بمتابعة مسيرة السينما الفلسطينية، في أي مرحلة كانت، ولأي نوع من هذه السينما، سنجد أن كم الأفلام في تزايدٍ واضح، تحديداً الروائية الطويلة التي تتطلب عملاً قد يصل لعشر سنوات من الكتابة حتى الإنتاج ثم التوزيع. بتقسيم هذه السينما إلى عقود، سنجد أن كل عقد يفوق سابقه في كم الإنتاجات السينمائية الفلسطينية، وإن لم تكن لذلك علاقة بجودة الإنتاج من عدمها، لكن كثرة الإنتاج، وإن تتسبب بتكريسِ نمطياتٍ في هذه السينما، فإنها قد تتسبب كذلك بزيادة احتمال خروج فيلمٍ ممتاز متخللاً الكثير من العادي والرديء.
في كل الأحوال، كثرة الإنتاج فعلٌ ديمقراطي، والآراء الانطباعية والتحليلية والنقدية، مكتوبة ومحكية، يمكن أن تفي الفيلمَ حقه أينما كان موقعه في عموم هذه المسيرة. لكن، هنالك ما هو أبعد من هذه الآراء تستحقه السينما، التي يكاد عدد أفلامها يتضاعف بالنظر إلى كل عقد مقارنة بسابقه، تحديداً بعد العام ألفين وقد دخلت هذه السينما مرحلة جديدة بدأت الأفلام معها تكثر تباعاً.
مقابل هذا التزايد، وما يرافقه من حضورٍ أوسع للفيلم الفلسطيني في صالات العالم وفلسطين، ومهرجاناتهما، لم يكن كم الإنتاج المعرفي السينمائي على السوية ذاتها، أو مقارِباً لها على الأقل، والحديث دائماً عن الكم اللازم، بالضرورة، لمتابعةٍ نقدية متزايدة تثني على الأفلام عند الاستحقاق، وتذمها متى لزم ذلك، وليس الحديث هنا عن المقال النقدي أو المراجعة السريعة، أو حتى الدراسات مهما طالت أو قصرت وأجادت أو تعثرت، فهذه حاضرة ومتابِعة، تذم وتثني، وبنسبٍ متفاوتة تحددها جدية التناول وطول المادة. لكنها محدودة في تأثيرها، سقفٌ أعلى لعدد كلماتٍ للمقالة مثلاً، يحتم تلك المحدودية، أضيف إليها حصر المقالة بالموضوع، وعدم مده بأبعادٍ تعطي للتناول عمقاً داخلياً وتشابكات خارجية ممكنة.

الإجابة عن هذا كله تكون في الكتاب، كمنتَجٍ ثقافي وضروري لأي نوع فني، وكعملٍ معرفي ونقدي متأنٍ ومتمكن من موضوعه، وغير ضيق فيحتمل التوسع أفقياً في دراسة المحيط بالموضوع، و/أو عمودياً في دراسة الجوهري في الموضوع. بالنظر إلى كم الإنتاج المعرفي والنقدي في كتب، مقارنةً بالإنتاج السينمائي في الأفلام، سنجد تفاوتاً كمياً مريعاً هو بالضرورة سببٌ أساسي لفقدانٍ مؤسف في الثقافة والوعي السينمائيين، كما يظهر في العديد من تلك الأفلام. تدل على ذلك نظرةٌ سريعة إلى الكتب المتخصصة بالسينما الفلسطينية، وباللغة العربية، فلا أحد يطالب أي صانع\ة أفلام فلسطيني بإجادة أي لغة غير العربية. إجادتها بكل الأحوال تكون في صالح عمله، إن استثمره معرفياً بالدرجة الأولى. أخصص هذه الأسطر لثلاثة كتب بالإنكليزية، تتطلب نقلاً إلى اللغة العربية في خدمةٍ ضرورية لهذه السينما. أما موضوع الكتب العربية فله موقع نقاش آخر.
ثلاثة كتب أبدأ بأقدمها، هو Dreams of a Nation: On Palestinian Cinema، 2006، الذي حرره حميد دباشي، وقدم له إدوارد سعيد، وشاركت فيه ببحوث منفصلة، أسماء منها بشير أبو منة وجوزف مسعد وحميد نفيسي، الثاني هو Palestinian Cinema: Landscape, Trauma and Memory 2008، لجورج خليفي ونوريث غرتس. كلا الكتابين يقدم معرفة بحثية ونقدية عن السينما الفلسطينية، لكن السقف محدود بتاريخ صدور كل منهما، الأول يقدم أفكاراً غير متلاحقة لاستقلالية كل فصل عن الآخر، والثاني يقدم دراسة أكاديمية متماسكة. لكلٍ أسلوب يميزه عن الآخر، تنوع المواضيع والخوض أفقياً في كل منها كان في صالح الأول، وحصر الموضوع والخوض عمودياً كان في صالح الثاني. أضيف إليهما كتابا جديدا نسبياً هو Palestinian Cinema in the Days of Revolution 2018 لناديا يعقوب، وهو كذلك دراسة أكاديمية، إنما متخصصة بسينما الثورة الفلسطينية، وهي الأولى من نوعها تجاه تلك المرحلة التأسيسية في تاريخ السينما الفلسطينية.

الطبيعة الأكاديمية للكتابين الأخيرين تثقل على كل منهما في رتابةٍ وتكرارٍ قد لا يضران القارئ المعني بالموضوعين، أما الأول فطبيعته، كاتبٌ لكل فصل، تحول دون الرتابة والتكرار. هذه الكتب الثلاثة والمتكاملة لاختلاف مقارباتها، أساسية لكل صانع أفلام فلسطيني، وهي غير متشابهة لا في مضمونها ولا شكلها، أولها مترجم إلى العربية، لكن بتوزيع سيئ، أما الثاني والثالث، وهما الأهم لتكوين كل منهما ككتاب متكامل وبفصول متلاحقة، فيستحقان أن يجدا طريقهما إلى قارئ العربية، المتخصص بالسينما والعامل فيها تحديداً، ما يتيح لصانع\ة الأفلام الفلسطيني قراءات ضرورية، وما يصل بنا أخيراً إلى صناعةٍ سينمائية أفضل، صناعة لا يعوزها الحد الأدنى من المعرفة. ثلاثة كتب متخصصة بالسينما لا تكفي، لكنها موجودة على الأقل، بجدية وجودة مستحَقتين، ما يجعل كلاً منها أساساً معرفياً لكل حديث سينمائي فلسطيني.
للحديث عن الكتب باللغة العربية مناسبة أخرى، لكنّ وجوداً أوليا لكتب بالإنكليزية، وبنوعية الكتب الثلاثة، يستحق إعادة التفاتٍ إليها وتقديمها إلى لغة صناع الأفلام الفلسطينيين وجمهور هذه الأفلام. في ذلك سبب ضروري لتحسينٍ تراكمي في جودة هذه السينما وفي الإعلاء من المضامين الثقافية والوعي المعرفي في تلك الأفلام المتأزمة في أكثر من جانب قد يكون البصري منها أفضلها حالاً.
كاتب فلسطيني سوري