«أيام مثالية» للألماني فيم فيندرز: فن الاحتفاء بالأشياء البسيطة

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

كان – «القدس العربي»: في أحد الأيام يجلس هيراياما، الشخصية الرئيسية في فيلم «أيام مثالية» للمخرج الألماني فيم فيندرز، الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته السادسة والسبعين، على مقعده الأثير في متنزه في طوكيو، يتأمل شجرته المفضلة، التي ربما التقط لها بآلة تصويره الصغيرة مئات ومئات الصور في مختلف الأيام والفصول. إذ فجأة تلتمع عيناه، حين يرى نبتة صغيرة قد نبتت إلى جوار جذور الشجرة، يهرع مبتسما، مخرجا من جيبه كيسا ليستخرج هذه النبتة بعناية دون الإضرار بجذورها، ليزرعها مع نباتته الأخرى في منزله الصغير في ضواحي طوكيو.
لم يكن ليلحظ هذه النبتة بهذه الغبطة الكبيرة، إلا شخص اعتاد على تكرار الأمر لأعوام كثيرة، فقد حفظت عيناه تلك الشجرة الضخمة، التي أطال تأملها، فانتبه برضا إلى هذه النبتة الصغيرة التي تحتاج رعايته. الغبطة والرضا والسعادة بالأشياء البسيطة تلك وفن الحصول على سعادات متكررة صغيرة من روتين يومي هو الفن الذي يتقنه هيراياما، الذي يؤدي دوره برصانة وهدوء وإتقان كبير كوجي ياكوشو، الذي استحق عن دوره جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان.

فيم فيندرز

يعمل هيراياما منظفا للمراحيض العامة في متنزهات طوكيو.. هي مهنة بسيطة يؤديها بإتقان بل وبسعادة أيضا، يصحو من نومه صباحا ليروي نبتاته الصغيرة في بيته الهادئ قبل أن يرتدي ثيابه، ويخرج ليرى نور النهار بابتسامة راضية، ويستقل سيارته التي يستمع فيها إلى شرائط بأغانيه الكلاسيكية المفضلة بامتنان بالغ، منطلقا إلى عمله. بنى هيراياما حياته الراضية حول اهتماماته اليومية الصغيرة المتكررة التي يجد فيها الكثير من السعادة. المبهجات الصغيرة هي ما يبقيه حيا راضيا، فهو لا يبحث عن الملذات الكبرى، ويرضى كل الرضا بأنشطته البسيطة التي تملأ قلبه رضا.
يمكننا القول إن هيراياما هو امتداد لشخصية ترافيس هيندرسون في فيلم «باريس، تكساس» (1984) الذي أخرجه أيضا فيم فيندرز. نعلم من لقطات بسيطة، من بينها زيارة غير متوقعة لابنة أخته وشقيقته، أن لهيراياما ماضيا لا نعلمه، ماضيا يختلف عن حياته الراضية البسيطة الهادئة التي يحياها حاليا. وبينما كان ترافيس في «باريس، تكساس» يعيش وسط أحزانه وهمومه وألمه لفقد من أحبهم، فقد تجاوز هيراياما ما يثقل قلبه ليعيش حياته البسيطة منفردا بذاته قانعا بحياته البسيطة. بعد سلسلة من الأفلام الوثائقية مثل «بينا» عن الراقصة ومصممة الرقصات بينا باوخ و»أنسليم» الذي عرض أيضا في مهرجان كان لهذا العام، يقدم فيندرز في «أيام مثالية» فيلما قد يكون أفضل أفلامه الروائية منذ سنوات. يمكننا القول إن هيراياما أتقن فن العيش في هدوء، بعيدا عن الجلبة والصخب، يقبل على يومه بعين توثق الأشياء في اهتمام هادئ. لا يعنيه أنه رأي تلك الشجرة ربما مئات المرات، فهو كل يوم يلتقط لها صورا جديدة ويرى فيها جديدا. حتى في مبهجاته غير اليومية، يختار هيراياما ما يألفه، فهو يذهب إلى الحمام ذاته كل بضعة أيام ليستحم ويسترخي في ماء الجاكوزي، ويذهب إلى الحانة ذاتها ليحتسي القليل من الشراب ويستمع إلى غناء صاحبة الحانة.

يجعلنا «أيام مثالية» نمعن النظر في حياة من يدون لنا غير مرئيين، أو من لا نعيرهم اهتماما في حياتنا. فنحن قد نهرع في حياتنا، وقد نستخدم في يومنا تلك المراحيض العامة، دون أن نلحظ على الإطلاق من ينظف هذه المراحيض، وإن لاحظناه قد يكون ذلك بتأفف قد لا يبدو على ملامحنا لكننا قد نشعر به. نحن مثل شقيقة هيراياما التي خرجت من سيارتها الأنيقة لتقول له في استعلاء وفي ازدراء لمهمته إنها سمعت أنه ينظف دورات المياه، لكن في هذا الفيلم لمنظف المراحيض هذا حياة عامرة، مليئة بالقراءة، والموسيقى، والزراعة، والتصوير والتأمل الراضي. ولا يبدو لنا قط أن هيراياما يأنف عمله أو يتأفف منه. يبدو وجهه هادئا مبتسما وهو يقوم بمهامه، ويبدو مستمتعا وهو ينظف المرحاض بكفاءة ويستخدم المطهرات والمعطرات ويجلو الأسطح فيجعلها براقة. يبتسم في أدب وهدوء لرواد دورة المياه، ويقدم العون حين يستطيع، لطفل ضل طريقه لأمه، أو لشخص في حاجة ماسة لاستخدام المرحاض. وبعد الانتهاء من عمله يحفل يوم هيراياما بالكثير من الأعمال الصغيرة التي تبهجه، فهو يقرأ أعمالا أدبية لم يقرأها من قبل لكتاب مثل وليم فوكنر وباتريشيا هايسميث أو يعاود الاستماع إلى الأغاني التي يحبها مثل أغاني نينا سيمون وأوتيس ريدينغ.
ذات يوم تسأل ابنة شقيقة هيراياما اللطيفة، التي جاءت لزيارة خالها أو فرارا من بيت أمها، خالها وهي معه في سيارته التي يذهب بها إلى العمل ما إذا كان ذلك النهر الذي يمران قربه يصب في المحيط، فيجيب بأجل. وحين تسأله عما إذا كان يريد أن يرى المحيط، فيجيبها في وقت لاحق. هكذا هي حياة هيراياما فهو يقنع بالأشياء الصغيرة التي تجلب البهجة لحياته، أما الأشياء الكبيرة مثل المحيط، فهي لوقت آخر، أو ربما لا يريدها أبدا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية