الخرطوم ـ «القدس العربي» ـ ووكالات: اندلعت اشتباكات، الأربعاء، بين طرفي الصراع في العاصمة السودانية، مما يهدد بانهيار وقف إطلاق نار هش يهدف للسماح بوصول المساعدات وتمهيد السبيل لهدنة تدوم لفترة أطول.
ويخضع اتفاق وقف إطلاق النار لمراقبة السعودية والولايات المتحدة، وكذلك طرفي الصراع، وجاء بعد قتال كثيف في الخرطوم لخمسة أسابيع وامتداد أعمال العنف إلى مناطق أخرى من البلاد مثل إقليم دارفور غرب السودان.
ويدور القتال بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» وأدى إلى تفاقم أزمة إنسانية، كما يهدد بزعزعة استقرار المنطقة.
ووفق وزارة الصحة السودانية، تم تسجيل 709 وفيات و5 آلاف و424 إصابة في المستشفيات في كل الولايات، منذ اندلاع القتال منتصف أبريل/نيسان الماضي.
وقالت في بيان إن «أحداث الصراع الحربي الناتج عن تمرّد قوات الدعم السريع في الفترة من 15 أبريل/نيسان الماضي وحتى يوم 22 مايو/ أيار الجاري في الخرطوم والولايات، أدى إلى وفاة 709، وبلغت جملة الإصابات 5424 تم تسجيلها بكل المستشفيات في ولايات السودان.
«خطة طوارئ»
وفيما ذكرت أن عدد الولايات التي تأثرت بالقتال بلغ 13 ولاية (من أصل 18) أشارت إلى أن «الخدمات الطبية انتظمت بولايات السودان المختلفة، ما عدا ولاية الخرطوم وبعض ولايات دارفور».
وحسب البيان ذاته، وضعت وزارة الصحة «خطة طوارئ» تتمثل في عدة محاور لتقديم الخدمات الصحية وتوفير الإمداد والتنسيق مع الشركاء، بالإضافة الى محور الصحة العامة والأمراض المزمنة والرعاية الصحية الأساسية في ولايات السودان المختلفة.
وشددت الوزارة في بيانها على «أهمية دور الشركاء من المنظمات الدولية والوطنية في تسهيل انسياب الخدمة للمواطنين بصورة مُرضية».
وأدى وقف إطلاق النار إلى هدوء نسبي في القتال في الخرطوم الثلاثاء، وإن لم تظهر بوادر على زيادة سريعة في أعمال الإغاثة الإنسانية.
وقال شهود إن اشتباكات وقعت في عدة مناطق في العاصمة أمس. وأضافوا أنه أمكن رؤية أعمدة دخان أسود تتصاعد إلى السماء في غرب وسط الخرطوم وسماع دوي قصف بالقرب من معسكر للجيش في جنوب المدينة. وسمعت أصوات اشتباكات ونيران مدفعية في بحري، إحدى المدن الثلاث التي تشكل ولاية الخرطوم.
كما أبلغ سكان عن قصف مدفعي قرب قاعدة وادي سيدنا العسكرية في ضواحي أم درمان.
وأفادت لجان مقاومة «الشجرة والحماداب» بأنها ساهمت بصد الجيش لمحاولة قوات «الدعم السريع» ومحاصرة سلاح المدرعات الواقع على امتداد الحي، وطالبت جميع السكان الالتزام بمنازلهم والابتعاد عن الأبواب والشبابيك وعدم الخروج نهائياً حتى هدوء الأوضاع.
ويشار إلى أن المعارك في محيط سلاح المدرعات ومنازل «حميدتي» وأشقائه الواقعة جنوباً في حي جبرة، استمرت لساعات طويلة، وتعد الأعنف من نوعها حيث استخدمت فيها أسلحة المدفعية الثقيلة.
قلق أممي من جرائم العنف الجنسي… ونيران التهمت أجزاء من أسواق في دارفور
وقالت مصادر لـ «القدس العربي» إن قوات الدعم السريع حاولت محاصرة ومهاجمة سلاح المدرعات، لكن الطيران الحربي التابع للجيش والقوات البرية تصدى لها وكبد القوة خسائر في الأرواح والعتاد.
وسقطت في الخرطوم أمس طائرة حربية تتبع سلاح الجوي التابع للجيش، ووفقاً للمتابعات استطاع طاقم القيادة القفز منها بالمظلات قبل تحطمها في حي أمبدة في أمدرمان، وتباينت الروايات حول سبب سقوطها، فقد أكد «الدعم السريع» إصابتها عبر المضادات الأرضية، بينما قال البعض إنها تحطمت إثر عطل فني.
ونشر موالون لـ «الدعم السريع» صورا وفيديوهات عن إلقاء القبض على أحد الطيارين وعلاجه بعد تعرضه لإصابة بالرصاص في رجله.
وكشفت مصادر طبية لـ «القدس العربي» عن مقتل مواطن وإصابة أربعة آخرين بحروق من الدرجة الأولى جراء سقوط الطائرة الحربية في حي أمبدة الحارة (14) في أمدرمان، كذلك أكد المصادر وفاة امراة أخرى إثر إصابتها بـ«رايش» قذيفة وقعت في حي النهضة «الإنقاذ سابقاً» جنوبي الخرطوم.
وتم الاتفاق على الهدنة يوم السبت بعد محادثات بوساطة سعودية وأمريكية في جدة. ولم تنجح إعلانات سابقة لوقف إطلاق النار في وقف القتال.
وقالت السعودية والولايات المتحدة في وقت متأخر أول أمس الثلاثاء إن ممثلين للجنة المتابعة والتنسيق عملوا على «ضم قيادات الطرفين في السودان للحديث عن الادعاءات بوجود انتهاكات لوقف إطلاق النار».
وفي نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، بين اثنان من السكان أن الاشتباكات المستمرة منذ أيام بين الجيش وقوات الدعم «السريع» أدت إلى التهام النيران لمعظم أقسام السوق الرئيسية.
وقالت ملكة إبراهيم إنهم في وضع صعب للغاية ويشعرون بالذعر، مضيفة أن عائلتها انقطعت عنها إمدادات المياه خلال الأسبوعين الماضيين.
مثل العديد من المواطنين السودانيين، يخشى ياسر عبد العزيز الموظف الحكومي في مدينة شندي الشمالية «نشوب حرب أسوأ من صراعات الشرق الأوسط والاضطرابات التي شهدتها مناطق أخرى في القرن الأفريقي».
وقال «أخشى ألا يقف السيناريو القادم عند بلدان مثل سوريا أو ليبيا أو اليمن، بل نصل إلى السيناريو الصومالي، حيث تؤجج الناس العنصرية والقبلية».
نهب منازل وشركات
وأوضح نشطاء في زالنجي، عاصمة ولاية وسط دارفور، أن جماعات مدعومة من قوات «الدعم السريع» حاصرت المدينة وبدأت في نهب المنازل والشركات. ويبدو أن خدمة شبكات الهاتف انقطعت في كل من زالنجي والجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور التي قتل فيها المئات منذ الشهر الماضي.
وشهد الصراع ضربات جوية متواصلة واشتباكات في الخرطوم للمرة الأولى. ويجد كثير من السكان صعوبة في النجاة في ظل انقطاع المياه والكهرباء لفترات طويلة وانهيار في الخدمات الصحية وانتشار الفوضى والنهب.
ووصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الوضع في السودان بأنه «مفجع». وقال إن هناك شهادات «مقلقة للغاية» عن وقوع عنف جنسي في الخرطوم ودارفور حيث جرى الإبلاغ عن 25 حالة على الأقل حتى الآن، مضيفا أن العدد الحقيقي من المرجح أن يكون أعلى من ذلك بكثير.
وحسب عمال إغاثة، الكثير من الإمدادات وعمال الإغاثة الذين يصلون إلى بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، ينتظرون التصاريح والضمانات الأمنية.
وأعرب عاملو الإغاثة الطبية عن قلقهم بشأن النقص الحاد في الموارد، إذ تسبب القتال في تدمير ونهب معظم المستشفيات، خاصة في الخرطوم ودارفور.
وقال جان نيكولا ارمسترونغ من منظمة «أطباء بلا حدود» غير الحكومية في بيان الأربعاء «عقب تعرض أحد مستودعاتنا الطبية للنهب في الخرطوم، قُطع التيار الكهربائي عن الثلاجات وأُخذت الأدوية».
وتابع «تدمرت سلسلة التبريد بأكملها، ففسدت الأدوية وباتت غير صالحة لعلاج أي مريض».
وأضاف «نشهد خرقاً للمبادئ الإنسانية، والحيز الإنساني المتاح آخذ بالتقلص بشكل لم أشهده إلا نادراً».
في الموازاة، أوضحت المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من مليون نزحوا داخل السودان حتى الآن وفر 319 ألفا إلى دول مجاورة، بعضها يعاني من الفقر ولديه تاريخ من الصراعات الداخلية. وقال فيليبو غراندي مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، إن كثيرين منهم توجهوا إلى تشاد ومصر في الأيام القليلة الماضية.
وأضاف في تغريدة على «تويتر» «مساهمات المانحين في خطة التعامل مع اللاجئين لا تزال شحيحة. نحن في حاجة إلى مزيد من الموارد بشكل عاجل لدعم البلدان المضيفة للاجئين».
ووفق الأمم المتحدة فإن عدد من يحتاجون المساعدة داخل السودان قفز إلى 25 مليونا، أي أكثر من نصف سكان البلاد.
واتهم عضو مجلس السيادة الانتقالي ومساعد القائد العام للجيش، الفريق أول ياسر العطا، قوات الدعم السريع، باقتحام مطابع العملة حيث المخزون النقد واحتياطي الذهب.
وقال في تصريحات لـقناة «الجزيرة»: إن «قوات التمرد تنهب السودان باسم الديمقراطية» وأضاف:»قيادة الجيش وجهت بالالتزام بالهدنة وعدم الاشتباك مع التمرد بعد هجومه على مطابع العملة».
وفي سياق متصل، كشفت هيئة محامي دارفور وشركاؤها، عن تعرض وفد قوة مشتركة تتبع للحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا لكمين في منطقة «ضل اللحم» في ولاية غرب دارفور من قبل قوات الدعم السريع الثلاثاء.
وأسفرت الحادثة وفقاً للهيئة، عن (4) قتلى و(17) من الحرجى من طرف الحركات المسلحة بالإضافة إلى استلام عدد من السيارات، فيما فر الناجون إلى مدينة الجنينة.