فورين أفيرز: معركة خلافة عباس قد تقود إلى انهيار السلطة الفلسطينية وعدم استقرار

حجم الخط
1

لندن- “القدس العربي”:
نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا لغيث العمري، الزميل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، والمستشار السابق لفريق التفاوض الفلسطيني، قال فيه إن معركة خلافة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ستؤثر في استقرار المنطقة.

ففي عام 2005، انتخب عباس رئيسا للسلطة الفلسطينية لمدة أربعة أعوام، وملأ الفراغ الذي شغر بوفاة ياسر عرفات. ومنذ ذلك الوقت، لم تعقد انتخابات. وبعد 18 عاما لا يزال عباس في منصبه.

وكانت السلطة قد أنشئت في عام 1994 بعد اتفاق السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. ورغم كونها تابعة للمنظمة بسلطات مجالها الضفة الغربية وغزة، إلا أنها تحولت لتصبح مركز الجذب في النظام السياسي الفلسطيني. وقد بُنيت السلطة على نموذج الحكومات العربية في تونس ومصر وسوريا، بفصل نظري بين السلطات التشريعية والتنفيذية.

وفي الحقيقة، تهيمن السلطة التنفيذية على فرعي الحكم، فالمحاكم خاضعة لسيطرة عباس، ولديه السلطة لتعيين أو عزل رئيس الوزراء، وهو أيضا يدير الخدمات الأمنية. وكما فعل عرفات من قبل، فعباس هو رئيس السلطة الوطنية ورئيس منظمة التحرير وحركة فتح في وقت واحد، ويسيطر على التصويت للمجلس التشريعي.

ورغم خفوت شعبية السلطة، إلا أنها ما تزال المؤسسة الحاكمة في الضفة الغربية، وصوت الفلسطينيين في المحافل الدولية، وقاعدة للسياسة الفلسطينية الوطنية العلمانية. ونظرا إلى الأدوار المتعددة التي يقوم بها عباس، فإنه أصبح النقطة الرئيسية للسياسة الفلسطينية. وأهم منافس للسلطة، هو حركة حماس التي أنشئت عام 1987، وتعارض إسرائيل ومصنفة كحركة إرهابية في أمريكا وعدد من الدول الغربية.

لا تتمتع السلطة الوطنية بشعبية، وعباس في الـ87 من عمره، ويجري الهمس بشأن من يخلفه مع مرور كل عام. وعندما يحين الوقت لاختيار خليفته، فلن تكون العملية سلسة. لقد مارس عباس هيمنته على السياسة الفلسطينية من خلال رفضه تعيين خليفة له، أو تشكيل آلية لاختيار من يخلفه. وهذا يعني أن صراعا على السلطة قد يندلع في حالة وفاته، أو بقرار مفاجئ منه للتخلي عن السلطة. ولن يحدد النزاع من سيخلفه، وإن كانت السلطة ستظل باقية، وما مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية.

وبحلول 2010، فقد الفلسطينيون الثقة بالعملية السلمية، بعدما فشل عباس في التفاوض على تسوية مع إسرائيل، وحاول البحث عن بديل من خلال الانضمام إلى الأمم المتحدة، ولكنه فشل.

لكن السلطة نجحت بالانضمام إلى مؤسسات الأمم المتحدة مثل اليونسكو ومنظمة الملاحة الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. إلا أن هذه الجهود لم تترك أثرا ملموسا على حياة الفلسطينيين. وأدى ميل السياسة الإسرائيلية نحو اليمين، إلى تدهور العلاقة مع السلطة وحصرها في المجال الأمني الذي لا يحظى بشعبية بين الفلسطينيين. ورغم استمرار دعوة السلطة إلى الدبلوماسية، إلا أن نسبة كبيرة من الفلسطينيين فقدت الثقة بالمفاوضات. وبحسب استطلاع للرأي أجراه في آذار/ مارس، المركز الفلسطيني للسياسة والدراسات المسحية، فإن نسبة 18% تؤمن بالخيار التفاوضي، و69% ترى أن المجتمع الدولي لديه القدرة على تغيير سلوك السياسات الإسرائيلية.

وكافحت السلطة على الصعيد المحلي، ففي محاولة منه للحصول على الشرعية، قرر عباس عقد انتخابات تشريعية في 2006 فازت حماس بها، وحصلت على 74 مقعدا، مقابل 45 مقعدا لفتح. وقد بنت حماس حملتها على فساد السلطة.

وفشلت جهود تشكيل حكومة وحدة وطنية واندلع العنف، حيث سيطرت حماس على غزة في 2007، وردّت إسرائيل بفرض حصار على غزة، ما أدى إلى فصل الضفة الغربية عن القطاع. وقد ضربت الأحداث السلطة التي حاولت إعادة تأهيل نفسها وعينت رئيس وزراء إصلاحي هو سلام فياض، ولكنه عُزل في عام 2013 نتيجة معارضة من داخل فتح لإجراءاته المضادة للفساد.

