استثمار لا تحتاجه تونس

حجم الخط
11

■ كلام قد يصدم البعض وقد يثير ريبة واستغراب البعض الآخر ردده قريب واحد من شابين اثنين عرضت السلطات في تونس صور جثتيهما فور انتهاء عملية «باردو» وقدمتهما على انهما المنفذان الفعليان للهجوم. القريب قال لصحيفة «الصريح» اليومية بأن «العائلة رفضت تسلم جثمان جابر وتنكرت لفعلته الارهابية الشنيعة وان لا علاقة لها بما حصل بل ان والده وجده وهو رجل فاضل رفضا تسلم الجثمان وطالبا باحراقه…».
ان صحت التصريحات فاننا نكون بصدد حالة فريدة وغير معهودة بالمرة. فعلى عكس ما ظل سائدا ومعروفا طوال السنوات الاخيرة حتى خارج تونس لا ترفض السلطة او الطرف الحكومي تسليم جثة الشاب الذي قدم كارهابي وقاتل حتى تدفن وفق المراسم المعتادة ولا تحتفظ بها كغنيمة حرب او ككنز ثمين من كنوز الدولة التي ينبغي مواراتها في مكان سري ومجهول تحت باطن الارض او في اعماق البحر، بل يأتي الرفض والتبرؤ الآن من جانب الأهل لكل صلة او علاقة ربطتهم بها حتى لو كانت صلة الدم والقرابة.
ويبدو واضحا ان عائلة الشاب التونسي تواجه حرجا وصعوبة في تقبل الأمر الواقع وليس لديها ادنى الاستعداد حتى تتحمل التبعات النفسية والمعنوية لذنب او جريرة اقترفها فرد من افرادها في غفلة منها لذا فهي تفضل ان تسلك طريقا مختصرا وتمر على الفور الى اقصاء الشخص ومحو اثره بالكامل من سجلها العائلي. الموقف الذي تظل دوافعه الحقيقية غامضة ومجهولة يناقض بشكل كامل ما حصل قبل ايام قليلة مع عائلة شاب استرالي واجهت تجربة شبيهة بالتجربة التونسية لكن كانت لها ردة فعل اخرى اذ رفضت قطع صلاتها بالابن «الضال» وطالبت بجثته حتى تقيم مراسم الحداد عليه. فقد قال والد الشاب الاسترالي جايك بيلاردي المشتبه في انه نفذ احدى العمليات الانتحارية لصالح تنظيم الدولة في العراق خلال مقابلة مع برنامج 60 دقيقة على شبكة ناين، بان ابنه كان ضحية «للجهاديين الذين استغلوه لتحقيق غاياتهم» واللافت في كلام الاب الاسترالي هنا انه لم يتنصل البتة من المسؤولية بل قال وبالفم المليان «اريد ان يعلم الجميع انني انا المسؤول فهو ابني» قبل ان يضيف بانه كان عليه ان يكون الى جانبه لانه من الواضح انه كان بحاجة الى المساعدة.
وبين الاعتراف بالذنب والشعور بتقريع الضمير وبين التجاهل والتنكر التام مسافة قد تلخص شخصية تونسية مهزوزة ومليئة بالتناقضات لا تملك القدرة على الثبات بوجه الهزات ولا مواجهة الحقيقة بصلابة وشجاعة فتضطر الى مداراة العجز والاخفاق بالقاء اللوم على الاخرين وتوهم انها لن تكون مضطرة ابدا لان تقدم يوما ما كشف حساب عن اخطائها ومواطن تقصيرها.
في حالة القريب التونسي تلتبس الصورة وتتقاطع الدوافع بشكل يفتح باب التأويلات والتأويلات المضادة فهل كان الامر محاولة محسوبة للتخفف من ضغوط وأعباء القرابة بمن صاروا يقدمون كنماذج فاشلة وأعداء قوميين للدولة والديمقراطية ام تعبيرا عن مشاعر غضب واستنكار حقيقي وصادق للافعال التي اقترفوها؟ ليس من السهل الحسم سريعا لصالح اي من الموقفين فيين ما يظهر علنا للجمهور وما يظل مكتوما ومحفورا فقط داخل القلوب والضمائر يظل الامر صعبا ومعقدا حتى على أعتى اجهزة المخابرات في العالم.
لكن ذلك لا يمنع البعض في تونس من السقوط السريع في فخ الاستسهال واختصار الامر برمته في المطالبة باطلاق ايدي الاجهزة الامنية لتقوم بما تريد بالشكل والاسلوب والتوقيت الذي يناسبها. ولاجل ذلك لم يعد غريبا ان يخرج عميد متقاعد سبق ان كان ناطقا رسميا باسم وزارة الدفاع بمقترح لحل ما بت يمثل معضلة وطنية وهو عرض الناس على جهاز لكشف الكذب للتأكد ان كانوا ارهابيين ام لا. العميد المتقاعد قال لصحيفة محلية «ان المرحلة تتطلب ايضا الى جانب اليقظة والحيطة تقنيات متطورة ومراقبة للهواتف وشبكات الانترنات والاهم من كل هذا توفير اجهزة كشف الكذب حيث قام مركز تونس للامن الشامل بدراسة اثبتت اهمية الجهاز اذ يكفي طرح ثلاثة او اربعة اسئلة على اي شخص لمعرفة ما اذا كان من العناصر الارهابية ام لا…». اما من يعرض على الجهاز ومن يعفى من اختبار الصدق وهل ان تصريحات قريب جابر وموقف اسرته كانت كاذبة ومظللة ام لا؟ فذاك هو السؤال الذي لا احد يملك جوابا دقيقا عنه في تونس.
لا يثار الجدل حول جثة جابر فحسب بل يستغل اسمه بشكل قصدي ومتعمد لتوريط شخصيات عرفت حتى لدى خصومها بالاعتدال والتسامح. وما اقدمت عليه بعض المواقع على شبكة الانترنت لما نشرت في الساعات التي تلت عملية باردو صورة للشيخ عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة رفقة شاب قدم حينها على انه جابر مثال حي على استثمار آخر في تونس وهو الاستثمار في الجثث. فلا تنتهي قصص من يوصفون بالارهابيين بمجرد القبض عليهم او قتلهم بل يستخدمون لاحقا كأدوات لخدمة مشروع يحمل هدفا واضحا ومحددا وهو وضع الجميع في سلة واحدة وكسر الحد الفاصل بين الارهابي المتشدد والاسلامي المعتدل حتى تلتبس الصورة على جمهور فقد معظمه القدرة على التمييز والادراك. ولأن منطق السوق الذي يحرك الاستثمار في الجثث لا يعترف بقاتل ومقتول ولا بإرهابي وضحية، فانه لا يستثني ايضا جثث الضحايا. ويذكر التونسيون هنا ما يحصل في كل مناسبة مع شكري بلعيد ومحمد البراهمي الوجهان السياسيان اللذان اغتيلا خلال سنوات حكم الترويكا وصارا ورقة انتخابية وسياسية يستغلها فصيل يساري متشدد تحت مبرر الانتقام والثأر لمقتلهما بكشف حقيقة التي لا تعني شيئا آخر بنظره سوى وضع كل الاسلاميين عن بكرة ابيهم في السجون او اعادتهم الى المنافي كما كان الامر زمن الاستبداد. اما خارج وحل السياسة فلا قيود او حدود ايضا «لبيزنس» الجثث. فقد نقل احد شهود العيان على عملية باردو في مقابلة اجرتها معه قناة تلفزيونية خاصة ان احد رجال الامن قام بأخذ خاتم من جثة سائحة فرنسية لقيت مصرعها في العملية قبل ان تكشفه اجهزة المراقبة ويتم ايقافه وعرضه على التحقيق. حصل ذلك حين كان معظم التونسيين يعيشون على وقع صدمة حقيقية من تعرض زوارهم الى القتل والاعتداء بتلك الطريقة وفي بلد عرف بانفتاحه وترحيبه بالاجانب. هل كان عملا فرديا ومعزولا ام اسلوبا وسلوكا اخذا في التمدد والانتشار؟
لقد قال الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في حوار نشرته صحيفة الوطن الجزائرية في الرابع من شباط/ فبراير الماضي ان «التونسيين لم يعرفوا الارهاب في السابق… واعتقد انهم غير قادرين على حل هذا المشكل بفعالية بمفردهم لاننا لم نكن مستعدين لذلك»، ويبدو واضحا ان تونس بصدد قطع خطوات عملية في اتجاه تقوية علاقاتها وروابطها الامنية بالقوى الاقليمية والدولية التي ارتبطت بها منذ الاستقلال وذلك لهدف مباشر ومعلن وهو التخلص من خطر وتهديد الجماعات المقاتلة. لكن بعيدا عن ذلك هل يملك التونسيون حدا ادنى من المناعة الروحية والاخلاقية تجعلهم يهجرون كل اشكال الاستثمار في الجثث ويلتفتون الى الاستثمار العاجل والمطلوب وهو الاستثمار في الانسان الحي بعد ان صارت الفروقات بينه وبين الميت ضئيلة ومحدودة؟
لن يكون الجواب هنا ايضا بالسهل والبسيط لكن المؤكد ان كلام قريــــب جابر حــول رفض الجثة والتنصل منها لن يفتح ولو كوة صغيرة في ضمائر وقلوب اصيبت بالتكلس التام وجرفها نهم وتوحش السوق الذي لا يرحم لا الاحياء ولا الموتى ايضا.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية