الدكتور غانم السليطي خبير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في معهد قطر لبحوث الحوسبة: الذكاء الاصطناعي لن يستبدل البشر ولا يهدد ملايين الوظائف بل سيفيد الاقتصادات

حاوره: سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

يسود اعتقاد ترسخ مع تواتر معلومات وتقارير «غير رصينة» أن الذكاء الاصطناعي يهدد وظائف الإنسان ويحل مكانهم، وانتشرت سريعاً معلومات عن توقع بتسجيل ملايين العاطلين، وهي الأنباء التي أثارت مخاوف، اعتبرها خبراء غير دقيقة. ويشدد الدكتور غانم السليطي من مؤسسة قطر، وهو الخبير في المجال، أن ذلك لن يحدث وسيكون الذكاء الاصطناعي زميل عمل. ووفقًا للدكتور غانم السليطي، ما لدينا الآن هو نطاق ضيق للذكاء الاصطناعي، وهو قادر فقط على أداء مهام محددة للغاية. ويستطرد أن عدة عقود تفصلنا عن الذكاء الاصطناعي العام، الذي يتساوى مع الذكاء البشري، وهذا إذا تمكنا من تحقيقه في وقت ما. ويتابع الخبير القطري: مجرد فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل البشر، هو أمر خاطئ لأنه يفترض أن الذكاء الاصطناعي والبشر لديهم نفس المهارات والقدرات. ويوضح قائلاً: صحيح، يمكن للآلات القائمة على الذكاء الاصطناعي أن تعمل على مدار الساعة وتكون دقيقة باستمرار، لكنها ليست بديهية وتفتقر إلى الذكاء العاطفي، وكلاهما يجعل البشر أكثر فعالية في مكان العمل.
وحسب الخبراء فإن الذكاء هو القدرة على التعلم وحل المشكلات والتفكير بشكل منطقي، ويتطلب أيضاً التكيف مع البيئة المتغيرة والتفاعل مع العالم من حولنا. بالنسبة للذكاء الاصطناعي فهو يختص بتمكين الكمبيوتر من تطوير الأنظمة والبرامج التي تظهر تلك القدرات. وبشكل عام، يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تصميم وبناء أنظمة قادرة على تنفيذ مهام تستدعي التعلم واتخاذ القرارات بشكل مستقل
وإلى تفاصيل الحوار مع الدكتور غانم السليطي، خبير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بمعهد قطر لبحوث الحوسبة بجامعة حمد بن خليفة، التابع لمؤسسة قطر.
○ ما هي مخاطر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل؟
•الذكاء الاصطناعي، في رأيي، هو وسيلة، وليس غاية في حد ذاته. نظراً لأن مصطلح «مخاطر» يعني أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير سلبي على الوظائف، فأنا أحاول تجنب استخدامه. العبارة الأكثر موضوعية التي يمكن أن نستخدمها مثلاً: هي «يؤثر» بدلاً من ذلك. ومن المتوقع أن يكون للذكاء الاصطناعي تأثير أكبر على الوظائف الإدراكية والمتكررة للموظفين ذوي الياقات البيضاء مقارنة بوظائف الياقات الزرقاء، وفقًا للدراسات والتوقعات الحديثة. وهناك جوانب عديدة لتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل. إن خلق وظائف جديدة هو أحد النتائج المحتملة. ستظهر مهن جديدة نتيجة مباشرة للتقدم التكنولوجي. وهناك طلب كبير على الخبراء في مجالات مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والتدريب على نظام الذكاء الاصطناعي، وصيانة الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال. ومعظم هذه الوظائف لم تكن موجودة حتى قبل عقد من الزمان، حيث تُظهر كيف ينشئ الذكاء الاصطناعي مجالات عمل جديدة تماماً.
○ ما هي القطاعات الأكثر تأثراً بالذكاء الاصطناعي؟
• تأثير الذكاء الاصطناعي يشمل مهنا مختلفة، ومنها الطب والقانون والتعليم والهندسة والتصميم والمحاسبة، وفي اعتقادي الشخصي، الذكاء الاصطناعي أداة لتطوير وتعزيز القدرات والوظائف البشرية وليس لإحلالها. على سبيل المثال، قد يستخدم الطبيب برنامجًا للذكاء الاصطناعي للمساعدة في اكتشاف المشكلات الصحية لدى المرضى، ‏وقد يستخدم المعلّم الذكاء الاصطناعي لمساعدة كل طالب على التعلّم بطريقته الخاصة. وفي هذه الحالات، لا يحل ‏الذكاء الاصطناعي محل الموظفين، بل يصبح أداة مفيدة تساعدهم على أداء وظائفهم بشكل أفضل‏‎. كما تشير الدراسات والتقارير الحديثة إلى أن الوظائف المكتبية للمهنيين المتخصصين سوف تتأثر بالذكاء ‏الاصطناعي أكثر من وظائف العمّال. ومع تطوّر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ستظهر وظائف لم تكن موجودة من قبل، مثل الحاجة إلى خبراء في صيانة أنظمة الذكاء الاصطناعي وتدريبها وأخلاقيات استخدامها، الأمر الذي سيؤدي إلى نشأة صناعات ومهن جديدة.
○ هل هذا معناه تغيراً في سوق العمل؟
•قد تتم أتمتة بعض الوظائف، خاصة تلك التي تنطوي على مهام متكررة، باستخدام الذكاء الاصطناعي. ولن تؤدي أتمتة عمليات معينة بالضرورة إلى إلغاء الوظائف، على الرغم من أنها قد تؤثر على التوظيف في قطاعات تشمل التصنيع وإدخال البيانات وخدمة العملاء. بدلاً من ذلك، ستتغير الوظائف والطريقة التي يتم إجراؤها بشكل متكرر لتتضمن متطلبات جديدة أكثر تعقيدًا. ومن المحتمل أن يكون للذكاء الاصطناعي تأثير كبير على المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل. من المرجح أن يزداد الطلب على الأشخاص الذين يعرفون كيفية القيام بأشياء مثل تحليل البيانات وتعليم الآلات وبناء الذكاء الاصطناعي. في الوقت نفسه، هناك طلب كبير على ما يسمى بـ «المهارات الشخصية» مثل الخيال والذكاء العاطفي وحل المشكلات لأن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع القيام بها. لذلك، قد يحتاج العمال إلى تحسين مهاراتهم أو تغييرها لمواكبة سوق العمل المتغير. وسيكون هناك تأهيل الموظفين الجدد: يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء برامج تأهيل مخصصة للموظفين الجدد، مما يتيح لهم أن يصبحوا منتجين بشكل أسرع.
○ ما الذي تشير إليه الدراسات الحديثة في هذا المجال؟
•يتنبأ التقرير الأخير للمنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل العمل، أن الخدمات المالية والتأمينية والبرمجيات والمنصات وأسواق رأس المال والطاقة والاتصالات والإعلام وتجارة التجزئة والرعاية الصحية والخدمات العامة، ستكون الأكثر تضررًا من الذكاء الاصطناعي. وحدد التقرير المهن التالية، على سبيل المثال لا الحصر، بأنها من المحتمل أن تكون عرضة للأتمتة بواسطة الذكاء الاصطناعي مثل: عمال التجميع والمصنع، وموظفو إدخال البيانات، وصرافو البنوك، وممثلو المتاجر، والمسوقون عبر الهاتف، وموظفو خدمة العملاء، والمحاسبين.
○ ما أبرز المجالات التي ستفيد البشر والمجتمعات من ثورة الذكاء الاصطناعي؟
•للذكاء الاصطناعي (AI) آثار كبيرة في مختلف المجالات نظرًا لقدرته على تحليل مجموعات كبيرة من البيانات، والتنبؤ، وأتمتة المهام، والتعلم من التجارب. فيما يلي نظرة سريعة على تأثير الذكاء الاصطناعي في المجالات المختلفة. فقد شهد تحليل البيانات تطورات كبيرة من خلال الذكاء الاصطناعي، حيث تفسر الخوارزميات المعقدة كميات هائلة من البيانات بسرعة، ما يوفر للشركات أنماطًا ثاقبة غالبًا ما يتم إغفالها في المراجعات اليدوية. يؤدي هذا إلى اتخاذ قرارات تستند إلى البيانات، ما يمهد الطريق لاستراتيجيات أكثر فعالية ونتائج محسّنة. في الوقت نفسه، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سير العمل التقليدي من خلال الأتمتة. ومن خلال تولي المهام العادية والمتكررة، فإنه يحرر رأس المال البشري للتركيز على مسؤوليات أكثر ابتكارًا وتعقيدًا، ما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية والرضا الوظيفي. وفي مجال خدمة العملاء، تعمل روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي على تغيير تجربة المستخدم، حيث إنهم يقدمون الدعم على مدار الساعة، ويقومون بإدارة استفسارات العملاء، والشكاوى، والأسئلة المتداولة، ما يؤدي إلى زيادة رضا العملاء. علاوة على ذلك، فإن القدرات التنبؤية للذكاء الاصطناعي تغير قواعد اللعبة. يمكن لخوارزمياته التنبؤ بالاتجاهات والرغبات والسلوكيات المستقبلية بناءً على البيانات التاريخية. هذا مفيد بشكل خاص في مجالات مثل الاقتصاد حيث يمكن أن يساعد التنبؤ بتقلبات السوق في صياغة الخطط والتشريعات المناسبة.