ومع أن سياسات عباس جعلت فتح تحت قيادته، إلا أنها ضيّقت من قاعدة الحركة، وقللت من جاذبيتها للشباب. وتعامل عباس بحزم مع الرموز التي حاولت بناء قاعدة دعم سياسي أو أصبحت شعبية. ففي عام 2016 مثلا، استخدم المؤتمر العام لفتح، لتهميش مسؤولين بارزين مثل مروان البرغوثي ومحمد دحلان، وجرى طرد آخرين بسبب تحديهم له. وأدى التهميش والطرد إلى حرمان الحركة من المواهب، مع وجود الكثير من الطامحين للسلطة وليس شخصيات جدية.

لكن عمْر عباس دفع شخصيات في فتح والحكومة لوضع نفسها استعدادا للوقت الذي تحين فيه لحظة التغيير. فحسين الشيخ، أمين سر منظمة التحرير، وماجد فرج مدير المخابرات، يستخدمان علاقتهما القريبة من عباس لخلافته. وكلاهما لا قاعدة سياسية له، وهما مدينان بصعودهما لعلاقاتهما بعباس، وليس لقاعدة سياسية أو مؤهلات.

وغيرهما كذلك مثل جبريل الرجوب، الذي استخدم منصبه رئيسا للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم لبناء قاعدة شعبية. وأيضا محمود العالول، نائب رئيس فتح، الذي يحظى بشعبية بين صفوف الجيل القديم في الحركة. وربما حظي العالول والرجوب بدعم داخل فتح، لكنهما ليسا مسؤولين في السلطة الوطنية. وهذا يعني أنه في حالة المنافسة على الخلافة، فلن يكون لديهما المصادر التي لدى الحكومة للتنمر أو رشوة الداعمين.

وهناك طامحون يحاولون البقاء خارج اللعبة، وينتظرون فرصة عندما يقوم المرشحون بتمزيق أنفسهم ليظهروا كمرشحي إجماع. ومن ضمنهم رئيس الوزراء محمد اشتية، ووزير الخارجية السابق ناصر القدوة. وهناك آخرون يعتقدون أنهم لن يفوزوا، ولهذا السبب يحاولون لعب دور صانع الملوك، ومنهم محمد دحلان القيادي الفتحاوي المنفي.

وسواء كانت الخلافة سريعة أم طويلة، منظمة أم غير منظمة، فإنها ستكون لحظة خطيرة للسلطة. ففي غياب السلطة السياسية والأمنية المركزية، ربما تثبت القيادات المحلية نفسها على الاعتبارات المحلية، الرجوب في الخليل، والشيخ وفرج في رام الله. وربما تتحرك حماس التي ليس لديها حضور في الضفة الغربية، وتحاول دعم مرشحين في مناطق لها تأثير فيها ومتعاطفة مع أهدافها.

إن عملية النقل غير المنظمة للسلطة، ستترك أثرا واضحا. وفي حال طالت هذه العملية، فهناك احتمال للعنف، وهو منظور يبدو محتملا، نظرا إلى وجود عدد كبير من الجماعات المسلحة. ولو اندلع العنف، فسيستهدف الاحتلال الإسرائيلي، مما يقتضي ردا وتدخلا عسكريا. وربما يتبنى القادة المحليون نهجا صداميا ضد إسرائيل لتعزيز شرعيتهم. ولا يمكن ضمان عملية خلافة مستقرة طالما كانت العملية على قدم وساق.

إن عملية النقل غير المنظمة للسلطة، قد تؤدي إلى اندلاع العنف، نظرا إلى وجود عدد كبير من الجماعات المسلحة في الضفة الغربية

وفي حرارة الموقف، فالرهانات ستكون عالية لكي يتعاون فيها المتنافسون. ويجب أن تبدأ العملية الآن وعباس في وضع جيد وقوي. فهو لا يحتاج لكي يعيّن خليفة له، بل يجب عليه وضع الآلية والقواعد لتحديد واختيار المرشحين المؤهلين. ولا أحد يتوقع أن تكون العملية ديمقراطية في ظل الانقسام بين فتح وحماس، والطبيعة المتشرذمة للسياسة الفلسطينية. فمن خلال إعادة إحياء وتنشيط السياسة الفلسطينية، وقدرة فتح على إنتاج قادة بمصداقية سيضفي ذلك استقرارا على عملية الخلافة. وهذا يعني إعادة قادة جرى طردهم من فتح، والسماح بمنافسة مفتوحة داخل الحركة.

لن يتخذ عباس هذه الخطوات بنفسه، فهي تتناقض مع أسلوبه في القيادة. ولكن يجب أن توضع بدعم من الولايات المتحدة التي لا يزال لها تأثير مع حلفائها في أوروبا والمنطقة. ويجب على واشنطن البدء فيها بدون أن تشرف عليها مباشرة. وعليها العمل مع شركائها العرب الذين يفهمون السياسة الفلسطينية.

ولن تكون العملية سهلة، لكنها لو أُنشئت الآن، فستؤدي إلى عدم استقرار بعد خروج عباس من المشهد. ولو حدث فسينتشر العنف إلى إسرائيل والأردن وهو ما سيجر أمريكا مرة أخرى إلى النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني.

وفي وقت يتراجع التأثير الأمريكي في المنطقة، فإن تعبيد الطريق أمام خلافة مستقرة لعباس، يعطي صورة أن الولايات المتحدة لا تزال تحدث فرقا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية