لندن- “القدس العربي”: لم يحدث الهجوم المضاد الأوكراني ضد القوات الروسية رغم الإعلان عنه منذ شهور وتقديمه بمثابة منعطف في الحرب الروسية-الأوكرانية. في المقابل شن الجيش الروسي خلال الأسبوعين الأخيرين أكبر عمليات القصف في هذه الحرب ومنها ضرب منصات باتريوت. وهذا يبرز بحسب مراقبين “وجود واقع عسكري مخالف لجزء كبير من الرواية الغربية التي تتضمن نفاذ الصواريخ لدى موسكو”.
ومنذ نهاية السنة الماضية، طرح قائد القوات العسكرية الأوكرانية الجنرال فاليري زيلوزني في اجتماع في قاعدة رامشتاين الألمانية على المشاركين في كل من “مجموعة الاتصال بأوكرانيا” المكونة من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو) لائحة العتاد العسكري الذي يحتاجه الجيش لشن هجوم مضاد يطرد القوات الروسية من شرق أوكرانيا بل وكذلك من شبه جزيرة القرم.
وكان أمين عام الناتو، ينس ستولستنبرغ، قد أكد منذ أسبوعين أن الحلف زود أوكرانيا بـ 98% من العتاد الذي طلبته. ومنح الحلف أوكرانيا مضادات جوية مثل باتريوت وصواريخ هيمارس الهجومية وطائرات ميغ 29 السوفييتية التي كانت في حوزة دول مثل بولونيا ودبابات سوفييتية وكذلك أوروبية مثل ليوبارد الألمانية. واعتقدت القيادة الأوكرانية أن الانسحاب الروسي من خاركوف في سبتمبر/ أيلول الماضي الذي كان تكتيكيا لكي لا تتعرض قواته (الجيش الروسي) لخسائر بشرية، كان مؤشرا على فرضية ضعف الجيش الروسي.
وطيلة الشهور الماضية، يتحدث جزء كبير من الإعلام الغربي عن الهجوم المضاد المرتقب، الذي سيلحق هزيمة بالقوات الروسية في أوكرانيا. وجرى إبراز دور دبابات ليوبارد ومنظومة باتريوت وصواريخ هيمارس بأنها ستقلب معادلة الحرب. وكان قائد الأركان الجيوش الأمريكية الجنرال مايك ميلي قد نبه الى صعوبة تحرير الأراضي الأوكرانية.
وتمر الأسابيع والشهور، ولم تنفذ القوات الأوكرانية أي هجوم مضاد ضد القوات الروسية لتحرير الأراضي التي تحتلها موسكو. وتكتفي بشن هجمات محدودة ضد الروس في بعض مناطق إقليم دونباس والمقاومة في مدينة باخموت التي جرى تدمير أكثر من 70% من عمرانها.
في المقابل، تعمل روسيا على ضرب مصداقية الخطاب السياسي- العسكري الغربي بشن هجوم مضاد، طالما أنها تعتبر أوكرانيا تقوم بالحرب بالنيابة عن الحلف الأطلسي. وهكذا، شنت خلال الأيام الأخيرة أعنف الهجمات منذ بداية الحرب، استعملت فيها بكثافة نسبيا الطائرات المقنبلة الاستراتيجية الاستراتيجية تو 95 وتو 160، وكذلك صواريخ متعددة ومتنوعة منها فرط صوتية مثل كينجال. ورفعت روسيا من القوة النارية التي تستهدف أوكرانيا لكي تؤكد ما يلي:
في المقام الأول، إبراز أن الهجوم المضاد هو مجرد “كلام فارغ”، وفق التعابير التي استعملتها عدد من وسائل الاعلام الروسية، مبرزة هشاشة الحملة الاعلامية الغربية بشأن
في المقام الثاني، لا يمكن للقوات الأوكرانية تنفيذ هجوم مضاد لأن القوات الروسية ضربت ودمرت الكثير من العتاد الذي توصلت به أوكرانيا خلال الشهور الأخيرة، ومن ذلك ما حدث فجر الثلاثاء بضرب منصة لمنظومة الدفاع الأمريكية باتريوت التي توصلت بها من المانيا. في الوقت نفسه، نجحت في التقليل من فعالية بعض الأسلحة النوعية لدى الأوكرانيين مثل التشويش الإلكتروني على صواريخ هيمارس الأمريكية لكي لا تصيب أهدافها. ثم وأن دولة مستعدة لمواجهة حلف الأطلسي مكون من عشرات الدول لا يمكنها التعرض لنكسة عسكرية من طرف دولة كانت حتى الأمس القريب جزءا منها.
في المقام الثالث، تبرز الهجمات الروسية خاصة بالصواريخ ضرب الرواية الغربية التي كانت تتحدث عن نفاذ الصواريخ الهجومية. ونشرت جرائد كبرى مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز وذي تايمز نقلا عن تقارير استخباراتية هذه الأطروحة ما بين يونيو ونوفمبر من السنة الماضية.
وفي المقام الرابع، تستمر موسكو في تنفيذ الأجندة الدقيقة للحرب التي تشنها على أوكرانيا وتتجلى في ضمان أمن الأراضي التي ضمتها الى وحدة روسيا، إقليم دونباس وشبه جزيرة القرم، وتشكل في المجموع ما يفوق مئة ألف كلم مربع.
وصرح الرئيس الأوكراني فلاديميرو زيلنسكي خلال زيارته الحالية لعدد من العواصم الأوروبية بتأجيل الهجوم المضاد الى أجل غير مسمى، وربطه بالاستعداد التام، وهذا ما جعل المراقبين الغربيين يتساءلون عن مصادقة الهجوم المضاد. في غضون ذلك، يدرك الغرب ومعه أوكرانيا أساسا أن الفشل في الهجوم المضاد سيعني انهيار القوات الأوكرانية من جهة، وكذلك بدء الشعوب الغربية بالمطالبة بوقف الدعم العسكري لأوكرانيا لإنهاء الغرب، ذلك أن هذه الشعوب هي المتضررة أساسا من الحرب.