إضراب كُتّاب هوليوود: متى سيكتب لنا الذكاء الاصطناعي برامجنا المفضّلة؟

شهدت صناعة الترفيه الأمريكية، منذ مطلع شهر أيار/مايو الفائت، حدثاً «مزلزلاً» كما وصفه كثيرون، وهو إضراب الكُتّاب المتعاونين مع استوديوهات هوليوود الكبرى، الذي يعدّ الأول من نوعه منذ عام 2007، بعد انهيار المفاوضات بين نقابة الكُتّاب الأمريكيين وشركات الإنتاج الأهم، حول الحقوق المادية والمعنوية لمنتسبي النقابة، التي تدهورت بشدة، خاصة بعد فقدان الكُتّاب كثيراً من مستحقاتهم المادية، عن إعادة عرض الأفلام والمسلسلات والبرامج، بسبب طرحها على منصات البث الأشهر، مثل نتفليكس. النتيجة أن مبتكري الحبكات والقصص والشخصيات الأشهر عالمياً باتوا في أوضاع مادية صعبة، لدرجة أن كثيرين منهم يضطرون لإيجاد عمل آخر، إلى جانب الكتابة لحيتان صناعة الترفيه.
يمكن معالجة هذا الحدث من زوايا متعددة، أهمها «بلترة» الكُتّاب: لم يعد الكاتب ذلك المبدع الفرد، ذا المزاج الخاص، الذي يأخذ وقته في التأمل، كي يبدع شيئاً جديداً، بل عاملاً لا يملك إلا قوة عمله، يعمل تحت الضغط، وفي ظرف سيئ، ضمن «ورشات كتابة» أشبه بمعامل، تمتص كل قواه الذهنية، ولا ينال في النهاية إلا أجراً منخفضاً على نتاجه، الذي يحقق أرباحاً بمئات ملايين الدولارات. ولهذا لجأ الكُتّاب إلى نقابتهم، ليخوضوا معركة كلاسيكية مع أرباب العمل، عطّلت الإنتاج في هوليوود ونتفلكس، لدرجة أن مسلسلات وأفلاماً شهيرة تم إيقافها أو تأجيل عرضها، ما أدى لخسائر قُدّرت بأكثر من ملياري دولار، ووصل الأمر إلى تدخّل الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي أعرب عن أمله بإيجاد «حل منصف». إلا أن عاملاً آخر يطلّ برأسه في القضية، ويجعلها أبعد من البلترة (تحوّل الكُتّاب إلى بروليتاريا) وهي مستقبل مهنة الكتابة، وربما الإبداع البشري كله، بعد تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي، كثير من المتابعين يرى أن معركة الكُتّاب الأمريكيين خاسرة سلفاً، ولا فائدة منها إلا تسريع اعتماد المنتجين على تقنيات الذكاء الاصطناعي، لكتابة سيناريوهات الأعمال الفنية (تماماً كما سرّع إضراب عمال الفحم في بريطانيا نزع التصنيع في البلد، والانتقال إلى تقنيات جديدة). والبادرة «المقلقة» كانت عرض حلقة جديدة من مسلسل الرسوم المتحرّكة الشهير «ساوث بارك» مكتوبة بالكامل بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يعني أن اليوم، الذي سنرى فيه مواسم وأجزاء جديدة من أعمالنا الأمريكية المفضّلة، قد بات قريباً، فهل سيلغي الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى الكُتّاب تماماً؟ وما تأثير هذا على صناعة الترفيه والفن، والثقافة الجماهيرية بأكملها؟

صناعة «الريميك»

تثير مسألة كتابة مواسم جديدة من مسلسلات وأفلام معروفة، عبر الذكاء الاصطناعي، كثيراً من الإشكاليات القانونية، المتعلّقة بحقوق الملكية الفكرية، فالكُتاب لهم حقوقهم في العوالم والشخصيات التي أبدعوها، حتى لو قام الذكاء الاصطناعي بكتابة سيناريوهات جديدة لها بشكل كامل. وهذا قد يعرقل الاستغناء الكامل عن الكُتّاب القدماء، الذين سيتحوّل المحظوظون منهم، من عمّال منتجين للسيناريوهات إلى «مالكي أفكار» يطالبون بحقّ الإشراف على طريقة تصرّف المنتجين بملكياتهم (أي عكس عملية البلترة) وربما سيقتصر دورهم «الإبداعي» مستقبلاً على إعادة تحرير النصوص، التي يكتبها الذكاء الاصطناعي، لتصبح أكثر قابلية للاستهلاك البشري.
إلا أن هذا يشير إلى أزمة أساسية، تعاني منها صناعة الترفيه الأمريكية منذ سنوات، وقبل إضراب الكُتّاب وتطوّر الذكاء الاصطناعي، وهي الغرق في «الريميك» Remake، أي إعادة إنتاج الأفكار والشخصيات والأفلام القديمة والمعروفة، لقدرتها على تحقيق أرباح مضمونة. يندر أن نجد فيلماً أو مسلسلاً ناجحاً وجماهيرياً حقاً، لا يكون «إعادة إنتاج» بشكل جزئي أو كلي، أما الأعمال «الجديدة» التي تثير ضجة كبيرة، فغالباً تأتي من خارج أمريكا: كوريا الجنوبية أو ألمانيا أو إسبانيا. هل فقد الأمريكيون الأفكار الأصيلة؟ لا يمكن لأمة متنوّعة، من مئات الملايين من البشر، أن تعجز عن ابتكار الأفكار، لكنّ السبب يعود للطبيعة المحافظة لصناعة الترفيه الأمريكية المعاصرة، ورفضها المخاطرة بالاستثمار الواسع في الأفكار الجديدة، بعد أن كانت الرائدة في هذا المجال حتى تسعينيات القرن الماضي، وهذا يؤدي لضغط على مخيّلة الأجيال الجديدة من الكُتّاب، الذين اتخموا بمنتجات «الريميك» منذ طفولتهم من جهة، وفقدوا سيطرتهم على منتجهم الإبداعي من جهة أخرى، فصاروا يعملون حسب موقعهم في «الورشة» وبناء على توجيهاتها، وهذا النمط من العمل الفني يبدو مناسباً جداً لتقنيات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، الذي يبرع أساساً بالمحاكاة، ولا تقوم برامجه على إنتاج «الأفكار الأصيلة». معظم الكُتّاب الأمريكيين الهوليووديين كانوا يعملون بمنطق شبيه بالذكاء الاصطناعي، قبل تطويره لدرجة أن يصبح مهدداً لوظائفهم، وبالتالي فإن حلوله مكانهم تحصيل حاصل، ومعركتهم معه اليوم قانونية بحتة، متعلّقة بالملكية الخاصة، وليست إبداعية.

تثير مسألة كتابة مواسم جديدة من مسلسلات وأفلام معروفة، عبر الذكاء الاصطناعي، كثيراً من الإشكاليات القانونية، المتعلّقة بحقوق الملكية الفكرية، فالكُتاب لهم حقوقهم في العوالم والشخصيات التي أبدعوها، حتى لو قام الذكاء الاصطناعي بكتابة سيناريوهات جديدة لها بشكل كامل.

لكل فنان أو كاتب أسلوبه الخاص، ولازماته المتكررة، التي يمكن للذكاء الاصطناعي تجريدها وإعادة محاكاتها، وهكذا يمكننا أن نتوقع قريباً سماع مقطوعة جديدة لموتسارت، أو قراءة رواية لإرنست همنغواي، من إنتاج ذلك «الذكاء» إلا أن المحاكاة، مهما بلغت براعتها وصفاؤها، لا يمكنها أن تنتج «القيمة» التي قد يفاجئنا بها المبدع، بما يغاير أسلوبه المعهود، والتي يمكن ردّها إلى عوامل ليست مثالية أو متقنة على الإطلاق: الرغبة، الوهم، الخطأ، التعصّب، الملل من الذات والعالم، الغضب، الخوف من انطفاء الموهبة، إلخ. عوامل «الضعف البشري» والأيديولوجيا وأحكام القيمة هذه، هي المادة الخام التي يعمل عليها المُنتج الثقافي، يندمج بها أو يأخذ مسافته منها، ولا يفهمها الذكاء الاصطناعي كثيراً، الذي يبرع بتحليل ومحاكاة الماضي، أي الأرشيف الإنساني المتوافر لديه، ما يجعله محافظاً بشكل بنيوي، و»لغته الطبيعية» أكثر فقراً بكثير من ألعاب اللغة والأفعال الكلامية والنصيّة، التي يتداولها البشر في «عالم الحياة» الحقيقي، والتي يغيّرون معناها ومحتواها ومضمونها التواصلي دائماً، بناءً على وقائع اجتماعهم البشري، ولذلك لا يمكن حساب القيم الفنية التي يمكن أن توصل إليها، فالمعيار هنا ليس الصواب أو البراعة أو الدقّة، بل الدلالة الاجتماعية/ التواصلية. لا يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج هذا، إلا إذا تمتّع بوعي ذاتي، وصار طرفاً من أطراف المجتمع، له موقعه ومصالحه ورغباته، أي إذا صار بشراً مثلنا.
إلا أن هذا الجدل الفلسفي عن الفرق بين «البراعة» و»المعنى» لا يعني صناعة الترفيه الأمريكية كثيراً، فالمواسم الجديدة، المكتوبة بالذكاء الاصطناعي، ستعجب «الفانز» غالباً.. لماذا؟

