الخرطوم ـ «القدس العربي» : تزامناً مع تأكيد واشنطن والرياض، الجمعة، أنهما لاحظتا «تقدما ملحوظا» في احترام الهدنة في السودان، شهدت الخرطوم هدوءا نسبيا، رغم سماع تبادل لإطلاق نار في مدينتي بحري وأمدرمان، فضلا عن معارك في الفاشر، شمال دارفور. وفيما دعت وزارة الدفاع متقاعدي القوات المسلحة للتوجه إلى أقرب قيادة عسكرية للتسلّح، أعلن الحزب الشيوعي واستراحة الأطفال مرضى السرطان (كلنا قيم) اقتحام قوات «الدعم السريع» مقارهم في العاصمة.
وبالتوازي تعرض منزل السفير الأردني، للاقتحام والتخريب.
وقالت الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، ميسّرتا المباحثات غير المباشرة بين الأطراف السودانية، إنهما تلحظان تقدما ملحوظ افي احترام اتفاق وقف إطلاق النار قصير الأجل، بين الجيش وقوات «الدعم السريع».
انتهاكات واسعة
والسبت الماضي، وقع طرفا الصراع اتفاق وقف إطلاق نار وترتيبات إنسانية قصير الأمد، في جميع أنحاء البلاد، لمدة أسبوع قابل للتمديد، دخل حيز التنفيذ بعد 48 ساعة من توقيعه، تحت رقابة آلية مشتركة تتضمن ممثلين من الجيش وقوات الدعم السريع والوساطة السعودية الأمريكية. إلا أن الهدنة التي بدأت السبت شهدت انتهاكات واسعة بلغت ذروتها الأربعاء الماضي، فيما شهدت الخرطوم يومي الخميس والجمعة هدوءا نسبيا في بعض المناطق، إلا أن أصوات الرصاص سمعت بشكل متقطع، مقابل تصاعد الأوضاع في إقليم دارفور.
وحسب بيان الرياض وواشنطن «على الرغم من تحسن الاحترام لاتفاقية وقف إطلاق النار قصير الأجل والترتيبات الإنسانية في السودان منذ الخميس، لوحظ استخدام طائرات عسكرية وإطلاق نيران متفرقة في السودان».
وقال البيان إن «آلية مراقبة وقف إطلاق النار، كشفت الأربعاء، عن انتهاكات كبيرة للاتفاقية. وشمل ذلك الاستخدام الملحوظ للمدفعية والطائرات العسكرية والطائرات دون طيار، وتقارير موثوقة عن غارات جوية، واستمرار القتال في قلب منطقة الخرطوم الصناعية، والاشتباكات في مدينة زالنجي عاصمة وسط دارفور، غرب السودان».
وأشار إلى أنه «في أعقاب الانتهاكات الجسيمة الأربعاء، تواصل الوسطاء مع الأطراف، لافتين إلى تجدد القتال وتعرّض المدنيين للخطر، وعرقلة المساعدات الإنسانية، بالإضافة إلى منع استعادة الخدمات الأساسية، مما قوض الأهداف الرئيسية لوقف إطلاق النار. وحذروا الأطراف من ارتكاب مزيد من الانتهاكات وناشدوهم تحسين احترام وقف إطلاق النار».
وأوضح أن «منذ الخميس، بعد تقدم الالتزام بوقف إطلاق النار، سلمت الجهات الفاعلة الإنسانية بعض الإمدادات الطبية ذات الطبيعة العاجلة إلى عدة مواقع في السودان. بالإضافة إلى ذلك، تمكنت أطقم الصيانة من إجراء إصلاحات لبدء استعادة خدمات الاتصالات في الخرطوم ومناطق أخرى من السودان».
وحث الميسرون الأطراف على المضي قدماً في التقدم الإيجابي للفترة المتبقية من وقف إطلاق النار قصير المدى والوفاء بالتزاماتهم بموجب إعلان 11 مايو/ أيار الجاري، للالتزام بحماية المدنيين في السودان.
وزارة الدفاع تدعو متقاعدي الجيش للتسلّح… واقتحام وتخريب منزل سفير الأردن
وطالبوا أطراف القتال بوضع احتياجات الشعب السوداني في المقام الأول والالتزام بالشروط التي اتفقا عليها قبل أيام قليلة فقط والتقيد بالتزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار واتخاذ الخطوات اللازمة لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية واستعادة الخدمات الأساسية.
في الموازاة، دعت وزارة الدفاع السودانية متقاعدي القوات المسلحة للتوجه إلى أقرب قيادة عسكرية للتسلّح «بغية تأمين أنفسهم والعمل وفق خطط مناطقهم». جاء ذلك في بيان وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم، بثه التلفزيون الرسمي. وقال إبراهيم إن «قوات التمرّد (قوات الدعم السريع) تواصل انتهاكات الهدنة الإنسانية وتعتدي على عدد من المقار والمؤسسات».
واتهمها بأنها «تمادت في إذلال رموز الدولة من الأدباء والصحافيين والقضاة والأطباء، وأسر ومطاردة والقبض على معاشيي (متقاعدي) القوات النظامية (الجيش)».
وخاطب الوزير متقاعدي الجيش بالقول: «نهيب بكل معاشيي القوات المسلحة من الضباط وضباط صف وجنود وكل القادرين على حمل السلاح، التوجه إلى أقرب قيادة عسكرية لتسليحهم لتأمين أنفسهم وحرماتهم وجيرانهم وأعراضهم والعمل وفق خطط منطقتهم».
وأثنى على «وفاء هذا الشعب العظيم والتفافه حول القوات المسلحة» مشدداً على أنه «دعم يجد التقدير، وتجتهد القوات المسلحة لمقابلته بما يليق». ولا يزال المواطنون لا يستطيعون العودة إلى منازلهم في عدد من أحياء العاصمة السودانية الخرطوم، خاصة الواقعة في الوسط والشمال، والبيوت القريبة من معسكر المدينة الرياضية التابعة للدعم السريع الواقع جنوبها.
«مشردون بسبب الحرب»
وقال المواطن إسلام اسماعيل، والذي يسكن في حي العمارات وسط الخرطوم، لـ«القدس العربي»: إنه على الرغم من أن اتفاق الهدنة المؤقتة نص على خروج المسلحين من المناطق السكنية والمستشفيات إلا أنه، وعائلته، لا يزالون غير قادرين على العودة إلى منزلهم الذي استولت عليه قوات الدعم السريع في الأسبوع الثاني للقتال». وطالب تلك القوات بالالتزام بالاتفاق والخروج من منازل المدنيين. وأضاف: «نحن مشردون الآن بسبب هذه الحرب».
في السياق، قالت إدارة استراحة الأطفال، مرضى السرطان إن «قوة من الدعم السريع اقتحمت فجر الجمعة مقرها في حي المعمورة جنوب شرق الخرطوم، وتم التعدي على خزنة الاستراحة وفتحها ونهب ما فيها، وكذلك أموال المشرفين بعد إرهابهم». وأشارت إلى أنهم «قاموا بكسر دواليب الأطفال والمرافقين بالغرف وبعثرة محتوياتها مع إطلاق النيران الكثيف في الهواء، حتى غرفة ألعاب الأطفال لم تسلم من الأذى».
فيما ندد الحزب الشيوعي باعتداء ذات القوات على مقره في حي الخرطوم (2) وسط الخرطوم، وقال في بيان إنه «في إطار استمرار وتصاعد وتائر الحرب العبثية في البلاد، قامت مجموعات عسكرية مسلحة بكامل عتادها تتبع لقوات الدعم السريع باقتحام واحتلال مقر المركز العام للحزب الشيوعي السوداني في منطقة الخرطوم 2».
وأشار إلى أنها «قامت بتكسير أبواب جميع المكاتب والقاعات في مقر الحزب، وأحدثت أعمال تخريب وإتلاف ونهب واسعة لكل محتويات وممتلكات الدار» مبينا أنها ما زالت توجد في دار الحزب متخذة منه مقرا لها». وأدان ما وصفه بـ «الفعل الهمجي الجبان بكل أشكال الإدانة» مطالبا تلك القوات بالإخلاء الفوري لمقر المركز العام للحزب، وإنهاء احتلالها له، لافتاً إلى أن دور الأحزاب ومنازل المواطنين ليست ساحات للقتال.
وحمل «الدعم السريع» المسؤولية القانونية الكاملة إزاء كافة الأضرار والمفقودات التي نجمت جراء احتلال مقره، مشيرا إلى أنه سيتخذ كافة الإجراءات القانونية في مواجهة الإعتداء.
وقال: إن «عمليات اقتحام الدعم السريع المنازل السكنية وترويع ساكنيها واستخدام المرافق العامة كالمستشفيات كمقار لوجودهم باتت مشاهد متكررة في ظل الحرب العبثية المندلعة مع كل ما تحتويه من انتهاك صارخ لحرمات المواطنين العزل والقوانين والأعراف الدولية حتى في أوقات الحروب».
ولفت إلى أن «الهجوم على مقار الأحزاب السياسية واحتلالها وتحويلها لثكنات عسكرية يشكل تصعيدا خطيرا في مسار الحرب الكارثية، ومؤشرا لاستغلال أطراف الحرب لظروف الانفلات الأمني الواسع في اتجاه ضرب مواقع الحركة الديمقراطية وكل القوى الرافضة والمناوئة للحرب من لجان المقاومة ونقابات وقوى سياسية ووطنية» مضيفا: أن «هذه الاعتداءات لن تثني الحزب من الوقوف في الصفوف الأمامية مع جماهير الشعب وقواه الحية والمطالبة بإيقاف الحرب و محاكمة ومحاسبة كل الأطراف التي أسهمت في إشعال فتيلها».
وسبقت الاعتداء على مقر الحزب الشيوعي اعتداءات على دور أحزاب أخرى بينها حزب «الأمة القومي» الذي اتهم قوة قال إنها تزعم أنها تابعة لـ«الدعم السريع». وكذلك منزل رئيس حزب «الأمة» بقيادة مبارك الفاضل المنشق عن حزب الأمة القومي، والذي قال إن «الدعم السريع» خرب المنزل، وقام بأعمال نهب واسعة.
إلى ذلك، أعلن الأردن تعرض منزل سفيره لدى العاصمة السودانية الخرطوم للاقتحام والتخريب، معرباً عن إدانته واستنكاره.
جاء ذلك وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الأردنية. وأكد البيان «وجود السفير (لم يذكر اسمه) وطاقم السفارة في مدينة بورتسودان (شرق) وعدم تعرض أي منهم لأي مكروه».
وأعربت الخارجية الأردنية عن «إدانة واستنكار المملكة لكافة أشكال العنف والتخريب، وخاصة تلك التي تنتهك حرمة المباني الدبلوماسية». ودعت إلى «ضرورة احترام قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وخاصة اتفاقية فيينا».