الدافع الحقيقي إلى توقيف باشاغا وتسمية أسامة حماد في مكانه ليس التقصير وإنما الصفقة السياسية، التي يتم طبخها بمشاركة مصر والأردن، وبحضور ممثلي فصائل مسلحة وشخصيات وازنة من المنطقة الشرقية.
لا شيء يؤكد أن انتخابات رئاسية ونيابية ستجري في ليبيا قبل نهاية العام الجاري. وتبدو التحضيرات المُعلنة هنا وهناك مجرد مُسكنات لإلهاء الرأي العام المُتعطش للانتخابات، باعتبارها بوابة الخروج من الفوضى السائدة في البلد منذ انتخابات 2014. وهناك تحذيرات من احتمال تعميق الشرخ بين الشرق والغرب في ظل الخلاف الشديد بين مجلس النواب ورئيس الحكومة الموازية فتحي باشاغا. وقد أطاح المجلس بباشاغا بعدما كان منحه الثقة لدى تشكيل حكومته في العام 2022. وعين المجلس وزير التخطيط والمالية أسامة حماد على رأسها مؤقتا، إضافة إلى اضطلاعه بوزارة المالية، بينما كلف باشاغا، نائبه علي القطراني بمهام تسيير الحكومة بدلا منه، وفوض له كامل الصلاحيات الممنوحة لرئيس الوزراء، وذلك قبل تصويت البرلمان على توقيفه عن العمل.
وهذا ما سيزيد الوضع تعقيدا ويُعطل الجهود الرامية لإجراء الانتخابات في الميقات المُعلن عنه، بسبب النزاع على الشرعية بين الرجلين. وبعد إيقاف رئيس الحكومة المكلفة وإحالته للتحقيق تبعا لتصويت أغلبية الأعضاء، يُعتقد أن وزراء آخرين في الحكومة الموازية قد يتعرضون أيضا للتوقيف عن العمل. ومن المؤشرات على ذلك قرار هيئة الرقابة الإدارية إيقاف وزير الدولة لشؤون رئاسة مجلس الوزراء عادل جمعة عن العمل، من دون إيضاح أسباب هذا الإجراء. لكن جمعة استمر في منصبه بالرغم من قرار التوقيف عن العمل. وعزت غالبية أعضاء مجلس النواب، التي قررت إيقاف باشاغا عن العمل، قرارها هذا إلى ما اعتبرته قصورا في أداء الحكومة، مشيرة في شكل خاص، إلى إخفاقه وأعضاء حكومته، في الدخول إلى طرابلس، بعدما وعد بذلك. كما قرر مجلس النواب تشكيل لجنة للتحقيق مع باشاغا. بالمقابل، ما زال المبعوث الأممي لدى ليبيا عبد الله باثيلي محافظا على تفاؤله، على الرغم من هذه التطورات غير المتوقعة، فهو يحض على إشراك جميع الأطراف والشخصيات الليبية في العملية الانتخابية، بمن فيهم قادة الأمن، على ما قال في تصريحات صحافية.
أكثر من ذلك، أعلن أنه سيرفض «أية استثناءات في الترشيح للانتخابات» في إشارة إلى إمكانية ترشيح سيف الإسلام الابن الثاني لمعمر القذافي، الذي كان ترشيحه في الانتخابات المؤجلة في 2021 مثارا لخلافات حادة بين الليبيين. ويُعتقد أن أطرافا سياسية، في الداخل والخارج، لم يُكشف عن هويتها، هي الراغبة باستخدام ورقة سيف الإسلام، كي يكون لها قولٌ في مرحلة ما بعد انتهاء الصراع الأهلي في ليبيا. ويخص هذا الأمر تيار السبتمبريين الموالين للنظام السابق، وفي الخارج روسيا بشكل أساسي.
والمؤكد أن باشاغا لن يعود إلى منصبه على رأس الحكومة الموازية، وكان تشكيله لتلك الحكومة، مع وجود حكومة معترف بها دوليا، خطأ استراتيجيا كبيرا، فقد كان يتبوأ منصب وزير الداخلية القوي، في حكومة الوفاق الوطني، برئاسة فايز السراج، والآن فقد مواقعه داخل المنظومة الحاكمة. ومن المهم الاشارة هنا إلى أن موقف مجلس النواب المزدري لباشاغا ليس جديدا، فمنذ شهرين طلب النواب عقد جلسة مُساءلة في البرلمان للتحقيق معه. غير أن رئاسة المجلس مُمثلة في عقيلة صالح، حليف اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ماطلت في الدعوة إلى عقد الجلسة. من هنا ستكون الجلسات المقبلة مناسبة لعرض «إخفاقات رئيس الحكومة الموازية وتجاوزاته وعدم وفائه بوعوده» حسب المتحدث باسم مجلس النواب عبد الله بليحق. وفي هذا الإطار حذر المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا عبد الله باثيلي الزعماء الليبيين من إمكانية زيادة الشرخ داخل البلد، في حال استمرار الانقسام الراهن، داعيا إياهم إلى «الإقدام على إعطاء التنازلات الضرورية للوصول إلى تنظيم الانتخابات».
عيل صبرُهم
لكن عيل صبر مطابخ القرار في الدول الغربية المعنية بالملف الليبي، وهي أمريكا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وتركيا، فمع كل حكومة ليبية جديدة، يتقدم مسار الحل السلمي خطوة، ثم لا يلبث أن ينتكس ويتراجع خطوات. واللافت أن غالبية رؤساء الحكومات الذين مروا على ليبيا منذ 2011 لاحقتهم تهم الفساد لدى مغادرتهم مناصبهم. وبات واضحا أن همهم الأول هو الاثراء السريع، وليس تنفيذ مشروع إصلاحي يُخرج البلد من أزماته السياسية والاجتماعية.
وتعميقا لهذه الظاهرة تم الترفيع من رواتب السياسيين بنسبة 40 في المئة، بالرغم من الصعوبات الاقتصادية واستمرار المأزق السياسي. بهذا المعنى تُعدُ تلك العطايا في مثابة رشوة سياسية للمشاركين في صنع القرار. مع ذلك كان ظلت القوى الغربية متشبثة بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وذلك في أعقاب ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذي عُقد برعاية الأمم المتحدة، وأسفر عن انتخاب حكومة مؤقتة في شباط/فبراير 2021 مهمتها المركزية ضمان إنجاز الانتخابات.
وشكل صعود عبد الحميد الدبيبة، بعد انتخابه رئيسا للحكومة مفاجأة للجميع، إذ كان فوزه مستبعدا، خاصة أنّ غريمه باشاغا، وزير الداخلية في حكومة الوفاق الوطني، كان من المرشحين الأوفر حظا للفوز بمنصب رئيس الوزراء آنذاك.
غير أن قائمة الدبيبة حصدت 39 صوتا من جملة 73. وكثر الحديث في تلك الأيام عن دفع رشاوى خلال الملتقى، للتصويت لبعض المرشحين، من دون أن يُكشف عن التفاصيل. والأرجح أن تلك العملية خلفت جروحا لدى الفريق الخاسر في التصويت، ما يُفسر محاولات الاطاحة بالدبيبة، لتسمية شخصية أخرى في مكانه.
ومن الواضح أنه لا الدبيبة ولا باشاغا ولا صالح مؤمنون بضرورة إجراء الانتخابات، فكلُ همهم هو البقاء على أرائكهم أطول وقت ممكن. وبعد مرور حوالي ثلاث سنوات على مخرجات الملتقى السياسي الليبي في جنيف، لم يتمّ تنظيم الانتخابات، في الوقت الذي ما زال الجدل يحيط برئيس حكومة الوحدة، باعتباره استفاد بشكل غير مشروع من منصبه الحالي، مع أن حكومته المؤقتة موكول لها الإعداد للانتخابات فقط، ولا يحق لرئيسها أو أعضائها الترشح لأي منصب رسمي، التزاما بمخرجات التوافق الوطني، الذي تمّ التوصل إليه في جنيف، عبر آلية الحوار التشاركي، المدعوم غربيا وأمميّا.
صفقة بين أطراف مُتنابذة
ورجح بعض المحللين أن قرار إيقاف باشاغا أتى في إطار صفقة بين أطراف مُتنابذة، لا يجمع بينها سوى هدف واحد، وهو إطالة أمد الأزمة، كي يستمروا في تحصيل الغنائم من بقائهم في السلطة، على ما قال رئيس المكتب السياسي لحزب «ليبيا للجميع» فتحي البعجة، في تصريحات لبوابة «الوسط» الليبية. كما كشف موقع «الكتيبة» الإخباري، في تحقيق أُنجز بالتعاون مع «مشروع الإبلاغ عن الفساد والجريمة المنظمة العابرة للحدود» أن الدبيبة استطاع جمع ثروة على مدى السنوات الماضية.
