أجرت الحوار: رزان كندي: محمد العشري روائي وكاتب مصري، يرى نفسه في مرحلة عشق دائم مع الكتابة والقراءة. في كتبه ومكتبته ثروته الحقيقية، كما يسمي مكتبه ‘صيدلية الروح’ وأما الكتب فهي العلاج وربما المرهم الشافي إذ يقول: إن حاجته الماسة للقراءة والكتابة كحاجته للحياة! صدرت له مجموعة من الروايات القصصية مثل ‘غادة الأساطير الحالمة، نبع الذهب، تفاحة الصحراء، خيال ساخن. وأخيراً ‘هالة النور’ في طبعة جديدة صدرت مؤخرا في بيروت لدى الدار العربية للعلوم ناشرون. تمكن كاتبنا في روايته الأخيرة من الذهاب عميقا كجيولوجي متخصص يكشف جمالية الصحراء، وما تحويه من كنوز وأسرار تأسر قلب القارى ومخيلته؟
هنا حوار معه:*صدرت طبعة جديدة في بيروت من روايتك ‘هالة النور’ فماذا تخبرنا عنها؟*في روايتي ‘هالة النور’ الكتابة السردية تستند الى خلفيتين علميتين، الأولى استشراف المستقبل، نظرية علمية جديدة لا ننتبه لها، تعنى بالبحث عن مصدر بديل للطاقة، بعد انتهاء زمن البترول، لأن قيام وانهيار الحضارات الكبرى كان في الأساس مصدره أزمة في موارد الطاقة، لذا أردت أن أنبه، أو شغلني هذا الهاجس لفترة، وظهر بعد ذلك في الرواية، وجدت أن الحل بسيط جداً، وهو الرمل النقي، بتفاعله مع هيدروجين الهواء الجوي، تنتج عنه طاقة كهربائية عالية، تحتاج إلى محركات من نوع خاص، لتحويلها إلى طاقة حركة. بعيداً عن المصطلحات والتسميات العلمية، اكتشفت أن النظرية صحيحة لكن تحتاج إلى من يساندها ويدعمها ويدفعها للتحقق. الخلفية الثانية تقوم على استكشاف الفضاء، حيث أنني كتبت عن كوكب جديد ‘عاشر’ يضاف للمجموعة الشمسية المعروفة، أسميته الكوكب ‘العاشر’ (ما اكتشفته الرواية المنشورة في عام 2002، تحقق علمياً بعد ذلك في عام 2005 وأعلن العلماء وجود كوكب (SEDNA يقوم سكانه في الرواية – بنقل الرمال الموجودة على الأرض إلى كوكبهم للحصول منه على الطاقة. الرواية ليست خالصة لروايات الخيال العلمي لكنها كما وصفها أحد النقاد ‘خلطة’ روائية تنهل أيضاً من الواقع، وتنبه إلى خطر أزمة البطالة بين الشباب، وعمل مندوبي المبيعات، والفساد الإداري، وترصد ممارسات جنسية تتم في الخفاء، وتصريحات المسؤولين المضللة لحل أزمة العمل. وتأخذ من الأسطوري من خلال تجول بطل الرواية على ظهر ‘قنطورة’ (كائن أسطوري نصفه الأعلى إنسان، والأسفل حصان) بين الكواكب المعروفة ليصل إلى الكوكب الجديد.*لك اكثر من عمل إبداعي سردي وصولا الى ‘هالة النور’، أي من هذه الاعمال ساهم في تقديمك للقارئ؟*للإجابة عن هكذا سؤال لابد أن أعود إلى تفاصيل الروايات، في روايتي الأولى ‘غادة الأساطير الحالمة’ اتجهت إلى كتابة الأسطورة بالاتكاء على مخزون الذات الحياتي، الحب ودوره في تخليص الروح من أثر الواقع الجامد، وفي الروايات الثلاث اللاحقة: ‘نبع الذهب’، ‘تفاحة الصحراء’، و’هالة النور’، شردت وغبّت في الصحراء، لأعود ببعض الاكتشافات، اصطدت الصقور الجارحة، واكتشفت الماء في الصحراء، ورصدت العلاقة بين العربي في صحرائه والأجنبي الوافد عليها في رواية ‘نبع الذهب’، رسمت مسالك الطرق الملغّمة بتفاحات الصحراء القاتلة، في منطقة العلمين بالصحراء الغربية، وحقول الألغام الرهيبة التي تعوق عمليات البحث والتنقيب عن البترول والثروة فيها في الوقت الراهن، وبحثت في تاريخ المنطقة فالتقطت بعض