لندن ـ «القدس العربي»: «يؤسفني بشدة أنه ليس لدينا 100% من اللاعبين في فرنسا الذين يجدون أنفسهم يتشاركون هذه الرسالة من عدم التمييز. نحن في بلد لطالما عزز احترام الآخرين وحقوق الإنسان، من الضروري أن نجد أنفسنا جميعا نتشارك هذه الرسالة الأساسية من أجل العيش معا»، بهذه الكلمات التحريضية، أعطت وزيرة الرياضة الفرنسية أميلي أوديا كاستيرا، الضوء الأخضر أو الغطاء الرسمي لأندية الليغ1، لتحطيم معنويات المحترفين العرب والمسلمين، وقهرهم مرتين، الأولى بفرض عقوبات وغرامات مالية عليهم وما أنزل الله من سلطان، والثانية بتوجيه حصيلة الغرامات، في صورة تبرعات للمؤسسات الداعمة لمجتمع «ميم عين»، وذلك ردا على انسحاب زكرياء أبو خلال ومصطفى محمد وباقي الرجال، من مباريات جولة «المثليين» في فرنسا.
هدوء ما قبل العاصفة
قبل الجدل والقيل والقال حول العقوبات المفروضة على العرب والمسلمين، الذين رفضوا ارتداء قميص بأرقام تحمل ألوان «قوس قزح» الخاص بالمثليين، أخذ الشاب المغربي زكرياء أبو خلال، المبادرة بتغريدة عبر حسابه على «تويتر»، للكشف عن أسبابه ودوافعه للاعتذار عن عدم المشاركة في مباراة فريقه تولوز أمام نانت، قائلا: « كنت اتخذت قرارا بعدم لعب مباراة الأحد، وقبل أي شيء، أؤكد أنني أقدر الجميع، وذلك بصرف النظر عن خياراته وجنسه ودينه وعرقه. إن الاحترام هو القيمة التي اعتز بها، وهذا ما أنتظره من الآخرين، لكن الأمر يشمل كذلك معتقداتي الشخصية، لذا لا أعتقد أنني الشخص المناسب لهذه المباراة، أرجو أن يتم التعامل مع قراري باحترام، مثلما نطالب بالاحترام»، ومع ذلك، حدث ما كان يخشاه، بتعرضه لعقوبة وهمية من قبل النادي، استنادا الى اشاعات تتحدث عن وجود خلاف بينه وبين نائبة عمدة تولوز لورانس أريباجي، نشب أثناء احتفالات الفريق بالفوز بكأس فرنسا نهاية ابريل / نيسان الماضي، ومع ذلك، لم يتحرك النادي إلا بعد أسبوعين من الواقعة، وبالصدفة جاء البيان بالتزامن مع انسحاب أحد نجوم رابع العالم من مباراة الجولة المقامة تحت شعار «ضد رهاب المثليين».
دعم متأخر
صحيح أن نادي تولوز، تراجع سريعا عن عقوبة إيقاف أبو خلال، بعد التأكد من عدم صحة الرواية من نائبة العمدة شخصيا، لكن أغلب التقارير وردود الأفعال، تُشير إلى صعوبة استمرار أبو خلال وأغلب العرب والمسلمين في الدوري الفرنسي، إذا استمرت الرابطة في الضغط عليهم وإحراجهم من أجل الترويج لأفكار لا تتماشى مع معتقداتهم الدينية، في ما سيكون أشبه بالهروب الجماعي من الليغ1، بعد السنغالي إدريس غايي، الذي لم يتحمل قهر الاتحاد الفرنسي، حين فُرضت عليه عقوبات من قبل رابطة الدوري الفرنسي، لامتناعه عن دعم المثليين في نفس الجولة الموسم الماضي، بجانب رفضه الظهور في مقطع فيديو لإظهار أي نوع من أنواع الدعم لهذه الفئة، ما عجل برحيله عن باريس سان جيرمان وعودته مرة أخرى إلى الدوري الإنكليزي الممتاز عبر ناديه السابق إيفرتون، لتجنب التعرض لمثل هذه المضايقات، أو بالأحرى هروبا من هذا اليوم، الذي وقع ضحيته هذه المرة زكرياء والنجم المصري مصطفى محمد وأربعة آخرون من نادي تولوز، يُقال إنهم الجزائري فارس شايبي، والبوسني سعيد هاموليتش، والمالي موسى ديارا، ولو أن هؤلاء جميعا، وجدوا الدعم اللائق والمناسب لثباتهم على موقفهم، بغضبة عربية ملموسة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإشادة كبيرة من وسائل الإعلام من المحيط إلى الخليج والعالم الإسلامي بوجه عام.