إلى ذلك، أظهرت نتائج الأداء الاقتصادي للحكومة قصورا في أكثر من قطاع، وبخاصة في قطاع الطاقة، إذ أن ليبيا التي تمتلك 3 في المئة من احتياطات النفط والغاز في العالم، و39 في المئة من احتياطات أفريقيا، لم تستفد من زيادة أرباح أسعار النفط العالمية، التي وصلت إلى أعلى مستوياتها في 2022، حسب ما أفادت غرفة الطاقة الأفريقية.
لكن أنصار الدبيبة يتساءلون ردا على التقصير المنسوب إليه: «كيف يمكن لحكومة لا تملك الموارد والإمكانات واليد الطولى في البلد، أن تُحاسب على تقصيرها؟». مع ذلك الأرجح أن الدافع الحقيقي إلى توقيف باشاغا وتسمية أسامة حماد في مكانه ليس «التقصير» وإنما الصفقة السياسية، التي يتم طبخها بمشاركة مصر والأردن، وبحضور ممثلي فصائل مسلحة وشخصيات وازنة من المنطقة الشرقية، في المجالين العسكري والسياسي، بُغية تشكيل حكومة جديدة، قد يترأسها أسامة حماد. وشغل حماد منصب وزير التخطيط والمالية في حكومة الوفاق الوطني برئاسة السراج، اعتبارًا من كانون الثاني/يناير 2016 لكنه انحاز إلى مجلس النواب في خلاف الأخير مع حكومة الوفاق، فأقاله السراج من منصبه، في تشرين الأول/اكتوبر 2018.
وأفيد في كواليس اجتماعات القاهرة الرامية لتشكيل حكومة جديدة أن أحد أبناء خليفة حفتر، شارك في الاجتماعات، في إطار تقاسم الحقائب في الحكومة الموحدة. وكان حماد يشرف على خطة إعادة إعمار مدينة بنغازي، المدمرة جراء الحرب، التي خاضها جيش حفتر ضد التنظيمات المسلحة في المدينة قبل أعوام. وفي آذار/مارس 2022 منح مجلس النواب، خلال جلسة رسمية، الثقة لحكومة باشاغا، وكان أسامة حماد من ضمن أعضاء الحكومة الجديدة في منصب وزير التخطيط والمالية. كما أن حماد يعتبر العدو الرئيس لحكومة الدبيبة، لا سيما أنه أصدر بيانات متتالية عن التجاوزات المالية في تلك الحكومة. كما سبق أن تقدم بشكاوى لدى النائب العام تخص الفساد المالي المنسوب لحكومة الدبيبة، وكان آخرها قبل شهرين، حينما منعت حكومة الوحدة إجازة موازنة مرصودة لأطفال مصابين بمرض السرطان في بنغازي، وقد توفي منهم تسعة أطفال جراء تأخر العلاج.
في أثناء ذلك تُصعد أمريكا من ضغوطها على القيادات الليبية لتسريع الخطى على طريق الانتخابات، وناقش المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا السفير ريتشارد نورلاند، مع الدبيبة «سُبل دعم إجراء الانتخابات، وضرورة إيجاد أساس دستوري وقانوني عادل لإجرائها في أقرب وقت».
ومن أجل ضمان إجراء انتخابات حرة وشفافة وذات مصداقية، لابد من إيجاد رقابة دقيقة من الداخل والخارج في كافة مراحل المسار الانتخابي. لذا لا حاجة لليبيا اليوم أن تُنشئ جهازا بيروقراطيا جديدا خاصا بإدارة العملية الانتخابية، فهذه المهمة يمكن أن تتولاها على الصعيد الفني والعملياتي المفوضية العليا للانتخابات، وعلى الصعيد السياسي حكومة الوحدة، بناء على مخرجات التوافق الوطني، التي تقضي بعدم السماح لرئيس الحكومة أو أعضائها بالترشح للتشريعية أو الرئاسية.