المهن الجديدة، التي خلفتها الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، وأثرت في حياة البدو مثل مهنة ‘جامعي الجثث’ من الصحراء لدفنها في مقابر ‘الكومنولث’ الشهيرة في رواية ‘تفاحة الصحراء’، اكتشفت كوكباً جديداً، يسعى سكانه إلى نقل رمال الصحراء إليه، لأنه المصدر الجديد للطاقة بعد انتهاء زمن البترول، من خلال تفاعلها البسيط مع نيتروجين الهواء الجوي. وهي نظرية جديدة في العلم، لا ننتبه إليها مع الأسف وذلك في رواية ‘هالة النور’. وفي روايتي الأخيرة ‘خيال ساخن’، عدت إلى كتابة الأسطورة، بالسباحة في نهر النيل، رحلة في مركب صغير، تدخل بأبطال الرواية إلى الحياة الفرعونية البعيدة، والصحراء المتاخمة لضفتي النيل وأثره في تشكيل حياة المصريين، ومنطقة الفيوم، وتنتهي بهم الرحلة في الزمن الحاضر، بحثاً عما يفتقده الإنسان الآن من دفء وحب وأمان. لذلك يمكن أن أشير إلى رواية ‘تفاحة الصحراء’ كرواية مفصلية في كتاباتي.*نعلم بأنك تعمل جيولوجياً في مجال البحث والتنقيب عن البترول ويبدو ان تأثير وظيفك واضح في اعمالك خصوصا لجهة الامكنة. هل هذا ما يميزك عن زملائك الادباء الاخرين؟*أؤمن أن التفكير العلمي مهم جداً حتى بالنسبة لكتابة الأدب، كما أن البدايات تنوعت بين الفن التشكيلي، القصة القصيرة، والشعر، الذي ما زلت أحرص على قراءته ومتابعته والكتابة عنه حتى الآن. كذلك عملي في الصحراء أكسبني عيناً ثالثة، بما أتاحته لي تلك الصحراء من مناخات جديدة، وبيئة خصبة للبحث والتنقيب عن المخبوء، وهي ميزة حاولت أن أنميها وأستفيد منها في الكتابة الروائية وكذلك الكتابة النقدية في ‘النهار’، ربما ذلك الخروج من العوالم التي دهسها الكتّاب والروائيون من قبل إلى فضاء الصحراء هو ما منحني كنزي الخاص، الذي أسعى لاكتشافه يوماً بعد يوم، ورواية بعد أخرى، فتلك الصحراء الثرية ‘على قلة من يكتبون عنها’ تحتاج إلى جيش من الروائيين لاكتشافها إبداعياً.
دائماْ ما نسمع بأن ‘الرموز لا تموت’ هل توافق على هذه المقولة؟ وكيف ترجمت هذه المقولة في جميع إنتاجك الأدبي والروائي؟*نعم، أتفق مع تلك المقولة، الرموز التي تسعى لفهم الحياة وحقيقة الروح الإنسانية، وجدوى الحياة وتنتصر للإنسان والحرية، هي التي تظل حية في ذاكرة الإنسانية.
وبهذا المفهوم أسعى في كتاباتي إلى أنسنة الأشياء، والأماكن، والتعامل معها بحضورها الذاتي، وتأثيرها فيما حولها من كائنات، أي أتعامل معها كأشخاص وأناس، ذوات أرواح وحيوات تسعى لامتلاك حريتها في الحياة، وهذا جزء من رؤيتي الكونية، ومعادل لمفهومي عن الحياة، وتشعبها.*أمة إقرأ لا تقرأ، إلى أين نحن متجهون برأيك؟ ففي ظل عزوف الكثيرين اليوم عن القراءة، ألا يخشى الأدباء عموماْ فوضى ونتاج العولمة الجديدة وانتشار الفضائيات والانترنت وخلافه وما له من تأثير سلبي مباشر على إقبال الناس على القراءة؟*وما هي برأيك اسباب الابتعاد عن القراءة في العالم العربي؟*المشكلة تكمن في أن الثقافة في عالمنا العربي ليست أسلوب حياة كما نجدها لدى الغرب، حيث نجد الكتاب ملازماً للقارئ في كل مكان. ولكن لا ننكر أن الكتاب المطبوع يتربع على عرش الثقافة لعقود طويلة، وما زال لدى البعض الوسيلة الأكثر جذباً، على الرغم من انتشار وتجدد وسائل المعرفة والتسلية. وفي رأيي أن الكتاب سيظل ‘صيدلية الروح’ في ظل الهجمة الشرسة للعولمة وتأثيرها السلبي على خصوصية الإنسان، واختلائه بذاته، ولا خوف من أن يندثر الكتاب على الأقل لعقود طويلة قادمة. وأعتقد أن الناشر ‘العربي’ في حاجة إلى أن يعيد حساباته، وأن يبتكر أساليب جديدة في التسويق والوصول بالكتاب إلى أحضان القارئ حتى وهو نائم عبر الاستفادة من التكنولوجيا المتجددة وما تقدمه كل يوم. هي مهمة كبيرة تحتاج إلى تغيير الأنظمة والمفاهيم العربية ونظرتها للتعامل مع الكتاب والثقافة وغرسها في المجتمعات كي تصبح الحاجة إليها مثل الحاجة إلى الماء والغذاء. وهي مهمة تحتاج إلى تكامل المجتمع وتكاتفه مع بعضه البعض لتقديم الكتاب والترويج له بشكل أكثر جاذبية وفاعلية. لأنه أحد أهم أسباب العزوف عن القراءة في عالمنا العربي هو فقر الخيال في تقديم الثقافة وصناعتها، وبلورتها بشكل يجعل الأصابع تمتد إليها.*ما تعليقك على ما يحصل اليوم على الساحة العربية من أحداث وثورات متعاقبة؟ وهل للسياسة تأثير على كتاباتك عموماْ؟*الكتابة التي تخلو من الاشتباك مع المجتمع وقضاياه هي كتابة ميتة، بلا دم يحركها. زلزلتنا انطلاقة الثورة الأولى في تونس، وجعلتنا نرى أن ما كنا نحلم به من الممكن أن يتحقق، وأن يتدفق النهر من جديد بعد أن أصابه الوهن والركود، وأكدت لنا انطلاقة الثورة المصرية وما أحدثته من تغيير في بدايتها أن الشذرات المتناثرة في كتابتنا وأحلامنا بالثورة على البلادة والضحالة صار في متناول اليد وتترجمه الجماهير التي تسعى لنيل حريتها من الأنظمة القمعية التي تمتص دماءها وحياتها، كي تثمن هي وحاشيتها دون إنجاز يذكر في حق الشعب والوطن وهو ما أكدته الآلة الغبية التي تقتل شعوبها من أجل التمسك بمواقعها ومصالحها، كما حدث ويحدث في ليبيا واليمن وسورية والبحرين وغيرها على الرغم من سعي الإسلاميين للسيطرة على البلاد إلا أن تلك الثورات كانت إيجابية وضرورة للإنسان العربي، الذي استكان وخنع طويلاً للاستبداد والظلم في غياب الديمقراطية والحريات. في رواياتي كنت أتكئ وأسعى للتوجه الليبرالي، وهو ما ظهر في روايتي ‘نبع الذهب’، و’تفاحة الصحراء’، و’خيال ساخن’ وهناك نقاد انتبهوا إلى ذلك وكتبوا عنه قبل سنوات، وهنا أذكر مقالا مهما للناقد محيي الدين إبراهيم بعنوان ‘الوطن والثورة في روايات العشري’ نشر في أمريكا في 2008، وأعيد نشره في مصر بعد ذلك.*هل هنالك من مصدر الهام حقيقي لمحمد العشري كإنسان وروائي؟*الإنسان مصدر الإشعاع الأول، والرغبة في الاكتشاف وما أعيشه من تجارب هي دوافعي الأولى للكتابة، التي تلهمني وتحرك في داخلي شهوة الكتابة والتعبير، كذلك الصحراء بفتنتها الآسرة أوقعتني في غواية الرواية للتعبير عنها ورصدها وتقديمها للقارئ الذي لا يراها.*نعلم بأنك تعمل اليوم على إصدار رواية جديدة لك، فمتى نترقب إصدارك؟*أعمل حالياً على الانتهاء من رواية ‘تانيس.. رائحة منسية’ سأنشرها خلال هذا العام، من خلال الدار العربية للعلوم في بيروت، وهي جزء أول من مشروع روائي أخطط له منذ فترة، لرصد التغييرات التي طرأت علي الريف المصري من خلال قرية تقع على ساحل بحيرة ‘المنزلة’ في شمال مصر، هجر معظم أهلها حرفة صيد الأسماك، وانتشروا في البلدان العربية، مخلفين وراءهم بيوتاً، ونساءً، وأطفالاً في حاجة إلى من يرعاهم، تاركين الأسماك لتتوحش في مياه البحيرة وتأكل بعضها البعض.