«قائمة الطعام» و«مثلث الحزن»: مواجهة عالم الرأسمالية بالعنف والسخرية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة «القدس العربي»: «العنف والسخرية» رواية من أشهر أعمال الكاتب ألبير قصيري (1913 2008) وإن كان العنف تمارسة السلطة السياسية عن طريق رجلها الوحيد (رجل الأمن) فالسخرية تأتي من قِبل بعض الشخصيات التي تعري هذه السلطة وممثلها البغيض. مع ملاحظة أن قصيري كتب روايته عن مصر الأربعينيات، إلا أن الحال لم يتغير حتى هذه اللحظة.
هذا في ما يختص بالعنوان، لكن هنا وفي فيلمي «قائمة الطعام» و»مثلث الحزن» تصبح السلطة الجديدة ليست نظاماً سياسياً حاكماً، بل تعدت إلى سلطة متوحشة للرأسمالية، التي اجتاحت دول العالم، ولم تعد تقتصر على دولة أو أخرى. وفي هذين الفيلمين كانت المواجهة بالعنف في الأول، والسخرية السوداء في الثاني، كشكل من أشكال المواجهة والثأر، التي لا تجد مكاناً لها إلا من خلال الفن، الذي يحاول صياغة العالم وفق رؤاه، والتي قد تصبح بشكل أو بآخر حلماً أو إرهاصاً بأن تتحقق هذه الرؤى على أرض الواقع.. ربما.

قائمة الطعام
يقدم المخرج الإنكليزي مارك ميلود رؤيته الانتقادية للمجتمع الرأسمالي في شكل انتقامي من هؤلاء، فهم مجموعة من الفاسدين تتم تعريتهم تماماً عن طريق مطعم يديره شيف شهير (رالف فينيس) يقتصر على صفوة المجتمعات، هذا المطعم الذي يقدم أطعمة متميزة وغير اعتيادية، إضافة إلى كونه مُقاما في مكان منعزل جزيرة يحملهم إليها يخت، يُغادرها بعد وصولهم، لنطالع هذه الشخصيات المنتقاة، التي تتباهى في وجودها في هذا المكان باهظ الثمن. وعن طريق تجربة خمسة أطباق مختلفة تظهر آثام هؤلاء، لصوصا ومتهربين من الضرائب، آفاقين ومُدّعين. وهنا يمارس صاحب المكان انتقامه، فهو يعرف تفاصيل حياتهم وجرائمهم، بل يمارس القتل أيضاً عند أي شكل من أشكال الاعتراض. وإن كان الأمر أشبه باستدراج هؤلاء بإرادتهم فكرة التباهي بما يملكون من ثروة إلا أنه فخ منصوب بإحكام، لتعذيبهم وإرعابهم، وربما انتقام أو ثأر قديم من قِبل صاحب المكان.

بائع الهامبرغر

لا يوضح الفيلم كيف كوّن صاحب المكان ثروته، التي جعلته من أشهر وأهم أماكن تناول الطعام، وأن يقتصر على صفوة المجتمعات من وجهة نظر الأثرياء بالطبع لكن في إشارة سريعة نرى صاحب المكان في شبابه كان يبيع الهامبرغر، أي طعام شعبي يخص الأغلبية من الناس، فهو في الأساس ينتمي لهذه الفئة. فتاة وحيدة جاءت المكان بالمصادفة مع صديقها، هي التي أُتيح لها مغادرة المكان، ربما لأن صاحبه اكتشف أنها لا تنتمي لعالم هؤلاء، حتى إن كانت نجحت في الفرار من هذا الفخ/الجحيم المصنوع بمهارة تتساوى ومهارته في الطبخ.

«قائمة الطعام»

ليكن الهامبرغر

وفي مشهد عابر في فيلم «مثلث الحزن» إخراج السويدي روبن أوستلند يتناول قبطان المركب الذي يحمل مجموعة من صفوة الدول المختلفة، الذين يتناولون أغلى وأغرب الأطعمة، يقتصر طعامه على الهامبرغر، وكأنه ينتمي أو ينتصر لفريق الأغلبية من الناس في العالم، بخلاف هؤلاء النفايات الموسومين بالصفوة وفق منطق وشروط العالم الآن.

السخرية

لم يركز مثلث الحزن على فكرة الانتقام المباشر كما في فيلم «قائمة الطعام» لكنه لجأ إلى الحِس الساخر للقضاء على المتباهين على الدوام بالثراء، الذين بالفعل لا يفعلون شيئاً يُذكر، فهم آفة أو عالة على العالم، فقط .. تتكاثر ثرواتهم جرّاء تجارة أغلبها غير مشروعة، إضافة إلى توضيح هشاشة شخصياتهم، وتصويرهم في أبشع اللحظات، وقد اختلط طعامهم بالرعب والقيء والفضلات، فهو العالم الأنسب لهم.

عالم اليخت
يقسّم المخرج العالم من خلال الرحلة على اليخت، فالسطح للفئة الثرية، التي يقوم الجميع على خدمتها، بينما الجزء الأوسط يقتصر على المضيفين والمضيفات، المتعاملين مباشرة مع أثرياء المرحلة، وفي الأخير يأتي أهل القاع من منظفي المراحيض وما شابه من العاملين والعاملات البائسات من ذوي البشرة السمراء، بخلاف الأبيض الأوروبي أو الأمريكي الذي يحتل الطابقين الأعلى.

ماركس وريغان

يتصدر المشهدَ العام في الجزء الأوسط من الفيلم كلٌ من القبطان الأمريكي، المتبني للفكر الاشتراكي، مقابل أحد الأثرياء المدعوين، وهو تاجر (روث) روسي، لا يؤمن إلا برجال إنكلترا والولايات المتحدة. وفي مناظرة بينهما وهما مخموران تخرج الكوميديا من حوار يتبادل فيه الرجلان عبارات لكل من كارل ماركس ورونالد ريغان. وبينما اليخت يترنح جرّاء عاصفة، حتى يهاجم بعض القراصنة المركب ويغرقونه، فلا ينجو إلا بعض الشخصيات سيلوذ القبطان بحجرته وزجاجة الخمر التي لا تفارقه حتى الغرق التي من خلالها ستتم إعادة بناء مجتمع جديد، وبالتبعية علاقات قوة وسلطة جديدة.

في صحة النسوية

يُشير الفيلم إلى عدة قضايا وهمية يحاول أصحابها تصديرها وكأنها أكبر مشكلات العالم. يبدأ الفيلم بين شاب وصديقته، يحاول العمل كموديل لماركة من الماركات المتوسطة، أما صديقته فبلوجر تتمتع بقدر من الشهرة وهي سبب دعوتها إلى رحلة اليخت وفي نقاش طويل متصاعد يعترض الشاب على دفع فاتورة الحساب في أحد المطاعم، فأين المساواة إذن؟ خاصة أن دخله لا يُقارن بدخل صديقته المرتفع نسبياً. وبعد تحطم اليخت، يصبح الشاب وصديقته ضمن فريق الناجين، الذي اقتصر على رجل الأعمال الروسي، وأحد القراصنة، ومديرة اليخت وامرأة ثرية بكماء، وأخيراً.. خادمة المراحيض، التي أصبحت هي الوحيدة القادرة على الصيد وإشعال النار، وبالتالي هي المتحكمة في مصدر الثروة الجديد (الطعام) تمنح وتمنع على هواها، فأصبحت هي صاحبة الكلمة العليا في المكان.. مصدر السلطة الوحيد، هذه المُهمَلة على الدوام، التي كانت فقط مُنفذة للأوامر، أصبحت هي الأساس والباقي مجرد خدم تابعين، حتى أنها استأثرت بمكان مريح نسبياً للنوم، بينما الباقي ينام في العراء، كذلك أصبحت تنتقي جنسياً مَن تشاء، فوقع اختيارها على عارض الأزياء الفاشل المرأة الملونة واستغلال الرجل الأبيض جنسياً مقابل الطعام هنا نعود إلى السلطة الأمومية، وهنا تتحقق مآرب النسوية في أقصى صورها، لكن.. هل حققت النسوية العدالة؟

«مثلث الحزن»

آفة السلطة

وإن كانت السلطة قد عادت بكاملها أولاً إلى فئة العمال، وثانياً إلى المرأة، إلا أن السلطة دائماً تشوّه مَن يمثلها أو يمتلكها، لقد أصبحت المرأة في غاية القسوة واستغلال الآخرين، وما المناداة بحلول عادلة أو تحقيق شيء من العدالة، إلا موقف مَن هم في موقف ضعف، لكن إذا انقلب الأمر واستتبت لهم السلطة، سيصبحون أبشع من المتسلطين المعهودين أنفسهم.
هذه المرأة المقهورة في السابق، والمتسلطة الآن والمتحكمة في كل شيء لم تتورع عن ارتكاب جريمة قتل قتلت صديقة الشاب بعد اكتشاف الأخيرة أن الجزيرة ليست منعزلة كما توهموا، بل كانت شاطئا لفندق كبير، هنا شعرت العاملة بأن سلطتها مُهددة، وأنها لن تعود لوضعها كما في السابق، مُنكّسة الرأس، ولا تومئ إلا بالإيجاب تنفيذاً لأوامر رؤسائها، لن تعود وقد مسّها جنون السلطة إلى سيرتها كخادمة مُطيعة.

المأساة

كل من الفيلمين حاول وفق رؤيته التعبير عن المأساة التي يتجه إليها العالم، وقد أصبحت حالة التسليع والانتهاك هي الأساس، فمن القضاء على الآفات المتمثلة في الأثرياء الجدد، كما في (قائمة الطعام) وهي نهاية دموية، والمختلف فقط عن هذا العالم أو غير المنبهر به، هو القادر على الفرار، أو الانفلات. بينما السخرية اللاذعة في (مثلث الحزن) لن تؤول في النهاية إلى حالة من اليأس والخوف من تكرار التجربة، حتى ولو تغيّرت السُلطة أو مَن يمثلها. فالتغيير مرهون بعدم تكرار الأخطاء، لكنه أمر مشكوك فيه إلى حدٍ كبير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية