«جان دو باري» لمايوين يفتتح مهرجان كان في دورته السادسة والسبعين

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

 كان – «القدس العربي»: امرأة متمردة، تضرب عرض الحائط بقواعد المجتمع ولا تفعل ما تؤمر. متمرسة في اللغة وقواعدها، قارئة نهمة، وامرأة متمرسة في فنون الحب والإغواء. تلك هي جان دو باري، الشخصية الرئيسية في فيلم افتتاح مهرجان كان في دورته السادسة والسبعين (16 إلى 27 مايو/أيار الجاري)، التي تلعب دورها مايوين مخرجة الفيلم.
في بلاط الملك الفرنسي لويس الخامس عشر أُمرت ألا تدير ظهرها للملك قط، وألا تنظر في عينيه مباشرة، ولكنها لم تمتثل لما تؤمر به، وأعرضت عن نصائح مستشاري القصر، بل أنها ارتدت حلة رجالية وأطلقت لشعرها الطويل العنان، في وقت كانت فيه النساء مجبرات على ارتداء تلك الأثواب المنسدلة التي تقيد حركتهن.
تدور أحداث الفيلم قبيل الثورة الفرنسية، على الرغم من أن الفيلم يدور في البلاط الملكي، وعلى الرغم من أن الملك لويس الخامس عشر يؤدي دوره نجم هوليوود الشهير جوني ديب، إلا أن محور الفيلم هو جان دو باري، محظية الملك الأثيرة، التي تمنح الفيلم اسمه والتي اختارتها المخرجة مايوين أن تلعب دورها وألا تمنح هذا الدور لأي ممثلة أخرى. ربما يمكننا القول إن الفيلم يقدم صورة المخرجة/الممثلة مايوين عن ذاتها، فهي ترى في ذاتها تلك المرأة المترددة متعددة المواهب صاحبة الشخصية القوية. يمكننا القول إن المخرجة تتماهى مع شخصية جان، التي لم ترهب البلاط الملكي ولم تترد في تحدي المجتمع.
جان هي الابنة غير شرعية لراهب وطاهية، أُلحقت في طفولتها وصباها في دير، لتتلمذ على يد الراهبات، ولكنها حين شبت عن الطوق واكتشفت الملذات الحسية للجسد والملذات الفكرية للقراءة، طردت من الدير، ولكنها قررت ألا تصبح ضحية، وأن تجد لنفسها مكانا في العالم. «جان دو باري» ليس بالفيلم المتعمق، الذي يسبر أغوار المعترك السياسي في فرنسا قبيل الثورة الفرنسية، ولا يقدم أيضا صورة متعمقة لكفاح جان كامرأة وما تواجهه في الحياة من مصاعب كشابة جميلة لا تملك المال ولا تأتي من أسرة ثرية ذات مكانة في مجتمع طبقي لا يرحم. يمكنا القول إنه فيلم تمضي مع نحو ساعتين دون ملل، ولكن دون انبهار أيضا.
لجسد المرأة حضور قوي في الفيلم. قد يبدو أمرا بديهيا أن جسد المرأة هو ملكها الخالص، لها الحرية في التعامل مع كيف تشاء. لكن الفيلم يوضح أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك. تطرد جان من الدير بعد بلوغها لاكتشافها أن لها جسدا له رغبات واحتياجات. وتلحقها أمها لاحقا بمرسم ليرسمها الفنانون، ولكنها ترفض نزع ثيابها ليرسموها عارية، ليس خجلا، بل لأنه جسدها، وهي لا تريد أن تشركهم فيه. وهناك مشهد مطول في الفيلم لفحص جسدها من قبل أطباء القصر قبيل لقائها الحميمي بالملك. وهناك تمرد جان الدائم على ما يجب أن ترتديه وكيف يجب أن تتزين. فكما أن الفيلم محاولة دائمة من المجتمع لفرض سطوته على الجسد الأنثوي، ومحاولة جان الإعلان أن لها جسدا هي من يقرر مصيره ويقرر كيف يبدو وكيف يتزين ومن يشتهي ويرغب.
على الرغم من أن شقا كبيرا من أحداث الفيلم تدور في البلاط الملكي الفرنسي في قصر فرساي، إلا أن الفيلم لا يتمحور بأي حال من الأحوال حول الملك ذاته، بل أن أهميته لا تبدو لنا على أنها تزيد عن كونه الرجل الذي اختارت جان أن تكون محظيته. لا نراه آمرا أو ناهيا قط، بل نراه رجلا سئم التبجيل الزائد والانحناء له تبجيلا، ويرغب في لقاء امرأة تكون ندا له. تثير مكانة جان لدى الملك الكثير من الانتقاد والغيرة والاعتراض داخل البلاط، خاصة من بنات الملك من زوجته الراحلة. ومن ماري أنطوانيت، زوجة ولي العهد الشابة. تناصب بنات الملك وماري أنطوانيت جان العداء، ويرفضن وجودها في البلاط الملكي وداخل القصر. تجد جان نفسها بلا حليف في القصر، بخلاف وصيف الملك، الذي يعلمها شؤون اللياقة وكيفية التعامل داخل القصر الملكي. ومع تدهور الحالة الصحية للملك، واستمرار رفض البلاط لها، يصبح بقاء جان في القصر مهددا.
تدور أحداث الفيلم على أعتاب الثورة الفرنسية، ولكننا لا نرى في الفيلم المصير الدامي للعائلة المالكة ولجان دو باري ذاتها. إنه فيلم يحمل الكثير من الألوان والأضواء والبهجة ورحلات الصيد وولائم الطعام، ولم ترد مايوين أن تدخل القتامة على الألوان الزاهية والأجواء البهيجة للفيلم بتصوير النهاية المعلومة لأفراد الأسرة المالكة، واكتفت فقط بسرد مصيرهم مع مشهد ختام الفيلم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية