الحوار الوطني يعيد صياغة سؤال عمره مئة عام: هل مصر فرعونية أم عربية أم إسلامية؟

هيثم خيري
حجم الخط
3

لم يكن مجرد حوار حول الموائد المستديرة، بل سجالا سياسيا ومجتمعيا جمع بين الشخصيات المتناقضة. على مدى أكثر من أسبوعين شارك آلاف الخبراء والسياسيين والاقتصاديين ونواب البرلمان وأساتذة الجامعات والفنانين، في مناقشات الحوار الوطني بواقع أربع دقائق لا غير لكل متحدث، ومداخلات بواقع دقيقتين فقط لكل متحدث ومتحدثة.
الحوار الوطني المصري ماراثون طويل الأجل في سبيل توصيات وقرارات معظمها معلن، وقليل منها وصفه سياسيون بأنه «سيكون بمثابة سيناريو سياسي لجدول طويل الأمد من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».
ينطلق المحور المجتمعي من تخصيص أربع جلسات عن سؤال الهوية المصرية، ثم ينتقل إلى قضايا مجتمعية مثل الوصاية المالية على الأبناء في حال وفاة الأب، وينتهي بالقضية السكانية ومشاكل النمو السكاني المتزايد في مصر، والتعليم ما قبل الجامعي.
وحتى نفهم آلية الحوار الوطني، فمحور الهوية الوطنية تحدث فيه 150 مشاركا على مدى سبع ساعات، بمعنى أن المتحدث يسمح له بمناقشة القضايا الكبرى على مدة دقائق معدودة فقط، وعلى التوازي من هذه الجلسة، انعقدت جلسة الوصاية على المال بواقع سبع ساعات أيضا في نفس التوقيت.
وبالطبع فسؤال الهوية ليس وليد الأيام الجارية. في مطلع القرن الماضي، دارت نقاشات مستفيضة حول الهوية، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى كانت النقاشات القومية والوطنية في أوج ذروتها عالميا، وفي مصر انبرى الفلاسفة والكتاب والمفكرون للبحث عن إجابات مشتقة من نفس السؤال، خاصة بعد ثورة 1919 وما دار عقبها من أحداث.
هذا ما يؤكده المؤرخ الدكتور أحمد زكريا الشلق، في تقديمه لكتاب «عن هوية مصر والمصريين» ويضيف عليه أن النقاش حول هوية أو شخصية مصر عادة ما يثار في فترات التحول أو الأزمات من تاريخ البلاد، وأن التحديات التي تواجه مرحلة جديدة من التاريخ يبرز معها السعي لاستشراف المستقبل، وهو ما يدعو إلى البدء بالتفكير في الماضي.

الأسئلة المأزومة

وخلال جلسات الحوار الوطني، أوضح الدكتور جمال عبد التواب، أن هويتنا الوطنية تكونت في القرن التاسع عشر في سياقين أحدهما نهضوي والآخر استعماري أو بمعنى أدق يعادي الاستعمار، واستغرقت مصر عشرات السنين في الصراع لدرء المعتدين، مطالبا بضرورة إعادة التوازن إلى الهوية المصرية الجامعة.
وتابع بالقول إن صراعات الهوية متجددة، وأحد أسبابها إخفاقنا في المكون النهضوي. فأي أمة في أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية تعيد صياغة الأسئلة المأزومة من قبيل الهوية، ومن ثم فمن الضروري التركيز الآن على السياق النهضوي والإطار الجامع للهوية المصرية.
ومن بين المتحدثين المحامي والباحث التاريخي سامي حرك، الذي قال إن: قوة أو ضعف الهوية توضح قوة أو ضعف مشاعر الولاء والانتماء، كما أنها تحدد قوة أو ضعف النسيج الاجتماعي. الهوية طبقات متوازية ومتعايشة، وليست متقاطعة ولا متخاصمة، منها الوطني والجغرافي والعرقي والديني والمهني والرياضي والشخصي، حسب قوله.
ووضع حرك أربعة طلبات على مائدة الحوار أولها الدعوة لتدريس علم المصريات في كل مستويات مراحل التعليم، ومنح دورات خاصة للمعلمين. ثم اضطر الرجل للتوقف عن الحديث لأن الوقت المخصص له كان قد انتهى، وطلب منه الناقد د. أحمد مجاهد، مدير الجلسة، التوقف عن الكلام.
على كل حال كانت مطالب حرك الثلاثة الأخرى هي أن تعبر أسماء المدن والشوارع عن الشخصيات والرموز المصرية وليس الأجنبية، وأن تحتفل الحكومة بالسنة المصرية وليس الميلادية، والمطالبة بالاعتراف بلغة الشعب العامية باعتبارها التطور الطبيعي للغة المصرية القديمة.
أما انطباعات سامي حرك عن اللقاء فهي أنه كان جيدا، «إنما كل واحد قال كلمته ولم نفهم الكلام هيروح فين ولا هيحصل إيه بعد كده».
المخرج المصري عمرو سلامة، فضّل أن يتحدث عن الهوية الكورية بدلا من الهوية المصرية، فقال حتى الثمانينات كان وضع الشعب الكوري أسوأ من مصر، والآن تغيرت أوضاعهم تماما، ففي غضون عشرين عاما استطاعت كوريا بلغتها المحدودة (يتحدثها 50 مليون مواطن كوري) أن تحصد أهم جوائز فنية في العالم، واستطاعوا الترويج للموسيقى الكورية، ثم نجحوا في تصنيع الهواتف المحمولة والسيارات حتى أصبحت العلامات التجارية تحظى بسمعة دولية طيبة، وتخترق الأسواق المصرية والعربية وأسواق العالم. كل ما حدث أن الدولة قررت أن تتبنى خطة للتحديث الصناعي والثقافي والمعرفي. قرروا بشكل واعٍ تطبيق نظام صارم للتطور، حتى غزت كوريا العالم بثقافة محدودة ولغة محدودة.
وتحدث عن الأوضاع في مصر فقال: هناك ثقافة عامة تصادر الفن والكاميرا في الشوارع، فمن حق أمين شرطة استيقاف مصور أو هاوٍ يحمل الكاميرا ومصادرة أجهزته.

مادة الحضارة

واختار عالم المصريات بسام الشماع التعليق على فيلم «كليوباترا» الذي أثار جدلا واسعا مؤخرا، فقال إن الهوية الوطنية المصرية متأصلة ومترسخة في الشباب بدليل دفاعهم المستميت عن شخصية «كليوباترا» التي اعيد صياغة قصتها في فيلم يحمل اسمها، وتم عرضه على أحد القنوات على المنصات الجديدة. واقترح الشماع أن يعاد تدريس التاريخ المصري بعيدا عن الأرقام، وعرض مواد جديدة تحفز النشء والشباب على معرفة عوالم أجدادهم بدلا من الالتزام بكتب التاريخ المدرسية التي تعتمد على الحفظ.
وطالب الشماع بوضع مادة جديدة في كتب المرحلة الابتدائية تسمى «مادة الحضارة» شرط ألا تكون مادة نجاح ورسوب، وتتضمن المادة تقديم شروحات كافية لمبادئ اللغة الهيروغليفية، وتقديم شروحات أيضا بالمنجز المصري في الحضارة قبل سبعة آلاف عام بآلاف السنين، فلكم أن تتخيلوا أن المصري اخترع البوصلة من 14 ألف سنة، وأن أول طبيبة مصرية بل ومشرفة أطباء كانت من 4300 سنة، في حين أن أول طبيبة بريطانية توفيت في مطلع القرن التاسع عشر.
ومن سؤال الهوية إلى قضية الوصايا على المال، التي أثارها مسلسل «تحت الوصاية» بطولة منى زكي، الذي عرضته القنوات المصرية خلال شهر رمضان الماضي. وتحدث في هذه الجلسة عشرات من نائبات ونواب البرلمان ومن السياسيين والمحامين والقانونيين.
وفي هذا السياق، قال نجاد البرعي، عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، إن قانون الولاية القائم حاليا ليست به مشكلات كبرى، لكن المشكلة في أصلها الإجراءات فقط، مطالبا المجتمع المدني والمجلس القومي للمرأة لضبط هذه المسألة.
وأوضح البرعي أنه لا فارق بين الولي والوصي، فالاثنان يقعان تحت رقابة المجلس الحسبي، ولا توجد سلطات أوسع بين الولي أو الوصي، لكن الأصل هو الأطفال، فأموال الصغير يجب أن تكون تحت رقابة جهة محايدة، والمجلس الحسبي هو تلك الجهة المحايدة، فليس من حق الأب التصرف في أموال الأطفال كما ليس من حق الأم التصرف في الأموال وتخضع للمجلس الحسبي.
وعبر فيديو قصير، بثته الصفحة الرسمية للحوار الوطني على «فيسبوك» قالت الفنانة منى زكي إن مسلسل «تحت الوصاية» فتح حوارا لمناقشة قضية وصاية الأم على أطفالها. لدينا في عائلاتنا وأسرنا سيدات مررن بآلام شديدة فيما يتعلق بالوصاية على الأطفال وأموالهم. السيدة أيا كان مركزها أو تعليمها أو تصنيفها الطبقي قادرة تماما على معرفة مصلحة أبنائها، فالطفل يمر بمأساة فقد الأب مرة، ثم يفاجأ بقانون يشعره أن أمه غير قادرة على حمايته.
وفيما انخرطت نقاشات الحوار الوطني بمحاوره السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتدفق على مدى الأسابيع الماضية، بدا ملفتا أن مئات المتابعين للحوار الوطني على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» يطالبون بتغيير قانون الإيجار القديم.
بحصر بسيط لتعليقات المتابعين للصفحة الرسمية للحوار الوطني، سيظهر أن معظم التعليقات من أشخاص يطالبون بتغيير قانون الإيجار، وبـ «فك الحصار عن عقاراتنا» باعتبار أن القانون القديم يمنح المستأجر حق السكن مقابل مبالغ صارت زهيدة.
وتجدر الإشارة إلى أن الحوار الوطني المصري ليس غريبا على الأدبيات السياسية. فقبل نحو أربعة أعوام، عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حوارا وطنيا موسعا في أعقاب حركة «السترات الصفراء» وانفجار تظاهراتها الغاضبة، وفي بعض الأحيان العنيفة في الشارع الفرنسي، وقد وعد الرئيس ماكرون في عام 2019 الفرنسيين مقابل مشاركتهم الفعالة في جولات الحوار وإغنائه بمساهماتهم بأن يقدم لهم حلولا تستجيب لمطالبهم.
وعقدت تونس حوارا وطنيا العام الماضي، ركزت محاوره على الأزمة الاقتصادية ووضع تصورات لدستور جديد للبلاد.
وفي عام 2016 عقد السودان حوارا وطنيا في الخرطوم، شارك فيه رؤساء تشاد وأوغندا وموريتانيا ومصر، بالإضافة إلى أمين عام جامعة الدول العربية وبعض ممثلي الدول والمنظمات الإقليمية والدولية.
وبين عامي 2013 و2014 استمرت أعمال الحوار الوطني الشامل في اليمن، انتهى بإعداد وثيقة لمكونات المجتمع اليمني السياسية والحزبية والمستقلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية