إسطنبول ـ “القدس العربي”:
عندما تحدّث زعيم المعارضة التركية ومرشحها للرئاسة كمال قليجدار أوغلو في أول خطاب بعد هزيمته في انتخابات الإعادة الرئاسية أمام منافسه الرئيس رجب طيب أردوغان الأحد الماضي، كان البعض يتوقع أن يُعلن قليجدار أوغلو تنحيه عن زعامة حزب “الشعب الجمهوري” المعارض الذي يرأسه منذ أكثر من عقد ولم يتمكن من قيادته أبداً إلى تحقيق نصر انتخابي كل هذه المدة باستثناء الانتخابات المحلية قبل سنوات، لكنّ هذا لم يحصل.
بدلاً من ذلك، وعد قليجدار أوغلو أنصاره بمواصلة “النضال من أجل الديمقراطية” في رسالة قرأها كثير من المعارضين على أنها مؤشر على رغبته في مواصلة قيادة الحزب وزعامة ائتلاف المعارضة. مع ذلك، فإن نقاشاً واسعاً بالفعل بدأ في دوائر المعارضة منذ ليل الثامن والعشرين من مايو حول مستقبل هذه المعارضة والتغييرات التي ينبغي عليها إجراؤها إن على مستوى القيادة أو على مستوى الخطاب السياسي لاحتواء تداعيات الهزيمة الكبيرة التي مُنيت بها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أمام أردوغان والتحالف الحاكم الذي يقوده.
بعد فوز أردوغان في جولة الإعادة الرئاسية، سارع العديد من قادة أحزاب المعارضة إلى تهنئته، لكنّ قليجدار أوغلو لم يفعل ذلك. بدلاً من ذلك، يقول قياديون في أحزاب المعارضة إن قليجدار أوغلو سعى بعد الهزيمة لتسليط الضوء على أهمية بقاء المعارضة موحدة من أجل خوض الانتخابات المحلية التي ستُجرى بعد نحو عشرة أشهر.
لم يتحدث صراحة المسؤولون الحاليون في حزب “الشعب الجمهوري” عن الحاجة إلى تغيير القيادة، لكنّ بعض القادة الحاليين والسابقين ألمحوا أو تحدثوا صراحة عن ضرورة إفساح المجال أمام قيادة جديدة لتولي حزب “الشعب الجمهوري”. من بين هؤلاء عاكف حمزة جيبي النائب السابق لرئيس المجموعة البرلمانية للحزب الذي قال إن “الحزب وقليجدار أوغلو فشلا فشلاً ذريعاً بسبب اتباع استراتيجية عقيمة” في الانتخابات. وأضاف جيبي: “ثمة حاجة إلى إعادة تقييم شامل.. إذا لم تُتخذ الإجراءات اللازمة، سيكون المستقبل أسوأ مما هو عليه اليوم”. كان جيبي واحدا من بين شخصيات معارضة أخرى كانت في حزب الشعب الجمهوري ذات يوم، وترى أن التغيير داخل الحزب هو ضرورة وليس خياراً.
صحيفة “جمهوريت” المقربة من حزب “الشعب الجمهوري” سلطت الضوء الثلاثاء على الانقسامات داخل الحزب بشأن مستقبل قيادة قليجدار أوغلو. قالت الصحيفة إنه في الوقت الذي تظهر فيه مجموعة داخل الحزب تدعم استمرار قليجدار أوغلو من أجل خوض المعارضة الانتخابات المحلية بشكل قوي، فإن هناك مجموعة أخرى تُطالب بإجراء تغيير.
مطلع الأسبوع، بدا أن أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول، الذي ظهر بقوة في المشهد السياسي الداخلي بعد فوزه في الانتخابات المحلية قبل أربع سنوات وكان يطمح للترشح للرئاسة، يحث على إجراء تغيير في قيادة الحزب. قال إمام أوغلو في خطاب مصور الإثنين إن “الشيء الوحيد الذي لا يتغير هو التغيير.. لن نتوقع نتائج مختلفة من خلال القيام بنفس الأشياء”. تقول صحيفة “جمهوريت” إن كلمات إمام أوغلو كانت رسالة إلى المعارضة داخل الحزب بأنه المرشح الأنسب لتولي الزعامة بعد قليجدار أوغلو. مع ذلك، فإن الحظر السياسي الذي تعرّض له إمام أوغلو بعد إدانته بالتشهير بالدولة في وقت سابق، قد يحول دون توليه قيادة حزب الشعب الجمهوري.
إن إثارة النقاش بشأن القيادة في أكبر حزب معارض أو بشأن مستقبل الائتلاف الذي شكّله قليجدار أوغلو، والمكون من ستة أحزاب معارضة إلى جانب التعاون مع حزب “الشعوب الديمقراطي” الكردي، ينطوي على الكثير من المخاطر على المعارضة التي لم تتبق فرصة لها لإعادة استعراض قوتها سوى في الانتخابات المحلية المقبلة.
عند إلقائه أول خطاب بعد الفوز في الانتخابات الرئاسية الأحد، قال الرئيس رجب طيب أردوغان إن معركته الانتخابية المقبلة ستكون استعادة السيطرة على مدينتي إسطنبول وأنقرة من المعارضة. كتب برهان الدين دوران في صحيفة “صباح” المقربة من الحكومة الثلاثاء أنه لا يتوقع أن يتنحى قليجدار أوغلو عن زعامة حزب “الشعب الجمهوري”. وقال دوران: “مخطئ من يتوقع استقالة ونقد الذات وتغييراً في أحزاب المعارضة بنتائج الانتخابات. والسبب أن هناك 9 أشهر متبقية للانتخابات المحلية.. مكونات تحالف “الأمة” (المعارض) تُدرك أنها بحاجة لبعضها البعض في الانتخابات المحلية.. سيعتقدون أنه ليس لديهم خياراً سوى البقاء معاً حتى لو أدلوا ببعض التصريحات المثيرة للجدل”.
سعى الكثير من قادة المعارضة إلى إظهار نتائج الانتخابات على أنها تؤكد تراجع مستوى الدعم لأردوغان رغم فوزه. لكنّ تعليقات بعض المسؤولين مثل تونكاي أوزكان، وهو نائب ومستشار لرئيس حزب الشعب الجمهوري، تكشف اعتراضاً على قيادة قليجدار أوغلو. قال أوزكان في مقابلة مع قناة محلية: “الناس يريدون التغيير وإذا واجهه مرشح معقول، فإن أردوغان سيخسر الانتخابات”.
من المقرر أن يشهد هذا الصيف اجتماعات عامة لبعض أحزاب المعارضة بينها حزب “الشعب الجمهوري” لإعادة تشكيل القيادة. يوم الثلاثاء، عقد حزب “الجيد” القومي، الذي تتزعمه ميرال أكشنار التي عارضت بداية ترشح قليجدار أوغلو للرئاسة، اجتماعا لمناقشة نتائج الانتخابات والاستعداد للمؤتمر السنوي العام للحزب في 25 يونيو حزيران المقبل لانتخاب الرئيس والهيئة الإدارية العامة.
على عكس أحزاب المعارضة الأخرى، فإن حزبي “الشعب الجمهوري” و”الشعوب الديمقراطي” هما الأكثر عرضة للضغط بسبب نتائج الانتخابات. لم يتمكن حزب “الشعب الجمهوري” من رفع مستوى التأييد له بالدرجة التي كان يتطلع إليها، كما أنّه اضطر لمنح عدد كبير من المقاعد البرلمانية لمرشحي أحزاب محافظة أخرى في التحالف السداسي. أما حزب “الشعوب الديمقراطي” فقد تراجع مستوى التأييد له في هذه الانتخابات إلى 8% مقارنة بأكثر من 11% حصل عليها في الانتخابات التشريعية السابقة التي أجريت في عام 2017.