة والأدب، لكنّ بلا شك شكّل اسمه من كفاحٍ ونضالٍ واستبسالٍ عظيم، حتّى ذاع وراجَ وتفوّق على حدود نفسه.
كاتبة لبنانية