السودان: وقف إطلاق النار يدخل حيز التنفيذ اليوم… ومواطنون يتخوفون من عدم التزام الطرفين

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: ينتظر أن يبدأ الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» اليوم الإثنين، تنفيذ اتفاق وقف إطلاق نار، لمدة أسبوع، والذي يهدف إلى فتح ممرات آمنة لتوصيل المساعدات الانسانية واستئناف تقديم الخدمات الأساسية لسكان البلاد، وسط مخاوف المواطنين من عدم التزام الجانبين بالاتفاق، مشيرين إلى إعلان الجانبين الهدنة عدة مرات كان دون جدوى منذ اندلاع المعارك منتصف أبريل/ نيسان الماضي.
وأعلن الطرفان، مساء السبت، توقيع اتفاق وقف إطلاق نار وترتيبات إنسانية قصير الأمد، في جميع أنحاء البلاد يبدأ اليوم، ويستمر لأسبوع قابل للتمديد تحت مراقبة آلية مشتركة تتضمن ممثلين للجيش والدعم السريع والوساطة السعودية الأمريكية.

«التمرد المشؤوم»

وينخرط الجانبان منذ نحو ثلاثة أسابيع في مباحثات غير مباشرة، في مدينة جدة بوساطة سعودية ـ أمريكية. وقد وقعا، الأسبوع قبل الماضي، إعلان مبادئ لحماية المدنيين، فيما تواصلت المباحثات لحثهما على إيقاف شامل لإطلاق النار.
وقال الجيش في بيان أمس إن توقيعه على اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، جاء بـ«غرض التخفيف على المواطنين من تداعيات» ما وصفه بـ«التمرد المشؤوم» و«تسهيلا للنواحي الإنسانية والحياتية لهم».
وأشار إلى أن «وقف إطلاق النار قصير المدى المحدد بسبعة أيام يدخل حيز التنفيذ الإثنين الموافق 22 مايو/ أيار في تمام الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة مساءاً بتوقيت الخرطوم (7:45 مساء بتوقيت غرينتش)».
وشدد على أن «الاتفاق ينحصر على الجوانب العسكرية والفنية الخاصة بترتيبات وقف إطلاق النار المؤقت وإجراءات حرية تنقل المدنيين وحمايتهم من العنف والانتهاكات التي تمارسها بحقهم الميليشيا المتمردة منذ بداية اندلاع التمرد، بجانب إخلاء المستشفيات وصيانة مرافق الخدمات والموضوعات ذات الصلة، دون التطرق لمناقشة أي أوضاع سياسية».

لجنة مراقبة

ونص إعلان وقف إطلاق النار على إنشاء لجنة لمراقبة وتنسيق وقف إطلاق النار، ومراقبة التقيد بتنفيذ الاتفاق. وتتألف اللجنة من ثلاثة 3 ممثلين لكل من الطرفين المسهلين لهذا الاتفاق (المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية) و3 ممثلين لكل طرف من أطراف القتال.
ويضمن الطرفان، حسب الاتفاق «توقف جميع القوات الخاضعة لسيطرتهما، وامتناعها عن الأعمال المحظورة التي تشكل انتهاكاً للاتفاق، والتي تتضمن الهجمات والأعمال العدائية، بما في ذلك هجمات القناصة والهجمات الجوية واستخدام الطائرات العسكرية والطائرات من دون طيار أو أي أسلحة ثقيلة،
وإطلاق النار على أي طائرة مدنية أو حاملة للعون الإنساني».
وكذلك «الامتناع عن التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والعنف الجنسي والعنف القائم على التمييز بجميع أشكاله، واستهداف البنية التحتية المدنية أو المراكز السكانية» إضافة إلى «الحصول على أو تقوية الدفاعات، أو إعادة الإمداد، أو توزيع الأسلحة، أو الإمدادات العسكرية، بما في ذلك من مصادر أجنبية، ومحاولات احتلال أو احتلال أراض أو مواقع جديدة، بما في ذلك البنية التحتية المدنية أو المراكز السكانية».
ويحظر الاتفاق «حركة القوات أو الأسلحة وتجنيد الجنود أو تسجيلهم أو حشدهم. والمضايقة والاعتداءات وأخذ الرهائن أو الاعتقالات غير القانونية للمدنيين، بمن فيهم العاملون في المجال الإنساني» وأيضا «نهب أو مصادرة الممتلكات أو الموارد أو الإمدادات الإنسانية، وتقييد أو إعاقة حركة المدنيين، بمن فيهم العاملون في المجال الإنساني ومواد العون الإنساني. والتهديد باستخدام القوة أو التحريض على العنف وإعاقة أي رصد أو تحقق لوقف إطلاق النار قصير الأمد».

منع التجسس

ويمنع «أعمال التجسس جواً أو براً أو بحراًـ واستخدام المدنيين كدروع بشرية، واحتلال المستشفيات ومرافق البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك منشآت المياه والكهرباء والوقود، ومساكن المدنيين، واستخدام وسائل النقل الطبي، مثل سيارات الإسعاف، لأغراض عسكرية، بالإضافة إلى الإخفاء القسري أو الاحتجاز التعسفي للأشخاص، والنهب والسلب والتخريب، واستخدام الدعاية أو التحريض ضد أي من الطرفين أو استخدام أي مجموعات قبلية أو عرقية».
كما يمنع «استخدام قنوات الاتصال الرسمية لنشر المعلومات المزعجة أو الخاطئة أو المغلوطة حول وقف إطلاق النار قصير الأمد».
والتزم الجانبان بـ«عدم حجب المعلومات عن الأشخاص المحرومين من حريتهم أو وصول المنظمات الإنسانية إليهم».
ونص الاتفاق على أن «تحافظ لجنة المراقبة والتنسيق على اتصال منتظم ومباشر مع قيادتي القوات المسلحة السودانية والدعم السريع ونقاط الاتصال المُعينين في جميع أعمال التنسيق اللازمة لتنفيذ وقف إطلاق النار قصير الأمد والمساعدات الإنسانية».
وفي حال حدوث انتهاكات تستقبل لجنة المراقبة والتنسيق اتصالات من القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع، والمملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة والأطراف الدولية الإنسانية الفاعلة العاملة في السودان (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، والصليب الأحمر الدولي) بشأن انتهاكات وقف إطلاق النار قصير الأمد أو أي تصرف قد يعرض وقف إطلاق النار قصير الأمد أو الأحكام الخاصة بالمساعدات الإنسانية للخطر، بما في ذلك أفعال الأطراف الأخرى.
كذلك من المنتظر أن توفر لجنة المراقبة والتنسيق منصة لاستقبال الشكاوى وحل النزاعات المتعلقة بادعاءات وقوع انتهاكات، وتقوم بكل ما يمكنها من التحقق أو التأكد من هذه الادعاءات، وتحديد الأطراف المتورطة في أي انتهاكات، والتوسط في النزاعات أو الخلافات بين الطرفين.
ووفق الاتفاق، أكد الجانبان «التزامها بسيادة البلاد وإعلان مبادئ جدة لحماية المدنيين، وأنهما يدركان أن الصراع في السودان يهدد الحياة المدنية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل في البلاد».
وفي حال قررت لجنة المراقبة والتنسيق وقوع خرق أو انتهاك لأحكام الاتفاق، تحدد عقب ذلك «الإجراءات المناسبة، التي تتضمن إخطار الطرف الذي ارتكب أو اتهم بارتكاب الانتهاك، وتحديد الطرف الذي ارتكب المخالفة علناً، والمطالبة بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، خاصة في الجرائم والتجاوزات الجسيمة».
وتعمل اللجنة كذلك على «اتخاذ الترتيبات اللازمة لوصول المساعدات الإنسانية فوراً وبشكل كامل ودون عوائق وإصلاح البنية التحتية والخدمات المدنية الأساسية بما في ذلك ضمان احترام جميع الجهات الفاعلة للقانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين وحريتهم في التنقل. والالتزام بضمان التحرك الكامل والآمن ودون عوائق لجميع المنظمات الإنسانية، ومجموعات المجتمع المدني، والمنظمات المجتمعية إلى منطقة وقف إطلاق النار قصير الأمد، لتمكين تلك الجهات من تقديم المساعدة في الوقت المناسب على أساس احتياجات المتضررين من النزاع وإصلاح البنية التحتية والخدمات الأساسية».
وتشمل مهامها كذلك «الحفاظ على نقاط اتصال من كل طرف وتمكينها بأن تكون جهات التواصل الرئيسية للعمليات الإنسانية والتنسيق، وضمان الحماية مع احترام حياد العمل الإنساني للعاملين في المجال الإنساني، والموارد، ومكان العمليات، والممرات حسب الاقتضاء والطلب، فضلا عن إزالة أي عقبات بيروقراطية أو أمنية تواجه وصول المساعدات الإنسانية والعمل الإنساني للسماح بسرعة وفاعلية العمل الإنساني وإصلاح الخدمات الأساسية»
وأيضا «ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق للسماح باستئنافها الآمن وإصلاح البنية التحتية المدنية والخدمات الأساسية، والتمسك بالالتزامات تجاه النازحين، واحترام اللاجئين، بموجب القانون الدولي، وتنفيذ التدابير المناسبة لضمان حماية وسلامة جميع اللاجئين في السودان».
ويجوز للطرفين، وفق الاتفاق، «الموافقة على تجديده أو تحديثه لفترات إضافية، على أن يتم إخطار لجنة المراقبة والتنسيق في موعد لا يتجاوز (48) ساعة قبل انتهائه».
وحسب الاتفاق يقوم الطرفان بإبلاغ السكان المدنيين بوقف إطلاق النار قصير الأمد من خلال المطبوعات والراديو وجميع وسائل الاتصال الممكنة، وأن يقدم الطرفان معلومات دقيقة بشأن وقف إطلاق النار قصير الأمد لوسائل الإعلام.

«الحرية والتغيير» ترحب

اعتبر المجلس المركزي لـ«الحرية والتغيير» توقيع الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» اتفاق وقف إطلاق نار قصير الأمد لمدة 7 أيام، خطوة إلى الأمام في طريق الوقف الكلي للحرب وانتهاج مسار الحل السياسي السلمي، مشددة على أن القتال لن يجلب للبلاد سوى الدمار.
ودعا المجلس الجانبان للالتزام الكامل بإعلان مبادئ جدة باتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد والترتيبات الإنسانية، مؤكدا على أهمية تطوير التنسيق الداخلي والخارجي من أجل البناء على هذا التقدم والمحافظة عليه والوصول لحل شامل ومستدام، يحافظ على وحدة البلاد وسيادتها.

الجيش قال إن موافقته جاءت لـ«التخفيف على الناس من تداعيات التمرد المشؤوم»

كذلك رحبت الآلية الدولية الثلاثية، المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) بتوقيع الاتفاق، لافتة إلى أنه «إدراكا للطابع الملح للوضع في البلاد، فإن احترام وقف إطلاق النار أمر حاسم لتسهيل إيصال المساعدات إلى أكثر من 25 مليون سوداني في حاجة ماسة إلى المعونة ـ أي أكثر من نصف سكان البلاد». وحثت الطرفين على «الالتزام بوقف إطلاق النار» مشيرة إلى أنها «تقف على أهبة الاستعداد لدعم التنفيذ الفعال له وكذلك الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء القتال بسرعة في السودان».
ودعت المجتمع الدولي بأسره والجهات الفاعلة الإنسانية إلى توحيد جهودها بشكل عاجل لدعم الشعب السوداني خلال هذه الأوقات الحرجة.
وعلى الرغم من تأكيد الجانبين على الالتزام بوقف إطلاق النار المؤقت، إلا أن السودانيين يتخوفون من تكرار الخروقات التي حدثت في أثناء ستة اتفاقات هدنة سابقة، وبعد توقيع إعلان جدة لحماية المدنيين الأسبوع قبل الماضي.