انتقام وتضييق للحرية
في الوقت الذي تُصر فيه فرنسا أو رابطة الأندية أو اتحاد الكرة، لرفع وتيرة الضغط وتضييق الحريات على رافضي دعم الشواذ، نلاحظ أن الأمور تسير بشكل أكثر عقلانية في الدوري الإنكليزي الممتاز، رغم دعم المنظومة برمتها لهذا الاتجاه، ومن أشهر النماذج العالقة في الأذهان، ما كان يفعله أسطورة ساحل العاج ومانشستر سيتي يحيى توريه، بالتنازل دائما عن شارة القيادة التي تحمل ألوان علم «الرينبو» في مثل العديد من المناسبات، ومؤخرا رفض ثنائي فخر العرب محمد صلاح ورياض محرز، ارتداء حذاء خاص للتضامن مع الموضة الجديدة، ونفس الأمر بالنسبة للمصري سام مرسي، الذي لم يكتف برفض ارتداء شارة المثليين في صمت، بل عبر عن انزعاجه واستيائه من هذا الطلب عندما كان قائدا لفريق ويغان الإنكليزي، بنشر صورة للشعار ومعها تغريدة عبر حسابه على منصة «تويتر» قائلا: «مرفوض… كلام نهائي ومحسوم، لن أساند المثليين وأرفض ذلك تماما»، وقائمة عريضة أخذت نفس الاتجاه، لكن في صمت، منهم المغربي نور الدين أمرابط، عندما كان لاعبا في صفوف واتفورد، ومدافع اتحاد جدة الحالي أحمد حجازي، في تجربته مع ويست بروميتش ألبيون، ومواطنه محمد ناجي جدو، في فترة إعارته لهال سيتي، وقائمة عريضة، لم تواجه نفس المضايقات والممارسات الفرنسية الممنهجة لإخضاع المحترفين العرب والمسلمين وإجبارهم على الدخول في قضايا وحملات ترويجية لا تخص وظيفتهم كلاعبين كرة قدم.
ويرى البعض، أن رابطة أندية فرنسا، تتعمد رد الصاع صاعين بعد قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، باحترام العادات والتقاليد الشرقية، بمنع المنتخبات الأوروبية السبعة، التي كانت تنوي ارتداء شارة قيادة «حب واحد»، لدعم اندماج وانتشار الفكرة في اللعبة، وحدث المنع، بتهديد هذه المنتخبات ومن بينها فرنسا، بمعاقبة القائد الذي سيرتدي الشارة، بإشهار البطاقة الصفراء في وجهه بمجرد أن يُطلق الحكم صافرة بداية المباراة، والبعض الآخر يضع موقف تولوز مع أبو خلال والرباعي الآخر ونانت مع مصطفى محمد، في إطار التصعيد الجديد لفرض هذا التوجه على كرة القدم الأوروبية، أو على الأقل الكرة الفرنسية، وهذا الأمر كما أشرنا أعلاه، قد يتسبب في موجة هروب جماعي لكل الملتزمين بالأديان السماوية، وبالأخص المسلمين. وبين هذا وذاك، ستتعرض فرنسا لسلسلة جديدة من الضربات القاسية، بفقدان الجواهر العربية والجزائرية الخام في المستقبل، أو بمعنى آخر ستتقلص فرص ظهور زين الدين زيدان أو كريم بنزيمة آخر في المرحلة المقبلة، مع ظهور أول المؤشرات مطلع العام الجاري، بتخلي دفعة من اللاعبين عن جنسيتهم الفرنسية من أجل تمثيل وطن الآباء والأجداد، منهم ريان آيت نوري، وبدر الدين بوعاني، وفارس شعيبي وحسام عوار، الذي اعترف صراحة بأنه نادم أشد الندم على تمثيل منتخب الديكة في يوم من الأيام، وفي الطريق دفعة جديد، يُقال إن أبرزهم الساحر أمين غويري والموهوب ريان شرقي، جراء المضايقات الأخيرة، بمنع الشباب المسلم من صيام رمضان طوال فترة وجودهم في معسكر المنتخب، وخسائر أخرى محتملة كلما زاد التضييق الفرنسي على المحترفين المسلمين والعرب.