شيء من الحب

حجم الخط
0

شيء من الحب حسين سليمانيأتي الصوت من الشوارع البعيدة، يحمل فأسا، يركض الصوت بين الصفحات، يركض في الفيس بوك. أين هي، والله حين أجدها سأقتلع قحف جمجمتها من الخلف. فتنعكس صور القحف والجمجمة المدماة وامرأة مستلقية بنصف ساق ووردة على عينها نصف المغلقة.

شعرها جميل في الصورة. وجهها جميل في جدار الزمن، حين تغسله بالماء لتزيل آثار الدماء والخطوط ـ عندها انظر نحوي ياحبيبي- كي تقوم، هذا هو رأيي، يجب أن تنهض ـ فنظرت نحوها. كانت ترعة الزمن تسيح بالدقائق وبالتكتكات الماءَ ليغسلها ويشف عنها الشغاف والأعصاب، فيرى المرؤ في لحظات حقيقية كيف يدق قلب امرأة أحبت حبيبها ثم هجرته، ثم عادت مرة أخرى وأحبته. يقولون، في الحروب يعود الحب أقوى وأمتن. وهكذا تلتقي الأفكار مع نبض القلوب في أجساد لم تعد تخاف الحب ولا الهجر. لن أهجركي مرة أخرى. ترفع رأسها ‘رجاء أحذف الياء ـ ليس اهجركي كي كي. وحين ترى ابتسامتي تدمدم: يجب أن أقوم وأغسل نفسي.

وقامت نحو الحمام، تبحث عن المياه الدافئة غير المألوفة، يجب أن أغتسل.

وكنت مستلقيا أنتظرها كي تعود وتفتح عينيها الرائعتين ـ تشبيه الجمال بجمال مابعد القمر- زحل، الزهرة، رائعتين. ايتها الحبيبة التي أخذتها الحروب مني. فعادت تترنح متسائلة، أي حروب تقصد؟ اذيال الفستان بعد الاستحمام، وشعرها الخرنوبي الاسود مايزال مبللا بقطرات دافئة شجرية عائدة من غابة. تبسمت وراحت عضلات بطنها تكركر فوق السرير تقول: لماذا تحب هذه التشبيهات القمرية الطويلة غابة رفعت حاجبيها كي تتأكد أنني أعني ما أقوله غابة يعني ليس فقط مجرد أحراش وأشجار. وحينما تكون التي تحبها الى جانبك في ليلة مظلمة لها نافذة مفتوحة على الخلود نصف فتحة ويتسلل منها قمر… أي قمر، فربما تكون تلك اللحظات هي ‘إنا فتحنا عليك نفسك’. الحب ايضا يموت. أقصد جسد الحب، نصف الساق في الشارع وعينها شبه المغلقة وهكذا تأكد لي وأنا أقف الى جانبها مع جمعة الرجال الذين التفوا حول الجسد المدمى أن حبي لها كان حقيقة عظيمة. ساقها نصف المكشوفة وراحت بطنها تظهر وهي لا تكف عن النبض الراحل الذي يريد ان يتخلص من بقايا الحياة التي فيه. كيف أدعها تذهب أمام عيني من دون أن أفعل شيئا؟ كأن مثلا أهبها ما أملك من حياة. لأن الحي يستطيع أن يعيد حبيبته التي تنازع أمام عينيه في شارع مقصوف مدمر يتصاعد منه دخان القنابل والدبابات إلى الحياة سليمة الجسد واضحة الإبتسامة يقول لها قومي فتقوم.

الحبيب وحده يستطيع أن يفعل ذلك. فترفع خصلة من شعرها المتساقط وتتسلل نحوي تطأ المكان مع النور المأخوذ من النافذة في لحظة واحدة. في الحال أشعر بدفئ جسدها ونعومته وأنفاسها وراحة يدها وأشعر بما تقوله قرارة نفسها وهي تنظر نحوي بجلاء. وهنا تتفتح نوافذ العالم وتعيش أزمنة لا أرضية، أيها الإنسان، كأن تكون يدها التي تمسسك هي يد الخالق في أعماقك وليست يد إنسان مخلوق من لحم ودم.

احدى المرات حين أضعتها وكنا معا في رحلة حب ونسيان نعبر ساحة الزمان المزدحمة مليئة بالمهاجرين رحت اسأل الذين أمر بهم قائلا هل رأيتم نصفي الضائع؟ ويبتسم العابرون، يقفون ويلتفون حولي، يشيرون الى امرأة بارعة الجمال معلقة في منازل عالية، في سحب ميتافيزيقية، يروون بتروٍ: حين سأل آدم الله أن يبعث له حبيبة أرسل الله له فينوس التي تدور في رؤوسنا وحول قلوبنا، كيف أيها الأبله أضعت نصفك الآخر؟

إلا أنها ومثل كل مرة، كانت ورائي تتفرج على اللمة المجتمعة حولي مغتبطة فرحة أن حبيبها لا يملك أحدا في الحياة سواها. راحت تشير إلى المنازل العالية: تعالي، تعالي انزلي فأنت ملكي.

تنازع، أمام عيني ـ هذا هو رأيي، وقد يضرب هذا المشهد وأمثاله الإنسان بحجر مارد، ليتضرع أمام الله تضرع الأنبياء: كيف يا ربي سأتححمل الفراغ الذي ستضعني فيه بعد أن ملأته بآيــة حبي. هذه اللحظات ستفقدني توازن الحياة وترسل لي يا الهي تاريخ الزلازل التي شرخت الأرض – أعود أعود وأعود لقص التاريخ مرة أخرى، ليس من الحكمة- أعيد على الاسماع، أكرر أمثولة ـ الحب اللي كان… هناك أمل، دوما هناك أمل، لا يستطيع احد الوقوف أمامه.

إلا أنها مستلقية لا تتحرك، لقد أعملت الفأس جيدا جدا في جمجمتها. ورأيت للوهلة الأولى ـ قبل أن تقوم- مكونات الحب التي اختزنتها ذاكرة حبنا معا، منداحة على أرضية الشارع التي شوهتها القذائف[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية