واشنطن ـ «القدس العربي»: استخدمت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الذكرى 75 للنكبة الفلسطينية كمناسبة للاحتفال بتأسيس الاحتلال الإسرائيلي وإظهار الالتزام الأمريكي بالدفاع عن إسرائيل على الساحة الدولية، كما ضغطت واشنطن من أجل منع إقامة أي حدث أممي للتضامن مع الفلسطينيين، ولكن البرلمانية رشيدة طليب كانت بالمرصاد ضد الانحياز الأمريكي غير المحدود للاحتلال في حين أحيت الأمم المتحدة لأول مرة ذكرى النكبة على الرغم من الضغوط الأمريكية.
وفي نيويورك، حاولت البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة منع إقامة فعاليات إحياء الذكرى الخامسة والسبعين للنكبة في قاعة الجمعية العام للأمم المتحدة، في خطوة تشير إلى استمرار النهج الأمريكي في دعم الاحتلال، وأدان المشرعون الأمريكيون الأمم المتحدة، وتدفقت التغريدات الغاضبة من المشرعين على تويتر للتعبير عن «رفضهم» لأي خطوة دبلوماسية أو رمزية ضد الاحتلال.
ولم يكن إحياء ذكرى النكبة الحدث الوحيد، الذي واجه ردود فعل عنيفة من المشرعين الأمريكيين، وغالبيتهم من المؤيدين لإسرائيل، إذ حاول رئيس مجلس النواب الأمريكي كيفن مكارثي (جمهوري من كاليفورنيا) منع البرلمانية طليب من رعاية حدث بشأن النكبة في «الكابيتول هيل» وبدلاً من ذلك، قام برعاية مناقشة من الحزبين «لتكريم العلاقة» بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولم تتوقف طليب عند حد إقامة الحدث في «الكابيتول هيل» إذ قدمت قرارًا يدعو الكونغرس إلى الاعتراف بـ«النكبة المستمرة وحقوق اللاجئين الفلسطينيين».
ويطالب القرار الكونغرس بـ«إدانة جميع مظاهر النكبة الإسرائيلية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك السرقة الإسرائيلية غير القانونية للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، والقدس الشرقية ؛ وتهجير إسرائيل للفلسطينيين من خلال هدم منازلهم وإجبارهم على ترك أراضيهم، والوحشية والعنف اليومي الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي والمستوطنون الإسرائيليون ضد المدنيين الفلسطينيين «.
وبالإضافة إلى إحياء ذكرى النكبة، يدعو قرار طليب إلى حظر استخدام الأسلحة الأمريكية لتدمير منازل الفلسطينيين وأراضيهم، وحظر تشييد المباني الدبلوماسية على الأراضي التي صادرتها إسرائيل من الفلسطينيين.
وشارك في رعاية القرار النواب بيتي ماكولوم، وإلهان عمر، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وجمال بومان، وكوري بوش، وجميعهم وقعوا على النسخة التي قدمتها طليب العام الماضي. تسرد كلا النسختين من القرار تاريخ الطرد الجماعي الذي أدى إلى إقامة ملايين الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين في غزة والضفة الغربية والدول المجاورة مثل الأردن.
وفي 25 نيسان/أبريل، صوتت طليب وكل من يدعمها ضد قرار شبه جماعي في مجلس النواب يحتفل بما يسمى بتأسيس إسرائيل قبل 75 عامًا هذا الشهر.
ويشيد هذا القرار الملتوي الذي قدمته النائبة الجمهورية آن فاغنر، باتفاقات إبراهام، وهي سياسة توسطت في عهد الرئيس دونالد ترامب في عام 2020 لتطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج المجاورة. كما اعترفت ضمنا بأن حل الدولتين، الذي طالما كان حجر الزاوية في خطة الولايات المتحدة للسلام في المنطقة قد مات.
وأشار العديد من الديمقراطيين إلى أن القرار الذي صاغه الجمهوريون بشكل أساسي، كسر التقليد طويل الأمد بين الحزبين بالاعتراف بأهمية تحقيق حل الدولتين بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وقالوا إنه في ظل حكومة يمينية متطرفة جديدة في إسرائيل، كانت هناك زيادة في السياسات المتطرفة التي تستهدف الحقوق المدنية الفلسطينية وجهود واسعة النطاق لتوسيع المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية.
ويشير قرار طليب إلى راديكالية الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك تصريحات أدلى بها وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش الذي يُنسب إليه الفضل في التحريض على برنامج في قرية حوارة الفلسطينية في وقت سابق من هذا العام.
وينص القرار على أن «إسرائيل شكلت حكومتها الأكثر تطرفا حتى الآن، والتي تضم بتسلئيل سموتريتش الذي تحدث عن الفلسطينيين في الكنيست قائلاً: أنتم هنا عن طريق الخطأ، من الخطأ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون لم ينهِ المهمة ولم يطردكم في عام 1948».
ولم تناقش وسائل الإعلام الأمريكية على مدار عقود النكبة، ولكن الذكرى 75 للنكبة جلبت تغطية غير مسبوقة في وسائل الإعلام الأمريكية للتجربة الفلسطينية.
وفي علامة جديدة عالية المستوى، قامت محطات MSNBC و NPR و Vox بعمل مقطوعات جيدة عن النكبة، حيث تحدث أيمن محي الدين عن «التطهير العرقي» لفلسطين ووصف دانيال إستيرن القرى الفلسطينية المدمرة بالكامل، وكان من الملفت للانتباه ما قاله محي الدين بأن «الجهد الجمهوري لمنع إحياء ذكرى النكبة في مبنى الكابيتول هو جزء من الجهود المبذولة لقمع تاريخ التطهير العرقي الأمريكي».
وعلى أي حال، فإن إنكار النكبة، سواء من خلال الإنكار الصريح لأحداث عام 1948 أو ببساطة التقليل من أهميتها، يظل سمة مركزية لسياسة الولايات المتحدة، وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين والفلسطينيين، الذين أشاروا أيضاً إلى أنه ليس من الصعب تمييز أسباب ثقافة الإنكار الحالية لواشنطن. لأن الاعتراف بالصلة التي لا تنفصم بين إنشاء إسرائيل ونزع الملكية الجماعية للفلسطينيين سيكون بمثابة تحد لكل من الرواية الإسرائيلية الرسمية، مع كل الاضطراب السياسي والأيديولوجي المحلي الذي يستتبعه، والأسس الأخلاقية المزعومة للعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبالتالي، الاستثنائية الإسرائيلية.
وأكد المحللون انه تم حجب معنى النكبة من خلال جهاز دعائي صهيوني واسع في الولايات المتحدة، حيث تم ربط التطلعات الصهيونية بعلم اللاهوت الإصلاحي البروتستانتي وكذلك باليسار الليبرالي، الذي كان مشبعًا بالذنب بسبب التقاعس الأمريكي في مواجهة القتل الجماعي ليهود أوروبا والمغرم بقصص عن الكيبوتسات الاشتراكية.
وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن الولايات المتحدة لم ولن تصبح وسيطاً نزيهاً للسلام إذا لم تعترف بألم وتاريخ الشعب الفلسطيني، ولكن واشنطن على ما يبدو ليست حريصة منذ عقود على التمسك بفضيلة النزاهة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.