مطرب تألق ممثلا في مسرحية ‘عا أرض الغجر’بيروت ‘القدس العربي’ – من زهرة مرعي: لأربعة أشهر متتالية لعب الفنان غسان صليبا دور المغترب سلفادور قزحيا حسين في مسرحية ‘عأرض الغجر’ للفنان غدي الرحباني. دور أخذه بعيداً عن الشخصيات التاريخية ووضعه في شخصية معاصرة وقريبة من الواقع. في هذه الشخصية كان غسان صليبا ممثلاً متحركاً وحيوياً، وهو على الدوام مطرب يجسد الحالة الدرامية للنص المسرحي بأفضل ما يكون. قبل ختام العروض في العاشر من الشهر الجاري كان هذا الحوار مع الفنان غسان صليبا. هنا التفاصيل:
كم أحببت شخصية سلفادو قزحيا حسين؟
ـ أحببته وأحبه كثيراً ويصعب عليَ فراقه بعد أيام. كنا مع عمل جديد كلياً في فكرته، التي تمت معالجتها بذكاء وروح معاصرة جداً من قبل غدي الرحباني ككاتب. نحن مع شعر وأغنيات جميلة. إكتشفنا روعة الدمج بين النص التمثيلي الدرامي والموسيقى. هو دمج ذو إيقاع سريع يترك العيون شاخصة على الدوام إلى المسرح، كون المشاهد متنوعة ومتلاحقة بين التمثيل والغناء، سواء الإفرادي أو مع المجاميع. عأرض الغجر مسرحية جريئة وجديدة، فيها إبتسام، وضحك وترفيه. كما تتضمن رسائل إنسانية، سياسية واجتماعية، تماماً كما درج المسرح الرحباني الذي لا يقدم ترفيهاً مجانياً. لعبت شخصيات تاريخية كبيرة وبخاصة المتنبي وهي شخصيات من عادتها أن تمد الممثل بمشاعر الفخر والعز. فهل أمدك سلفادو قزحيا حسين بمشاعر مماثلة؟
ـ بالتأكيد. إنها المشاعر نفسها، المنبعثة من نجاح وقيمة العمل المسرحي ككل. مشاعر الممثل على الخشبة تتبع شخصية الدور. فشخصية المتنبي غيرها عن شخصية سلفادو. المتنبي شاعر كبير وشخصية جدلية، طريفة وغير عادية. سلفادو صاحب شخصية مرحة، يحب الحياة جاء ليتفقد أرضه، فوجد ‘النور’ يقيمون فيها. وهو في مرحلة القتال من أجل أرضه يداهمه الغرام حيث تفتنه زينة الغجرية. وهكذا صارت سعادته وغرامه أهم من الأرض. تترك المسرحية تساؤلات كثيرة منها إن كانت السعادة حيث الفرح والحب والأعمال والمال، أم حيث أرض الأجداد؟ ماذا قال لك غدي ككاتب في نصه هذا؟
ـ قبل التعرف إلى نصه بشكل مباشر وملموس فأنا أعرف قدرات غدي شعرت وأنتظرها منذ زمن.
علاقة الثلاثي الشبابي المباشرة بمسرح والدهم الراحل منصور الرحباني أوحى لي بقدراتهم. على مدى 20 سنة من العمل سوية شعرت بوجود موهبة لدى الشباب. إنما لم أكن لأقدر مدى موهبة الكتابة لدى غدي وبأنها بهذا المستوى من التطور، والنضوج. أثبت غدي شمولية في عطائه. هو الكاتب، الشاعر، الموزع والمؤلف الموسيقي، وقائد الأوركسترا. في الحقيقة يشكل غدي استمرارية مهمة لهذا المسرح. وكذلك المبدعين مروان وأسامة.
حضورك على مسرح عأرض الغجر تميز بمرونة ظاهرة هل حرية الحركة التي عشتها ناتجة عن نص فيه بعض الطرافة والمرح؟
ـ كل دور يفرض ذاته. هي طبيعة الدور التي تطلب ليونة ومرحاً. في الأعمال السابقة كنا مع شخصيات جدية لا تحمل هذه الليونة. هي شخصيات تنوعت بين قائد ثورة، وقائد جيش، أو ملك والمتنبي. سلفادور قزحيا حسين شخصية ساعدتني على هذه المرونة. ومن الطبيعي القول أني اشتغلت على نفسي لأتكيف مع الدور.
كم وضعت من ذاتك في سلفادور؟
ـ هذا لا شك فيه. في حياتي العادية أنا إنسان يحب النكتة، مرح، وأحب الحياة. ولا بد من وجود جزء من سلفادور في شخصيتي.
كنت المقاتل الثوري من أجل الأرض، وكذلك العاشق الولهان والدونجوان. فأي من هذه الأوصاف أقرب لك؟
ـ جميعها لصيقة بي. العاشق، المقاتل، الثوري، التغييري، الشجاع، جميعها أوصاف تشبهني. أخاطر كثيراً، وفي أحيان لا أقدر العواقب حين يكون الهدف مهما وكبيرا ويستحق.
ألم تلمس في شخصية سلفادور كمعالجة وعمق ما هو بسيط قياساً للشخصيات التاريخية التي سبق ولعبتها؟
ـ الفرق واضح بين الشخصيات التي لعبتها وشخصية سلفادور. هو نوع من الأدوار جديد كلياً على حياتي الفنية. كان صعباً بعد كل ما أديته من شخصيات مؤثرة في التاريخ أن أقنع الجمهور بشخصية سلفادور، والحمدلله أني نجحت وبشهادة النقاد. الأدوار الماضية جميعها موضوعة في إطار واحد. وجئت لأزيح تلك الأدوار الجدية جميعها جانباً وتجسيد شخصية سلفادور. ولهذا كنت أمام مخاطرة تمّ تخطيها بنجاح.
هل شكل النص تحدياً لك في مكان ما؟
ـ أكيد تحداني. وليس في مكان معين. بل جميعه. تحداني في شكل الحوار المتلازم مع حركة الجسد واليدين، تحداني في التفاته، وفي بسمته. كان يجب أن أتسلى في حواري مع هؤلاء الناس المقيمين بأرضي وأنا معجب بهم وبحياتهم. فأنا أحببت بساطتهم رغم كوني من الأغنياء الكبار. فكل الغنى والرفاهية لا تعطي السعادة. يجد المرء سعادته ربما في الأرض وعلى ترابها. وقد يجد سعادته وفي الانفلات من القيود الإجتماعية.
تألق صوتك أكثر في الألحان المعاصرة التي غنيتها فهل لاحظت ملاحظتنا؟
ـ صوتي دائم التألق. يقول ضاحكاً ويضيف: في هذه المسرحية كنا مع نوعين من الموسيقى. موسيقى معاصرة، ووأخرى تعيدنا إلى جذورنا الحقيقية. نحن مثلاً مع الموال والدبكة اللبنانية. وهناك ما نشتاقه وما يلامس أحاسيسنا من تراثنا، فقد نشأنا على هذا النوع من الأغنيات. وكذلك هناك أغنيات تحاكي الموسيقى العالمية من حيث الكتابة الموسيقية كميلودي، وأروكسترا وتوزيع. ميزة غدي قدرته على التنويع فهو في صميم الأغنية اللبنانية، ومعاصر في الوقت نفسه. صوتي تمكن من التكيف مع كل حالات الموسيقى في هذه المسرحية.
كم أرضت الأغنيات التي قدمتها في هذه المسرحية المطرب الذي في داخلك؟
ـ أكيد كنت في رضا كبير. فأنا أتنقل ما بين الأغنية العاطفية الكلاسيكية، والشعبية والموال. وكذلك فأنا مع الأغنية اللبنانية الجديدة المعاصرة التي اعتدناها من الرحابنة. لقد تنقل صوتي بين كل هذه الألوان بما أعطاه حقه من حيث المدى، ومن حيث نوعية الميلودي والكلام.
في حضورك المسرحي هل تبحث عن إرضاء الممثل فيك أم المطرب؟
ـ يحتاج المسرح الغنائي للموهبتين معاً. والممثل لا يجب أن يكون على حساب المطرب، وبالعكس. أهتم لأكون في حضورين كاملين يتوازنان معاً. وإن تفوق الغناء قليلاً، فهذا ما أفضله وما يرضيني ويبهجني، فنحن بالنهاية مع مسرح غنائي والموسيقى هي الأساس.
أن تكون راسخاً في المسرح الرحباني من الأخوين إلى منصور وحالياً مع الأبناء فهل هذا معك أم ضدك كمطرب؟
ـ معي أكيد. والثابت أن هذا المسرح يرى بي الإمكانيات التي تساعد في إستمراريته، وبتجسيده بشكل صحيح. فأنا أملك الحضور والتمثيل والغناء في الوقت نفسه. أغني بصوتي وأترك التقييم للآخرين. الإستمرار من الأخوين رحباني إلى منصور وحالياً الشباب فهذه شهادة لي بأني ركيزة من ركائز الفن الرحباني. من خلال تجرتني وموهبتي أملك مقومات المسرح الغنائي من حضور وحركة وموهبة تمثيل وغناء على أنواعه من قصيدة وأغنية معاصرة. من يلعب دور المتنبي وسلفادور في الوقت نفسه ‘مش مسألة هينة’. المسرح الرحباني أعطاني التجربة والتنوع، وكنت في جهوزية لهذه التجربة وتجسيدها بنجاح.
كم يعوضك المسرح في غيابك عن تقديم جديد على صعيد الأغنية؟
ـ ربما ليس بشكل واسع عربياً، أما لبنانياً فهو يعوضني نوعاً ما كونه مسرحاً شعبياً يتابعه عدد كبير من الناس وليس جميعهم. آمل أن يعمم هذا المسرح عربياً ويصبح له جمهور في كل العالم العربي، فهو حالة ثقافية وحضارية كبيرة. أكيد ليس للمسرح وهج الإنتشار التلفزيوني وخاصة عبر الفيديو كليب الذي يتكرر عرضه. وما يفرحني أننا بعد ختام العروض في لبنان سنكون في جولة عربية.