أصدر المغني المغربي سعد لمجرّد أغنية جديدة، بعد إطلاق سراحه المشروط من سجنه الفرنسي، لتحصد على موقع يوتيوب حوالي خمسة عشر مليون مشاهدة في أقل من أسبوعين. لا يمكن بالتأكيد رصد دوافع المشاهدين، فقد يكونون من محبي لمجرّد والمتعاطفين معه، أو مجرد أشخاص يدفعهم الفضول لمتابعة ما سيعبّر عنه المغني المدان بالاغتصاب، قبيل استئناف محاكمته. ما هو ثابت أن الجريمة الخطيرة، التي يُفترض أنه ارتكبها (إلى حين صدور الحكم المُبرم) لم تقصه نهائياً عن المجال العام، وسيبقى موجوداً ومؤثّراً وله متابعوه، ما دام يتمتّع بحريّة نسبية. ربما يكون هذا مخيّباً لآمال كثير ممن يتمنّون تطهير الإنتاج الثقافي، والإعلام العام، من كل المشتبه فيهم بارتكاب نمط معيّن من الجرائم، أو حتى أصحاب وجهات النظر والدعوات، التي لا تعتبر «صائبة» سياسياً أو هوياتياً.
لا يقتصر فشل ما يسمى «ثقافة الإلغاء» على العالم العربي، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، مهد «الإلغاء»، المتمتع بقوة مؤسساتية كبيرة، فشل الناشطون في إقصاء كثير من الأسماء الشهيرة والمؤثّرة، ومنها مثلاً مغني الراب كانييه ويست، الذي وصل به الأمر لخرق أحد أهم الخطوط الحمر في الدول الغربية، أي معاداة السامية. كثير من الشركات أنهت تعاقداتها مع ويست، وخسر مالاً كثيراً، ولكنه في النهاية ما يزال موجوداً بقوة، والمعجبون به يُعدّون بالملايين. بل عجزت تلك «الثقافة» عن إلغاء سياسي شعبوي مثل دونالد ترامب، رغم كل ما حركّته ضده من إعلام وصناعة ترفيه، وحتى أجهزة استخباراتية وقضائية.
يبدو أننا قد وصلنا عالمياً إلى حدود «ثقافة الإلغاء»، فبعد أن كان الظن السائد أن الحيّز العام قد خضع تماماً لسيطرة تيار أيديولوجي معيّن، يستطيع إقصاء واستبعاد مخالفيه بذرائع حقوقية وأخلاقية، عادت توازنات القوى، والوقائع الاجتماعية والسياسية الأساسية، لتفرض نفسها. فشل أنصار ما يسمى «يساراً ليبرالياً»، في المعيار الأمريكي المنتشر عالمياً، في فرض هيمنتهم، وكأن المجتمعات لا تأبه بما يعتبرونه فظائع لا يتقبّلها إلا جاهل أو شرير. الأمر الذي يتركهم أمام خيار أخير، هو الإدانة الأخلاقية المتعالية للمجتمع، الذي لم تنفعه كل «التوعية» التي حاولوا نشرها، هذا التذمّر قد لا يثير إلا بعض الضجيج الافتراضي في العالم العربي، إلا أنه في الدول الغربية، خاصة أمريكا، يؤدي إلى كثير من التوتر العرقي والسياسي والهوياتي، القابل للانفجار في أي لحظة.
ولكن لماذا يفشل كل أولئك الناشطون الممولون جيداً، والمدعومون مؤسساتياً وسياسياً وإعلامياً، في «كنسلة» خصومهم؟ ولماذا لا تصبح قيم أخلاقية، يُفترض أن تكون بديهية، مثل رفض الاعتداء والتمييز والعنصرية، «حسّاً سليماً» لدى الأغلبية الساحقة في المجتمعات المختلفة؟
الجهل المزدوج
تحدّرت «ثقافة الإلغاء» من أصول نظرية أوروبية يسارية، مثل نظريتي الهيمنة والمجتمع المدني لدى أنطونيو غرامشي؛ وما يسمّى «النظرية الفرنسية» (البنيوية الفرنسية وما بعدها)، بعد كثير من التحويرات والتبيئة في السياق الأكاديمي والاجتماعي والسياسي الأمريكي. يخوض الناشطون الأمريكيون والمتأمركون معاركهم لأجل «العدالة الاجتماعية» في المؤسسات العامة والوسيطة، وعلى رأسها التعليم والإعلام وصناعة الترفيه ومواقع التواصل، بعد أن فهموا الصراع الاجتماعي بوصفه انقساماً عمودياً بين جماعات هوية، لا يمكن الدخول إليها أو الخروج منها، إلا إذا قام المرء بعملية «تحوّل» Transformation، تجعله فرداً من هوية متحوّلة، لها مظلمتها هي الأخرى.
