الخرطوم ـ «القدس العربي» : بدأ مالك عقار رئيس الحركة الشعبية ـ شمال، أول مهمة خارجية له، بعد توليه منصب نائب رئيس المجلس السيادي في السودان، بلقاء رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت في العاصمة جوبا. فيما أعلنت حركته، في بيان أمس الثلاثاء، أنها تحضر لتخريج دفعة جديدة من قوات الجيش الشعبي المدمجة في المؤسسات العسكرية المختلفة، اليوم الأربعاء، في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة أنها تعمل من أجل الوصول لجيش مهني وقومي بعقيدة عسكرية جديدة.
وقالت إن قوات الجيش الشعبي التي لم يكتمل دمجها بعد تخضع لإجراءات الدمج في المواقع العسكرية المحددة لتنفيذ ذلك، ولم يتم تحريكها لأي موقع آخر إلا بعد اكتمال إجراءات الدمج والتسريح.
في الموازاة، دعا عقار، خلال لقاء سلفا كير، الإثنين، إلى «إنهاء الصراع في البلاد والتوصل إلى حلول منطقية من خلال الحوار».
وحسب بيان صادر عن إعلام حكومة جنوب السودان، دعا عقار أيضا إلى «إنهاء الصراع المستمر في السودان» واعتبره «حربا لا معنى لها».
وأكد على دعمه لجهود الرئيس سلفا كير في إقناع الأطراف المتحاربة بتسوية خلافاتها من خلال الحوار. واعتبر أن «جوبا لا تزال مدينة مثالية لمحادثات السلام السودانية».
وقال: «من واجبنا وقف الحرب في السودان والتوصل إلى حلول منطقية من خلال الحوار».
وأفاد مستشار رئيس جنوب السودان للشؤون الأمنية، توت قلواك، إن «الرئيس سلفا كير يتخذ جميع الخطوات اللازمة لضمان انتهاء الصراع في السودان بشكل كامل» حسب البيان ذاته.
وعقار، الذي أصبح نائباً لرئيس المجلس السيادي بديلاً لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) ظل على مدى السنوات الماضية يحذر من خطورة الوضع في البلاد. وتمحور حديثه حول «الانتقال من عقلية إدارة الحرب إلى عقلية إدارة الدولة حتى تمضي البلاد إلى الأمام».
وتمسك بهذه الرؤية خلال الأعوام الماضية وحاز شعبية واسعة، في أعقاب توقيع اتفاق سلام جوبا بين الحكومة الانتقالية وعدد من الحركات المسلحة والتنظيمات المعارضة في أكتوبر/ تشرين الأول 2020.
وتأثرت هذه العلاقات لاحقا بعد تقاربه مع الجيش في انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.
وكان عقار يتحدث بشكل متواصل عن صعوبة انتقال القادة من إدارة الحرب لإدارة الدولة، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، أثناء اللقاءات التي عقدها مع الوفود القادمة من الخرطوم الى جوبا عاصمة دولة جنوب السودان، قبل وبعد توقيع اتفاق السلام، وبعد توليه منصب عضو مجلس السيادة، ضمن ثلاثة من قادة الحركات المسلحة وخمسة عسكريين ومثلهم من المدنيين وعضو آخر تم اختياره بالتوافق بين المدنيين والعسكريين.
المجلس، الذي كان يترأسه القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، أعلن عند تشكيله تسمية «حميدتي» نائباً لرئيسه، على الرغم من أن الوثيقة الدستورية الموقعة في 17 أغسطس/ آب 2019، والتي تأسس وفقها المجلس، لم تنص على ذلك المنصب (نائب رئيس المجلس السيادي).
التقى رئيس جنوب السودان… ويسعى للوصول لجيش مهني وقومي
الآن، وبعد أن كاد ينفرط عقد الدولة، بعد اندلاع الحرب على نحو مريع، هذه المرة من داخل العاصمة الخرطوم، والتي امتدت إلى أنحاء أخرى في البلاد، برز اسم عقار، مرة أخرى، بعد أكثر من شهر، من القتال بين الجيش و«الدعم السريع» والذي ظلت الحركات المسلحة تنأى بنفسها عنه، داعية إلى إيقافه.
وفيما بدا أن البرهان تأخر في اتخاذ قراره بعزل نائبه «حميدتي» لـ 34 يوما، فبعد اندلاع المعارك بين الجانبين، التي كادت أن تمحو ملامح العاصمة الخرطوم وحولتها إلى مدينة مهجورة بعد مقتل أكثر من 800 شخص وإصابة نحو 4000 آخرين وفرار نحو مليون سوداني ما بين نازح ولاجئ، أعلن البرهان عزل نائبه «حميدتي» من منصبه، وتعيين عقار بديلا له في منصب نائب رئيس المجلس السيادي. الأمر الذي اعتبره بعض المراقبين محاولة لإقحام الحركات في المعركة، لكن الحركة الشعبية بزعامة عقار نفت هذا الأمر.
وعلى الرغم من التوقعات برفض عقار للمنصب، إلا أنه أعلن موافقته، مؤكدا أنه «لن يكون بديلا لأحد ولا منحازا لآخر وهدفه السعي لدفع جهود الوقف الدائم لإطلاق النار وإيقاف الحرب بشكل نهائي».
وقال عقار في بيان مطول، رد خلاله على تكليف البرهان: «أخاطبكم بخبرة من خبر الحرب وفظائعها الشنيعة، ما يقارب من أربعين عاما فقدنا فيها الأحباب والأعزاء والأرواح العزيزة ولم نجنِ من الاقتتال غير الدمار وتفشي الأمية وإهدار موارد البلاد ومضينا في آخر الأمر لمائدة التفاوض لنجلب السلام لشعبنا وبلادنا» مضيفا: لقد وقعنا على اتفاقية جوبا للسلام، بعد الثورة السودانية بأمل أن نكتب نهاية مرارات الحروب في بلادنا السودان وأن نفتح الباب لمسيرة السلام والتعمير».
وأضاف: السلام الذي حضرنا به إلى الخرطوم وشاركنا به في الحكومة الانتقالية هو البوصلة التي نهتدي بها في اتخاذ أي قرار أو قبول اي تكليف، والذي أصبح مهدداً. وقال إن «واجبنا اليوم هو العمل على إيقاف هذه الحرب والتوصل الى الحلول المنطقية عبر مائدة التفاوض لإيقافها والحد من آثارها وتخفيف وطأتها على الشعب».
الأولويات
وحدد عقار أولوياته بالعمل على التوصل لإيقاف إطلاق نار دائم، ثم العمل على إيقاف الحرب بشكل مستدام وإسكات صوت البندقية، مشيرا إلى أنه سيستخدم خلال ذلك معرفته بتفاصيل النزاع والخلاف بين القوات المتقاتلة حاليا خاصة وأنه كان على تواصل مستمر مع كلا الطرفين. وأشار إلى أنه سيعمل على تخفيف وطأة المعاناة الإنسانية الواقعة على المواطنين العالقين في مناطق الحرب، وفي المعابر، والنازحين واللاجئين، والعمل على استعادة الخدمات الأساسية وتوفير العون الإنساني من ماء وغذاء ودواء والاحتياجات الأساسية لكافة المتضررين من الحرب وللمواطنين والمواطنات في كافة أنحاء البلاد، بالإضافة إلى العمل على إنجاح الموسم الزراعي، وإنقاذ البلاد من خطر المجاعة المترتبة على فشله، والآثار الكارثية لما بعد ذلك.
ولفت إلى أنه سيعمل وبشكل عاجل مع كافة الجهود المحلية والمجتمع الإقليمي والدولي، خاصة مبادرة رؤساء دول الإيغاد والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وبقية أطراف المجتمع الدولي، على التنسيق فيما بينهم وحشد الدعم لإيقاف الحرب بشكل عادل ودائم يضمن السلام و استقرار طويل الأمد في السودان، ثم العمل على إعادة البناء والتعمير. أيضاً أكد العمل على استكمال مسار التحول المدني الديمقراطي مع استصحاب لتجارب وخبرات السودانيين العديدة ومنع انزلاق البلاد في اتجاه أي تقسيم جهوي أو قبلي ومنع أي نزاعات أو حروب على أُسس قبلية أو جهوية.
وفي رسالة إلى قيادة قوات الشعب المسلحة، قال: «لا بديل للسلام إلا السلام ولا مدخل للسلام إلا من باب الحوار». وخاطب قيادة قوات «الدعم السريع» بالقول: لا بديل لاستقرار السودان إلا عبر جيش مهني واحد وموحد، يراعي التعددية السودانية، تجربتنا اثبتت أن الحرب لا يوجد فيها منتصر والخاسر فيها هو الوطن، وأنه لا بديل غير الاستماع لصوت العقل والتعقل والجلوس بقلب مفتوح وعقل أكثر انفتاحا للتفاوض. ورأى أن هذه الحرب أكدت بأن إجراءات بناء الأمة السودانية تعرضت إلى هزة قوية تستدعي العودة إلى مراجعة إجراءات بناء الامة السودانية وإعادة بناء هوية المواطنة السودانية.
وبالتزامن مع توليه مهامه، كنائب للبرهان، راجت في وسائل التواصل الاجتماعي أنباء عن انتشار قوات تابعة له في العاصمة الخرطوم ومحيطها، الأمر الذي نفته الحركة متهمة ما اسمته «الإعلام المضاد» ببث إشاعة حول نشر قوات الجيش الشعبي المُدّمجة في القوات المسلحة السودانية» بأمر من عقار داخل وخارج الخرطوم.
وشددت على أنه لم ينشر أي قوات في الخرطوم أو أي منطقة أُخرى، لافتة إلى أن قوات الجيش الشعبي المُدّمجة في القوات المسلحة السودانية تخضع لقانون القوات المسلحة ولا تتلقى أوامر وتعليمات للانتشار والانفتاح من القائد مالك عقار إنما من قيادتها المباشرة في القوات المسلحة السودانية.
وأوضح البيان أنه تم دمج قوات من الجيش الشعبي في المؤسسات العسكرية المختلفة وفقاً لما نص عليه بروتوكول الترتيبات الأمنية في اتفاقيه جوبا لسلام السودان، وتابع بموجب ذلك، فإن إدارة وتوجيه نتشار أو انفتاح القوات المُشّار إليها آنفاً تقع ضمن مسؤوليات قيادتها المباشرة في القوات المسلحة السودانية.
وأضاف: ظللنا نتابع حياكة الأخبار المضللة وتغليفها وتصديرها من قِبل الإعلام المضاد والمفضوح الذي يعمل بشكل ممنهج لإضعاف قيادة الحركة الشعبية وتشويه صورتها.
من هو عقار؟
يشار إلى أن عقار ولد في مدينة باو الواقعة جنوب غرب مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق، وعمل مدرسا ثم أمينا للمخازن قبل التحاقه بالجيش الشعبي لتحرير السودان. ثم فاز بمنصب والي ولاية النيل الأزرق بأغلبية الأصوات في عام 2010، والذي كان في فترة إنفاذ اتفاق نيفاشا الموقع بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان. وبعد تدهور الأوضاع بعد انفصال جنوب السودان في يوليو/ تموز 2011 عزل البشير عقار، الذي أعلن في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه سيطرة الجيش الشعبي على 80٪ من ولاية النيل الأزرق، ما عدا منطقتي الدمازين والرصيرص.
وقال في مؤتمر صحافي وقتها في الكرمك، نقلته مواقع إخبارية، أن «سلاح الجو السوداني قصف منطقة الكرمك، ومناطق أخرى متفرقة بالولاية بطائرات الانتنوف والميغ، مما تسبب في مقتل وجرح وتشريد المواطنين العزل وهروبهم من مناطق سكنهم خوفاً من الطيران».
وأكد أن «المعركة مع النظام في الخرطوم ستستمر إلى أن يتم التوصل لاتفاق طارىء بشأن كيفية حكم السودان، وأن الحركة ستسعى لوضع دستور جديد للبلاد تراعي فيه التعددية الإثنية والدينية والثقافية».
المعركة التي تحولت لحرب طويلة استمرت حتى قيام ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018، التي اتسمت بالسلمية وأعلنت الحركات المسلحة التضامن معها.
انقسام الحركة
في عام 2017 نشب خلاف بين قيادات الحركة الشعبية ـ شمال، حيث أعلن عبد العزيز الحلو وقتها استكمال إجراءات فصل الرئيس مالك عقار والأمين العام للحركة ياسر عرمان، في وقت تمسك الأخيران بمنصبيهما، الأمر الذي انتهى بانقسام الحركة الشعبية شمال لحركتين، الأولى بقيادة عقار، والثانية بقيادة الحلو. الوساطة الجنوب سودانية حاولت لمّ شمل الحركة إلا أنها لم تفلح. واعتبر عقار أن أحد أسباب الخلاف الأساسية أن حركته ترى عدم جدوى من وجود جيشين في بلد واحد بعد انتفاء أسباب الحرب، بينما يرى الحلو غير ذلك.
وعقار، على الرغم من الخلافات المستمرة، يرى أن السلام ناقص ولن يكتمل إلا بانضمام الحلو ورئيس حركة جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، وأن الحرب تحتاج لعدد قليل من الناس ولكن السلام يحتاج الجميع.
لاحقا، تعرضت الحركة لهزة وانقسام جديد، بعد نشوب خلافات بين عقار ونائبه ياسر عرمان، وذلك في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، فيما بدت تصريحاته مناوئة لـ«الحرية والتغيير» ولجان المقاومة، على الرغم من إعلانه رفض انقلاب البرهان ـ حميدتي.