«ذكاء» ضد الحرية

عوامل الخطأ و»الضلال» البشري، المذكورة أعلاه، لا تناسب صناعة عملاقة، تريد استثماراً آمناً في ما يلفت انتباه الجمهور، ولذلك فإن اللجوء إلى «ذكاء» بعيد عن كل ذلك الضعف البشري، قد يضمن رصفاً بارعاً للعناصر والعلامات اللافتة للانتباه، ما سينتج بالنهاية مسلسلات وأفلاماً تصبح «التريند» لأيام معدودة، قبل أن ينساها الجميع، وتصير صالحة لـ»الريميك» مجدداً، ربما كان مآلاً مدهشاً بالنسبة لمفكري عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، مثل فالتر بنيامين، الذين تحدّثوا آنذاك عن تصنيع الثقافة الجماهيرية، دون أن يتخيّلوا المدى الذي يمكن أن تصل إليه.
هذا التصنيع «الذكي» معادٍ للحرية بالضرورة، إذ لا يمكن للمنتجين احتمال أمزجة البشر وأيديولوجياتهم، التي قد تصيب أو تخيب في مخاطبة الجمهور. وإذا كان كثيرون يشتكون اليوم من «صوابية» صناعة الترفيه الأمريكية المعاصرة، فربما لا يكون السبب الوحيد هو انتشار أيديولوجيا «الووك» المرتبطة بالائتلافات السياسية للحزب الديمقراطي الأمريكي، وإنما أيضاً ضرورات الصناعة والاستثمار، لأن الحرية الإبداعية والاجتماعية لن تعني الصواب التجاري دائماً، ولذلك فلا بد من تقييد حرية المبدعين، ومراقبتهم، وإلغائهم أحياناً، لضمان التوصّل لمنتجات «آمنة» يمكن تسويقها دون إثارة حفيظة أي جماعة ضغط، قادرة على تخفيض الربحية. والذكاء الاصطناعي بارع بذلك بالتأكيد.

نضالات عمّالية

ربما لذلك لا يمكن اعتبار إضراب الكُتّاب الهووليوديين، رغم سماته النقابية والعمّالية، الصراع الاجتماعي المستقبلي الفعلي، فهو سينتهي غالباً إلى مآل مشابه لمصير عمّال المناجم الأوروبيين، الذين أمسوا من الماضي: حلّت «الصناعات النظيفة» التي لا تُطلق كثيراً من الكربون، محل المعامل والمناجم القديمة القذرة؛ وكذلك سادت أنماط حياة مستهلكي «النظافة» على حساب أشكال تضامن العمال. إلا أن الصراع المستقبلي الحقيقي قد يكون نمطاً آخر من «النضالات العمالية» أي الصراع بين «مينستريم» خانق، شديد البلادة في التكرار والمحاكاة، ويفقد بالتدريج قدرته على لفت الانتباه؛ وبين لغة البشر الفعلية، وخيالاتهم، وما يبتكرونه من تركيبات أثناء تواصلهم. تلك اللغة يحملها نمط آخر من «العمال» غير كُتّاب هوليوود المعروفين. وستضطر شركات الإنتاج الكبرى للاستعانة بهم، لتطعيم «المينستريم» الذي تنتجه بعناصر جديدة وغير متوقعة، بعد أن يملّ منه الناس. وبهذا قد يكون الصراع المقبل، بين عمال الثقافة وأرباب عملهم، صراعاً لأجل حرية التعبير والمخيّلة والضمير. وكثيراً ما كانت الصراعات الطبقية عبر التاريخ نضالاً لأجل ذلك.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية