نيتشه
يقول نيتشه في كتابه « جينيالوجيا الأخلاق» : «كنزنا يوجد حيث توجد قفائر معرفتنا إننا نحث السير إلى هذه القفائر مثل النحل، ونحن نجمع عسل العقل، وهمنا الوحيد من وراء ذلك إجمالا هو العودة بشيء من الغنيمة». وإذن أليست القفائر مضايق؟
في المضايق يجترح المحاربون المجهول، ولنا أن نتصور حجم المعاناة والمخاطر التي تتهدَّدهم لحظة اقتحام تخوم المعرفة. هي مغامرة تُلعب على رقعة التماس المُسَيّجة بالتخوم، ولا شيء غير التخوم، وأما الشاعر، الجدير بلقبه، فهو محارب كذلك، لا يُغمد سيفه إلا ليستله من جديد. والتخوم طبعا، هي الخصم والغنيمة في الآن ذاته، وهكذا…
بهذا المعنى، يكون الشاعر نميمة المضايق، وقهوة الشعر. الشعر باعتباره كثرة، وجمعا Pluralité كما يقول صلاح بوسريف. في ضوء ما سلف، تغدو الكتابة الشعرية، مجرد تمرين على مدى قدرة الشاعر على التخطي والابتداع، وعلى ممارسة الاختلاف في الكتابة، بما هي هدم للتنميط والمعطى الأنالوجي، وبناء وتأسيس لـ «صبيانية شعرية» كمقترح ليس إلا، مقترح سرعان ما يقوّض مركزيته، لفائدة شعرية المحو. إن شئتم، إنها الكتابة المتشظية، والممارسة النصية البلورية، تلك التي تأبى الاستقرار في ضفة ما، وأما مستقرها فهو البين- بين l’entre-deux، مستنبتة بذلك، نخلة شعرية برزخية، هي نخلة الحداثة الحقة.
ليس من شك أن الشرط الجمالي، بما هو طريق سالك لارتياد المضايق، وهتك الحجب في الشعر، لا يتحقق، عند الشعراء المحاربين، دُفعة واحدة، وبشكل كلي. فالشاعر الأصيل، ذاك الذي يرعى شعريته بالرؤية النفاذة، هو من يمارس الاحتيال في نصه، ولا يسبح فيه مرتين، فقط لأن ماء الشعر، من ماء هيراقليطس، ولأنه أيضا وعطفا على ذلك، يدرك بالبداهة، حجم الخسائر الممكنة، مثلما يعي خطورة المطبّات والمآزق.
إنّ كل تجربة شعرية، هي استثمارٌ لعدد محصور من الأدوات الفنية، بما يخدم التجربة ويغذّيها. ولعل القطائع، بالمعنى الحفري عند فوكو، وكذا التصدّعات الشعرية، والمفاهيم المباغتة، التي تفجرّت مع الحداثة العباسية، والتي تكرّرت مع شعرنا العربي المعاصر، ما كان لها أن تحدث، لولا وجود شعراء يُتقنون خطّة فتح الأراضي المستباحة في براري الشعر. شعراء لا يتكررون، لكنهم متواجدون دوما، وإن بوجوه مغايرة. بشار بن برد، مسلم بن الوليد، أبو نواس، أبو تمام، شعراء التصوف، شعراء الموشحات، كلّ هؤلاء هم أصحاب محاولات جسورة، أخرجت القصيدة من مطبّاتها، ومن التنميط الذي عطّلها، وحصرها في قالب ثابت لا يتغير، هو قالب القصيدة. صحيحٌ أن هذه اللحظات المفصلية، في تاريخ الشعر العربي، قد أخرجت القصيدة، من حالة العطب، إلى حالة الاشتغال، وذلك بتغيير مجرى النهر الذي يجري فيه ماء القصيدة، إلا أن الشعر، على الرُّغم من ذلك، ظل مختزلا في مفهوم واحد ووحيد هو «القصيدة» لدرجة أن الوعي النقدي العربي، تأسس بناء على هذا المفهوم، بمعاييره المتمركزة حول الوزن والقافية والمعنى، حتى أن الشعرية العربية، ظلت، منذ تلك اللحظة إلى وقت قريب، لا تطمئن سوى لفلسفة المعيار. فها هو قدامة بن جعفر يعدُّ كل خروج عن المألوف، عيبا من عيوب الشعر، فيما شدد ابن طباطبا في مفاصل مصنفه (عيار الشعر) على العقل، باعتباره عيارا حاسما، منتصرا بذلك، للوضوح في مقابل الغموض، والصدق في مقابل الكذب، والمطابقة في مقابل العدول والتخييل؛ بل حتى عبد القاهر الجرجاني، وحازم القرطاجني، باعتبارهما ناقدين/منظرين، شكلا ثورة في الوعي الشعري العربي، انتصرا في نهاية المطاف ، لما يُعرف الآن بالواقعية التسجيلية، من خلال ربطهما التخييل بالفهم.
لكن هل يقلل هذا من أهمية ما أنجزه هؤلاء النقاد؟
من باب المصالحة مع الماضي، ينبغي علينا أن نتجنب مثل هذه الأحكام التي تحاكم الماضي بالحاضر. كما أن الموضوعية تقتضي منا، وضع الوعي النقدي العـربي في سياقه الثقافي والمعرفي، لأن الأدب، لا ينفصل، بأي حال من الأحوال، عن النسق المعرفي، والخطاب الإيديولوجي المُنتج له، حيث أثبتت النظريات الحديثة ذلك.
أعود مرة أخرى إلى عصب الموضوع وأقول، إن الشعر كمٌّ وافر من الممكنات والمقترحات. وهذا ما تحقق في شعرنا العربي الحديث. فمع تجربة الشعر الحر، ستُفتحُ آفاقٌ جديدة، تجاه تخوم الشعر؛ وسيتشكل منعطف شعري، بعيدا عن المألوف، والمتعارف عليه. حدث هذا، من داخل نظام القصيدة في البداية. بعد ذلك، سيبدأ الحفر خارج أرض القصيدة كمفهوم تحكم في الشعرية العربية قرونا طويلة، يكفي أن أذكر مشروع الكتابة، وقصيدة النثر، والومضة الشعرية (الهايكو) لتثبيت هذا الزعم.
ووجبت الإشارة هنا، إلى أنه باستباحة هذه التخوم، لم يعد النص الشعري مجرد ظاهرة صوتية فقط، أي قصيدة، بل أصبح رهان الشاعر الأكبر، هو التشكيل البصري للنص، من خلال جعل المداد في مواجهة البياض على الصفحة، وكذا منح التخييل، مساحات شاسعة، لترتيب الممكن واللا ممكن، مع إخصاب اللغة بكثير من الاحتمالات، عبر فتحها على المجاهل.
لم يعد، في شعر ما بعد تكسير البنية وتجديد الرؤيا، تمييزٌ بين لغة تصلح للشعر، وأخرى خاصة بالتواصل، أو بين لغة الشعر ولغة النثر الخفيضة. لأن هذا التمييز، شرك لطالما سقط فيه الوعي الشعري المكرور، خصوصا مع الاتجاه التقليدي (البعث والإحياء) ذاك الوعي الذي لم يُخلخل الوعي الشعري النظامي، وفوت عليه فرصة القفز إلى أرض القفائر. لقد كان الشاعر الجاهلي يكتب بلغة عصره، وكذلك الشاعر العباسي… لأن اللغة، باعتبارها كلاّ، كانت دائما، مادة طيّعة وقابلة للتشكل؛ لكن العيب كل العيب، في من يستعملها من ضعاف الشعراء، في وقتنا الراهن. ولنا أن نتذكر، في هذا المسار، أن اللحظة التي يعكسها الشعر، لا تقال. فكيف للُغة محدودة أن تقول ما لا يُقال. وحده الصمت، في نظر إدمون جابيس، من يُؤسّس، في شعرية القطيعة، والشتات، والغياب، حوارا صامتا مع المجهول.
شاعر وكاتب مغربي