خلال ستة أشهر فقط تلقى سكان بلدة دير بلوط ما يقرب من 88 إخطارا بالهدم أو بوقف البناء أو بوقف استصلاح الأراضي.
سلفيت ـ «القدس العربي»: في عام 2011 أنتج الإعلامي الفلسطيني والمخرج عمر نزال فيلما وثائقيا حمل اسم «إخطار» كان ذلك قبل 12 عاما، وحاول في الفيلم التعمق في مدلول الكلمة التي كانت، في حينه، تؤرق حياة الفلسطينيين، فأقل ما تفسر به مفردة «إخطار» هو «الهدم والتهجير» من المنزل أو القرية أو التجمع السكاني بأكمله، وهي تستهدف مواطنين في نظر الاحتلال الإسرائيلي «مخالفين» لكونهم يقطنون في مناطق «ج» كما حددتها اتفاقية أوسلو عام 1993 وهي مناطق تبلغ مساحتها أكثر من 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية.
وإن كان الحال قبل نحو عشر سنوات دافعا لمخرج لتقديم فيلم وثائقي فإنه اليوم أصبح أضعافا مضاعفة، و«الإخطار» الذي كان يقدم لمنزل قيد الإنشاء بالهدم أو وقف البناء فإنه اليوم أصبح ممارسة احتلالية بالجملة أسبوعيا.
في فيلم نزال تناول أربع حالات ذاقت مرارة «الإخطار» وعاشت كوابيس الترحيل، وحكت كل منها قصتها منفردة، وهي قصص آتية من سكان القدس، والسكان في مناطق «ج» وأخرى مصدرها من يقطنون خارج المخططات الهيكلية لقراهم وبلداتهم، إضافة لقصص قرى وبلدات بأكملها، على أمل أن يلتفت العالم محلياً ودولياً إلى معاناة هؤلاء.
أنتج فيلم نزال مركز القدس للمساعدة القانونية حيث كانت تشير بياناته أن الاحتلال يصدر ما لا يقل عن 2000 إخطار وأمر بالهدم والإخلاء سنوياً، ويعني ذلك أن حياة المواطنين أصبحت مهددة في كل حين، خاصة البدو، حيث تشير المصادر أن 50 ألف مواطن يقطنون في الأغوار تعرضوا لعملية تهجير واحدة على الأقل، وهُجّر معظمهم مرتين أو ثلاث مرات.
بلدة دير بلوط قضاء مدينة سلفيت هي إحدى المناطق التي تتعرض لهذه السياسة، وحسب رئيس مجلس القرية سمير قرعوش فإنه وخلال ستة أشهر فقط تلقى سكان البلدة ما يقرب من 88 إخطارا بالهدم أو بوقف البناء أو وبوقف استصلاح الأراضي.
وتقع البلدة على بعد 20 كم إلى الغرب من مدينة سلفيت، وهي آخر بلدة موجودة في محافظة سلفيت، حيث يشير قرقوش إلى أن هناك تركيزا شديدا من الاحتلال الإسرائيلي من أجل السيطرة والاستحواذ على المناطق المختلفة بالبلدة في ظل أن المستوطنين ينظرون إليها على أنها عمق لتوسع المستوطنات، وتحديدا المنطقة الغربية حيث خط الحدود عام 1967 كما أن أراضيها تجاور منطقة تل أبيب الكبرى ومستعمرة تحمل اسم «رأس العين».
وسميت البلدة بهذا الاسم نسبة إلى روايتين الأولى تقول إن سكن فيها راهب اسمه بلوتوس، أما الرواية الثانية فتقول إن سبب التسمية جاء لكونها مليئة بشجر البلوط منذ العهد العثماني.
ويشدد رئيس البلدية أن البلدة بأراضيها الشاسعة تعتبر عمقا استراتيجيا لتوسع المستعمرات، حيث تشمل الإخطارات التي وصلت سكانه أشكالا مختلفة مثل وقف العمل ومنع البناء، ومنع استصلاح الأراضي، وهي تستهدف بيوتا سكنية وبيوتا وفللا مسكونة، وصالات أفراح وغرفا زراعية وبركسات ومنشآت لتربية المواشي ومحلات تجارية.
ويرى قرقوش أن هدف الحملة المسعورة هو السيطرة على المنطقة وتحقيق مطامع إسرائيلية كبيرة، فمساحة البلدة كانت تبلغ 36 ألف دونم، لكن سرق منها نحو 22 ألف دونم من الأراضي الطبيعية للبلدة من خلال ضمها داخل جدار الفصل العنصري، فتبقى منها 13 ألف دونم، منها نحو 844 دونما في منطقة تحمل تصنيف «أ» أي سيطرة فلسطينية أمنية وإدارية عليها، أما ما تبقى فهو يحمل تصنيف «ج» أي ما يقرب من 12 ألف دونم وقد أصبحت معرضة للسرقة ووضع اليد ومنع البناء والعمل فيها.
ويضيف أنه في المنطقة الشرقية للبلدة هناك ثلاث مستوطنات وهي: «بدوائيل» و«عالي زهاف» و«ليشم» وعلى حدود القرية مستوطنة رابعة «رأس العين الجديدة» وتقع في المنطقة الشرقية.
ويكمل حديثه ساردا طرق السيطرة الاحتلالية، أنهم اعتبروا المنطقة الجنوبية محمية طبيعية يُمنع فيها البناء أو حفر الآبار أو استصلاح الأراضي ولأجل ذلك يحرم أصحاب الأراضي من المواطنين من دخول ملكياتهم الزراعية، كما يعمل الاحتلال على مصادرة الجرافات (حتى اللحظة صودرت 4 جرافات) إلى جانب الجرارات الزراعية.
وبلغ عدد سكان دير بلوط 5 آلاف نسمة يواجهون موقفا إسرائيليا رافضا ترخيص أي بناء بمنطقة «ج» حيث يضع الاحتلال كل العراقيل لمنع المواطنين من الحصول على ترخيص بناء أو عمل، ولا يملك رئيس البلدية إزاء هذا الواقع إلا التواصل مع الجهات والمؤسسات الرسمية ومنظمات حقوق الإنسان.
ويشير إلى أنه وبمجرد دخول معدات زراعية أو آليات للعمل فإن الجيش والإدارة المدنية يحضر فورا ليقوم بمصادرتها والسبب في ذلك مراقبة مجموعات المستوطنين وجمعياتهم المتطرفة لأنشطة الفلسطينيين المختلفة.
يقول: «المستوطنات في أعلى الجبل تراقب البلدة مراقبة شديدة، كما أنهم وضعوا يافطة كتب عليها بالعبرية شرطة الدولة، أي أن دولتهم تبدأ من المستوطنات التي تشكل حزاما هناك يحاصر البلدة».
وفي الشهر الماضي أعرب منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط تور وينسلاند عن انزعاجه الشديد لقيام السلطات الإسرائيلية بهدم مدرسة ابتدائية، ممولة من الاتحاد الأوروبي لأطفال قرية جبة الذيب شرق بيت لحم بالمنطقة «ج» في الضفة الغربية، وجاء في البيان أن 58 مدرسة- تخدم 6500 طفل- تواجه خطر الهدم بسبب عدم وجود تصاريح للبناء والتي يعد حصول الفلسطينيين عليها أمرا شبه مستحيل.
كما طالب السلطات الإسرائيلية بالتوقف عن أعمال الهدم والإجلاء- التي تعد غير قانونية وفق القانون الدولي- والموافقة على خطط تكفل للمجتمعات الفلسطينية البناء بشكل قانوني في المنطقة «ج» لتلبية احتياجاتهم التنموية.
وكشف تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس» العبرية في شهر نيسان/ابريل الماضي عن خطة تحمل اسم «خط المحراث» تنفذها منظمة «ريغافيم» الاستيطانية لتعزيز الاستيلاء على المناطق المصنفة «ج» في الضفة الغربية، ومنع أي تمدد فلسطيني فيها، وذلك بعد وصول قادة المنظمة لسدة الحكم، وتحولها إلى «أحد قادة السياسات الحكومية الإسرائيلية في الضفة الغربية».
وأشار التحقيق إلى أن يخيم زيك، المدير التنفيذي لمنظمة «ريغافيم» يشغل الآن منصب رئيس مكتب وزير النقب والجليل إسحق فيسرلاوف، كما أن ساريا ديمسكي، الذي يشغل منصب رئيس مكتب الوزير بتسلئيل سموتريتش، كان حتى الفترة الأخيرة عضو لجنة في «ريغافيم».
وأشارت «هآرتس» أن وثيقة وزعت على السياسيين قبل الانتخابات، رسمت الخطط الاستراتيجية التي تعمل منظمة «ريغافيم» على تنفيذها في الضفة الغربية، وتتضمن توصيات للحكومة الحالية، لتنفيذها في الضفة الغربية، وقد تم إدخال هذه التوصيات في اتفاق الائتلاف الحكومي بين حزب الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش وحزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو، لتشكل أرضية حكومة اليمين المتطرف، خاصة إطلاق المعركة على مناطق «ج» وتسريع عملية المصادقة على خطط البناء في المستوطنات، وإجراء إحصاء سكاني للفلسطينيين في الضفة الغربية.
يذكر أن منظمة «ريغافيم» تمتلك طائرات مسيرة تمكنها من متابعة بناء الفلسطينيين المتواصل، وتشتري صورًا جوية لتحليلها، من خلال عدد من الباحثين المختصين بذلك وتقوم برصد دائم لمناطق «ج» وتنظم ما بين 10-20 جولة في الشهر للمراسلين الصحافيين والسياسيين. كما تسارع إلى إبلاغ الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال عن أي بناء فلسطيني بهدف إحباطه في مهده.