انتُقد هذا المنظور من اليسار واليمين، إلا أن مشكلته الأساسية قد تكمن في عدم اتساقه الداخلي، وجهله بأصوله النظرية نفسها: يعتقد كثير من الناشطين أنه يجب التغلغل في المؤسسات العامة، وجعلها أكثر «عدالة» من حيث التقسيم الهوياتي، ومن ثمّ طرد وإبعاد كل الشخصيات والأصوات، التي ما تزال تجرؤ على دعم هرميات وعلاقات القوة القديمة، ما يؤدي في النهاية إلى تصحيح اللغة والتصورات الثقافية والتنشئة الاجتماعية، وبالتالي فرض هيمنة تتناسب مع مطالب «المهمّشين» والضحايا، ولكن كيف يمكن تحقيق كل هذا؟ لا توجد إجابة سوى الضغط الأخلاقي، أي اعتبار الهيمنة منتجاً تفرضه حقائق وقيم صحيحة وبديهية، وهنا يظهر الجهل بأساسيات مفهوم الهيمنة، الذي يعني، تعريفاً، نمطاً من السيطرة الفكرية والأخلاقية، التي تفرضها فئة ذات وجود مسيطر في بنية اجتماعية/اقتصادية معيّنة، لتصبح قيمها أقرب لـ»حس سليم»، يكتسب صحته من سياقه الاجتماعي والتاريخي، وليس من حقيقته الجوهرية. كيف يمكن للمرء أن يكون «مهمّشاً»، أي يشغل مكانة دونية ضمن هرمية اجتماعية معينة؛ ومهيمناً أخلاقياً ومؤسساتياً في الوقت نفسه؟
كان من أهم أساسيات نظرية الهيمنة الكلاسيكية، لدى غرامشي مثلاً، محاولة إنشاء «كتلة تاريخية» جديدة، تعبّر عن طبقات جديدة صاعدة اجتماعياً وإنتاجياً، وبالتالي ليست «مهمّشة» بالمعنى المعاصر، ما يكسبها قوةً وحضوراً، يُمكّن مثقفيها العضويين من التغلغل في مؤسسات الهيمنة القائمة، أي الخاصرة الليّنة للمنظومة السائدة، والسيطرة عليها أيديولوجياً، ضمن ما يشبه «حرب الخنادق». ربما يكون تصوّر الماركسي الإيطالي عتيقاً للغاية، ولكنه «الأصل»؛ ويرى على الأقل التاريخ والمجتمع الواسع خارج اللغة والمؤسسة و»التجربة الذاتية».
ضمن سياق الجهل المزدوج هذا يمكن وصف قيم وممارسات جانب كبير من «الناشطية» المعاصرة بالظلامية، بمعناها المنضبط، لأنها قائمة على التجهيل بالأصول الفكرية والسياسية لمبدأ ما، والتهرّب من نقاش سياقاته الاجتماعية والتاريخية الفعلية، لحساب اعتباره مبدأً متعالياً وشاملاً وصحيحاً في ذاته، يُفرض من قبل مجموعات تعرف مسبقاً ما هو الصواب، وخارج كل سياق.
أفرغ التحوير الأمريكي نظريات الهيمنة من مضمونها الاجتماعي التأسيسي، وجعلها أقرب لصراع على الامتياز بين نخب من المتموّلين، وهذا قد يكون متسقاً مع السياق التاريخي الأمريكي، الذي لعبت فيه جماعات الضغط lobbies دوراً أساسياً في صياغة سياسة وثقافة البلد، في تعارض مباشر مع أصول الديمقراطية الشعبية المترسّخة فيه، ولهذا تبدو «ثقافة الإلغاء»، بنسختها الأمريكية الأصليّة، أقرب لفعل لوبيات، لا تفكّر في مجتمع أو «كتل تاريخية» أو حتى توازنات قوى سياسية/شعبية فعلية، بقدر ما تضغط لفرض رؤى مجموعات محدودة، تتمتع بالقوة المالية، وتواجه دائماً معارضة شعبية أو فئوية واسعة، ضمن معركة اجتماعية مفتوحة. تعميم تلك المنظورات وأساليب العمل خارج الولايات المتحدة، واعتبارها بديهية وعالمية، ينبني على جهل مضاعف: الجهل بأساسيات مفهوم الهيمنة المذكورة أعلاه؛ وكذلك الجهل بخصوصية السياق الأمريكي، الذي يجعل الصراع الاجتماعي على الهيمنة يتخذ ذلك الشكل الإلغائي. وهذا يجعل «الناشطية» خارج الولايات المتحدة تبدو جسماً غريباً، يحاول، بكل عنجهية، فرض قيم وأفكار جاهزة.
ربما لكل ذلك تتعثّر معارك الإلغاء في الولايات المتحدة، فيما تبدو كاريكتيرية وعبثية خارجها، خاصة في العالم العربي، ذي الظرف المختلف تماماً.
بنية «الظلامية»
ضمن سياق الجهل المزدوج هذا يمكن وصف قيم وممارسات جانب كبير من «الناشطية» المعاصرة بالظلامية، بمعناها المنضبط، لأنها قائمة على التجهيل بالأصول الفكرية والسياسية لمبدأ ما، والتهرّب من نقاش سياقاته الاجتماعية والتاريخية الفعلية، لحساب اعتباره مبدأً متعالياً وشاملاً وصحيحاً في ذاته، يُفرض من قبل مجموعات تعرف مسبقاً ما هو الصواب، وخارج كل سياق. كل ذلك قد يحرم البشر من الاطلاع على الشرط المادي الفعلي الذي يعيشونه، وبالتالي من أن يكونوا فاعلين فيه جديّاً، فيبقون في تبعية دائمة لنخب تتلقّى الوحي «الصحيح».
السؤال الأهم هنا: لماذا لا يسعى الناشطون إلى تبيئة المبادئ والأفكار، التي يستمدونها من سياق مغاير، بدلاً من استنساخها ومحاولة فرضها كما هي، ومن ثم الغرق في التذمّر بعد فشلهم بذلك؟ أو بالأصح: إذا كانوا غير قادرين على تشكيل «لوبي» على الطريقة الأمريكية، بقوة وتأثير اللوبيات السائدة هناك، فلماذا يفترضون أن مبادئهم تستحق الهيمنة؟ ربما يجب البحث في أصول شعور الاستحقاق الزائف هذا بعيداً عن طروحات الناشطين أنفسهم، إذ تنشئ آليات العولمة المعاصرة، بشكل دائم، مجموعات مترابطة من الأفراد، الذين يفهمون السياسة والأخلاق والقضايا الاجتماعية بوصفها «نمط حياة» Life Style فرديا، يستمد قيمته من تطابقه مع معايير «عالمية». إلا أن هذه المجموعات ستظلّ غالباً على «السطح»، وتعاني من فشل مزمن، فمن الصعب نصرة أيديولوجيا، ذات ادعاءات مبالغ بها لهذه الدرجة، من خلال فهم «ظلامي» للواقع والسياسة.
ضد المغتصبين
بالعودة لقضية لمجرّد، فربما يكون التساؤل عن سبب فشل «كنسلته» عبثياً في السياق العربي، وربما الأجدى البحث عن صيغ ثقافية مغايرة، لمواجهة حضور شخصيات عامة، تُعبّر عن قيم وممارسات لا يمكن التصالح معها، أو تنشر خطابات تحضّ على الكراهية والاستغلال. وهي صيغ يجب أن تراعي كثرة مصادر الإلغاء «الأصيلة» في السياق العربي، وعدم الحاجة لتكثيرها بإلغاء مستورد، لن يزيد الثقافة العربية إلا ضموراً وقمعية.
وبعيداً عن التجريد الثقافي، فإن خطوط الصراع الاجتماعي في العالم العربي، وتوازن القوى الفعلي، ومنافذ ممارسة السياسة والفعل في الحيز العام، وكذلك الاختلال الكبير في القيم الأخلاقية والثقافية، يتطلّب أشكالاً أخرى من الخطاب وأساليب العمل، لن تقدّمها «الناشطية» بالتأكيد، إلا أن نقدها وتجاوزها، عبر تحليل أسسها وسياقتها الفعلية، أمر شديد الضرورة، لتكوين خيال سياسي وأخلاقي جديد، لدى من تبقّى من فاعلين عامّين في العالم العربي.
كاتب سوري