غموض آلية المراقبة

المواطن حسن علي الذي يسكن جنوب العاصمة الخرطوم أبدى في حديثه لـ«القدس العربي» توجسه من عدم التزام الجانبين بالاتفاق على الرغم من وجود لجنة مراقبة مشتركة مع أطراف دولية هذه المرة، مشيرا إلى أن الاتفاق على الرغم من أنه نص على تشكيل تلك اللجنة، إلا أنه لم يوضح آلية مراقبة ورصد الانتهاكات. وأضاف: «أعلن الجانبان الهدنة ست مرات سابقا، وفي كل مرة كانت تشتد المعارك، كما أن عصابات النهب المسلح والمخربين الذين يتحركون بشكل ممنهج، وكأنهم على تنسيق مع أطراف النزاع، من المتوقع أن يواصلوا أعمالهم بينما يتملص كل من الجانبين من مسؤوليته بخصوصهم، بينما تغيب الشرطة عن شوارع الخرطوم والمدن الأخرى».
وأشار إلى أنه «باع أثاث منزله بصعوبة بالغة، وبأقل من ربع قيمته، حتى يستطيع جمع تكلفة إجلاء أسرته إلى مكان آمن».
وتابع: «قلت في نفسي الأفضل أن أبيع أثاث منزلي، قبل أن يقوم الدعم السريع باحتلال منزلي أو قصفه من جانبي القتال ونهبه من المتفلتين» مشددا على أنه «لا يثق في التزام الجانبين بوقف إطلاق النار وفاعلية لجنة الرقابة المعلنة».
أما زينب ذو الكفل، والتي تسكن في مدينة بحري شمال الخرطوم، فقالت لـ«القدس العربي» إن «منطقتهم محتلة» على حد قولها، بينما «يتم اختطاف وقتل المدنيين واستخدامهم كدروع بشرية خلال القتال».

مجازفة كلفتها غالية

وواصلت: «خرج جارنا لجلب الماء ولم يعد، علمنا لاحقا الدعم السريع اعتقله، وأخبر أسرته لاحقا أنه قتل ضمن معتقلين آخرين أثناء قصف الجيش لمعسكر تابع للدعم السريع».
وأضافت: «تركنا منزلنا منذ نحو أسبوعين، في ظل انقطاع خدمات المياه والكهرباء، واشتداد القتال وأعمال النهب، وعلمنا لاحقا أن جميع مقتنياتنا وأثاثنا وملابسنا، حتى وحدات الإضاءة والتكييف، قد نهبت من المنزل وأنه تحول لثكنة للدعم السريع» متسائلة: «هل ستخرج تلك القوات من منزلنا؟ وهل من الآمن العودة إليه؟».
ورأت أن «جانبي القتال غير موثوقين، وأن تصديق أي اتفاق لوقف إطلاق النار مجازفة قد تكون كلفتها غالية، وأن العديد من المواطنين قتلوا خلال تحركهم في فترات الهدنة السابقة».
ومقابل حالة الخوف وعدم الثقة لدى المواطنين، يعول الخبراء السياسيون على اتفاق وقف إطلاق النار هذه المرة، إذ بين أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، مصعب محمد عليو في حديثه لـ«القدس العربي» أن «هذه الهدنة على عكس الهدنات السابقة تأتي نتيجة لتوقيع الجانبين على اتفاق ملزم» مشيرا إلى الضمانات المتعلقة بجهات المراقبة لوقف إطلاق والتي تتضمن فريق الوساطة، المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية».

«بداية إيجابية»

وتوقع أن يحاول كل طرف الالتزام بها، حتى لا يتهم بالخروقات، ويتعرض لضغوط سياسية تضعفه دبلوماسياً، معتبرا هذه الخطوة «مؤشرا للوصول لاتفاق دائم لإطلاق النار، وأن يكون ذلك بعد هذه الهدنة مباشرة ومن ثم الدخول في مفاوضات متعلقة بالحل السياسي».
وأوضح أن «الهدنة المقبلة هي الاختبار الحقيقي الذي من شأنه أن يؤكد أن الحرب في السودان ستستمر أم أنها في طريقها إلى نهاياتها؟».
وقد وافقه الرأي المحلل السياسي، أمين مجذوب، مرجحا، في حديثه لـ«القدس العربي» التزام الجانبين بالاتفاق، نسبة لقوة الوساطة ووجود آلية رقابة، بالإضافة إلى رغبة الطرفين في الوصول لاتفاق في ظل المعطيات الراهنة على الأرض والأوضاع الإنسانية بالغة التعقيد.
واعتبر الاتفاق «بداية إيجابية لتغطية الاحتياجات الإنسانية للمدنيين وفتح الممرات والمستشفيات وتوفير الاحتياجات الدوائية والغذائية» مشيرا إلى «إمكانية تمديد هذه الهدنة في المرة القادمة إلى وقف إطلاق نار دائم وصولا إلى تسوية نهائية لأسباب الصراع العسكرية ودمج قوات الدعم السريع والانتقال إلى المراحل السياسية اللاحقة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية