عادت سوريا إلى عائلة الشعوب العربية – ليس كمنتصرة أو كحبيبة الجمهور، بل كبرغي وغرض في المنظومات الجغرافية السياسية المركبة في الشرق الأوسط. المقاطعة التي امتدت 12 سنة على نظام الأسد انتهت، والموجود على جدول الأعمال الآن هو الشروط المطلوبة منه. صحيح أن المعارضة السورية احتجت على الجانب غير الأخلاقي لإعادة الاعتبار لنظام الأسد الدموي لكن الواقعية السياسية، سواء كانت تهكمية أم لا، هي التي حسمت. كما في مسائل أخرى في الشرق الأوسط، لعب الموضوع السوري والانسحاب التدريجي لأمريكا من الساحة السياسية والأمنية دوراً في إعادة الانتشار الجديدة في المنطقة، وخرق الرئيس أوباما في 2015 لإعلانه السابق في موضوع الخط الأحمر حول استخدام السلاح الكيميائي من جانب بشار الأسد على المواطنين كان مؤشراً سلبياً واضحاً في هذا السياق. لا يوجد في السياسة الدولية فراغ، وحلت محل أمريكا روسيا وإيران، اللتان رغم تضارب المصالح الاقتصادية بينهما عملتا معاً على إنقاذ نظام الأسد. الدول العربية التي منحت مساعدة ما للثوار أدركت بأن صورة الوضع تغيرت. الاتصالات الأولى مع دمشق قامت بها الإمارات والبحرين كدورية فحص أولية، ولاقت زخماً مهماً مع أخذ السعودية للصدارة. سبق ذلك التطبيع بين الرياض وطهران بمبادرة صينية، الذي لاقى كتفاً باردة من واشنطن. كما كتب في “فايننشال تايمز” البريطانية، كان في قرار السعودية بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان “إيجاد نفسها من جديد على مسرح السياسة العالمية” ونتيجة لما اعتبرته غياباً، اتجاه واضح في السياسة الأمريكية، إضافة إلى اهتزاز الثقة بالتزامها في الدفاع عن حلفائها. هذه الشكوك تزايدت عندما لم ترد الولايات المتحدة بالقوة على الهجمة الصاروخية الإيرانية – الحوثية على منشآت النفط السعودية. وكما لاحظ المحلل السعودي، فإن “جملة المظلة الأمنية الأمريكية مثقوبة”. ولاحظ الخبير الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط جون الترمان، بأنه “من الصعب ألا يتساءل المرء ما الذي ستكون عليه السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في السنوات القريبة القادمة”. صحيح أن الرئيس بايدن صرح بأن مكانة الولايات المتحدة للمنطقة ستبقى متينة، لكن نقل وزن الثقل في السياسة والاستراتيجية الأمريكية إلى الشرق الأقصى، ثم إلى الجبهة الروسية، أثار شكوكاً في نظر الدبلوماسية السعودية.
رغم ذلك، لن تتخلى السعودية عن علاقاتها الأمنية الأساسية مع أمريكا. كما أن ليس لواشنطن – رغم العلاقات المتوترة مع الرياض عقب قضية خاشقجي ورفع أسعار إنتاج النفط في دول الأوبك بقيادة السعودية بخلاف طلبها الصريح – أي نية لسحب يدها تماماً من علاقاتها الخاصة مع السعودية. لهذا توجد آثار أيضاً على إسرائيل وعلى علاقاتها مع هذه الدولة. مع أن السعودية ترى ميزة في تطوير علاقاتها الجارية مع إيران، فإنها تفقد صلة العين مع المخاطر في ميولها النووية وتطلعاتها للهيمنة في المنطقة. كما أن العلاقات المتجددة مع دمشق لا تستهدف دعم مكانة إيران في سوريا بل منافستها وصدها. وبالفعل، فإن فتح صفحة جديدة بين الدول العربية بقيادة السعودية ودمشق لا يعتبر حتى في طهران بالضرورة كإنجاز من ناحيتها. وربما ثارت لديها شبهات حول ولاء الأسد لمصالحها. يمكن الافتراض بأن زيارة الرئيس الإيراني رئيسي الأخيرة إلى دمشق جاءت لتكون عملية مانعة من هذه الناحية؛ أي لمنع وضع تعطي فيه سوريا أولوية للسعودية وللإمارات في اقتصادها. واضح أن إيران لا تتنافس في هذا الشأن مع السعودية والإمارات وواضح أيضاً بأن لاستثماراتهما شروطاً وليس فقط أعمالاً تجارية صرفة. ومثلما كتب المحلل جاكي خوجي، فإن سوريا دولة خربة وتستوجب خطة ترميم واسعة. لا أحد في سوريا قادر على تمويلها، والخيار الوحيد هو الاعتماد على استثمارات أجنبية. لن تأتي أمريكا لتساعدها، ولا روسيا أيضاً التي يجثم اقتصادها تحت عبء العقوبات وكلفة الحرب في أوكرانيا، ولا أوروبا التي لها مشاكل خاصة بها. في مقلوب على مقلوب، العلاقات المتحسنة بين العالم العربي وسوريا كفيلة إذن بالعمل ضد ميول إيران وزعمائها المتطرفين الذين سيتعين عليهم أن يشرحوا لمواطنيهم لماذا لم تعط استثمارات عشرات مليارات الدولارات في سوريا ربحاً لهم ولم تخفف من ضائقتهم الاقتصادية، بينما يقطف الثمار أحد آخر.
للآثار على إسرائيل من الوضع الجديد عدة اتجاهات محتملة. ففي نظرة إيجابية، سترغب السعودية وحلفاؤها العرب الذين سيستثمرون مقدرات هائلة في الاقتصاد السوري، في ضمان الهدوء والاستقرار الأقصى في الدولة. وأعمال إيران المؤيدة للإرهاب وبناء شبكات هجومية لـ”حزب الله” وجهات أخرى ضد إسرائيل من أراضي سوريا لا تخدم هذا الهدف. على إسرائيل أن تستخدم هذا الوضع والخيارات التي يفتحها أمامها لدفع مكانتها السياسية قدماً. حكومة التغيير، مع قيامها، أعلنت أنه بسبب التضاربات السياسية والأيديولوجية بين عناصرها ستمتنع عن خطوات سياسية ذات مغزى. وقد أوفت بكلمتها بحيث جاءت عودة نتنياهو لرئاسة الوزراء في موعدها. “اتفاقات إبراهيم” كانت خطوة مهمة ليس فقط لإسرائيل، بل أيضاً من ناحية الشرق الأوسط كله – والفصل الجديد في العالم العربي كفيل بدعم الخطى لتوسيعها وتعميقها. إن إقامة علاقات علنية مع السعودية ستبقى هدفاً دبلوماسياً مركزياً لإسرائيل والولايات المتحدة رغم مشاكلها مع الرياض، وستبقى تؤدي دوراً إيجابياً في هذا السياق. قيل في إحدى الصحف إن التقدم في القناة السعودية الإسرائيلية سيتوجب موقفاً عملياً من المسار الفلسطيني. ليس في ذلك جديد، لكن من غير المستبعد أن تقرر السعودية، مثل الإمارات، بأنه يمكن السير بالتوازي سواء في مسار مصالحها الذاتية أم في المسار الفلسطيني.
زلمان شوفال
معاريف 17/5/2023