○ ما آثار الذكاء الاصطناعي في سوق العمل؟
•آثار الذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية كبيرة. ويعمل الذكاء الاصطناعي على تسريع عملية التوظيف من خلال فحص السير الذاتية وتقييم المرشحين وحتى إجراء المقابلات الأولية. بالإضافة إلى ذلك، أثبتت أدوات الذكاء الاصطناعي أنها لا تقدر بثمن في إعداد الموظفين والتدريب وتقييم الأداء. وفي مجال المبيعات والتسويق، تعمل قدرة الذكاء الاصطناعي على تخصيص الإعلانات بناءً على تفضيلات المستخدم على تعزيز كفاءة الحملات التسويقية. علاوة على ذلك، فإن موهبة الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بسلوك المستهلك واتجاهات المبيعات تمكن الشركات من وضع إستراتيجيات فعالة. أما فيما يتعلق بالأمن السيبراني، فيمكن أن تشير كفاءة الذكاء الاصطناعي إلى اكتشاف الأنماط السلوكية غير الطبيعية إلى التهديدات السيبرانية المحتملة، ما يسمح للمؤسسات بالاستجابة بسرعة وفعالية. ويستفيد قطاع الرعاية الصحية أيضًا من الذكاء الاصطناعي، باستخدام قدراته في التشخيص، واقتراح العلاجات، ومراقبة المريض. كما تعمل تسهيلات الذكاء الاصطناعي إدارة وتحليل كميات هائلة من البيانات الصحية على تحسين جودة الرعاية بشكل كبير. لابد من الإشارة أن العمليات الصناعية أصبحت أكثر كفاءة وأمانًا مع تكامل الذكاء الاصطناعي. وهذا ما يساعد في تحسين إجراءات التصنيع والتنبؤ بمتطلبات الصيانة وتعزيز بروتوكولات السلامة.
○ ماذا عن قطاع التعليم؟
• يشهد قطاع التعليم تحولًا نحو التخصيص، مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تخصيص التعلم والتقييم والتغذية الراجعة، ما يجعل العملية التعليمية أكثر فعالية. بالإضافة إلى ذلك، أثبت الذكاء الاصطناعي دوره في تسريع البحث العلمي من خلال قدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات والتعرف على الأنماط(patterns) ويتم تبسيط إدارة المشروع بمساعدة الذكاء الاصطناعي، حيث يقوم بتخصيص المهام بشكل فعال، ويراقب المواعيد النهائية، ويتنبأ بالمخاطر، ما يؤدي إلى إدارة أكثر كفاءة. وتشهد سلاسل التوريد واللوجستيات أيضًا تحسينات في إدارة المخزون والنقل وطرق التسليم من خلال تطبيق الذكاء الاصطناعي. أخيرًا، يستكشف قطاع النقل آفاقًا جديدة مع المركبات والطائرات بدون طيار التي تعمل بالذكاء الاصطناعي والتي يتم استخدامها للتسليم والنقل والمراقبة.
○ مكتبة قطر الوطنية التي نظمتم فيها مؤخراً ندوة عن الذكاء الاصطناعي، هل يمكنها الاستفادة من الثورة في المجال؟
•يتمتع الذكاء الاصطناعي بإمكانيات كبيرة لتغيير طريقة عمل المكتبات الوطنية والخدمات التي تقدمها. ويعد التخزين والحفظ الرقمي مجالًا رئيسيًا حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث فرقًا كبيرًا. يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي رقمنة مجموعات ضخمة من الكتب والمخطوطات والسجلات الأخرى، مما يسهل على الجمهور استخدامها. بمجرد تحويل هذه الموارد إلى صيغة رقمية، يمكن أن يحول التعرف الضوئي على الحروف (OCR) المدعوم بالذكاء الاصطناعي النص المطبوع إلى نص مشفر آليًا يمكن العثور عليه وفهرسته. كما سيسهل ذلك على الأشخاص العثور على ما يحتاجون إليه في سجلات المكتبة، حيث سيكون البحث عنها أسهل بكثير.
○ هذا يشمل أيضاً الحفاظ على الكنوز المعرفية والمخطوط؟
•يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي أيضًا في الحفاظ على العناصر في حالة جيدة والحفاظ عليها آمنة. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتنبأ بالمشاكل المتعلقة بالحالة المادية للكتب والأوراق، مثل متى قد تتلف بسبب الرطوبة أو درجة الحرارة أو عوامل بيئية أخرى. يتم ذلك باستخدام الخوارزميات للتعلم الآلي. يتيح ذلك لأمناء المكتبات التعامل مع هذه المشكلات في وقت مبكر، والتأكد من أن الأدوات التاريخية والثقافية القيمة ستستمر لفترة طويلة. وهناك طريقة أخرى مهمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المكتبات الوطنية هي تحسين الخدمات للمستخدمين. يمكن أن تساعد روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي المستخدمين على مدار 24 ساعة في اليوم و7 أيام في الأسبوع. يمكنهم الإجابة على الأسئلة المتداولة، والمساعدة في العثور على الموارد، أو حتى اقتراح الكتب بناءً على سجل القراءة وأذواق المستخدم. يمكن أن تحدث هذه الخدمة الشخصية فرقًا كبيرًا في مدى سعادة المستخدمين ورضاهم.
○ يعني الذكاء الاصطناعي هو زميل عمل؟
•يمكن أن نستدل بمساعدة الذكاء الاصطناعي للبشر على سبيل المثال بخصوص تحويل الصوت إلى نص، في السابق كان الأفراد يكتبون النصوص يدويًا، وهي مهمة شاقة تستغرق وقتًا طويلاً. لكن اليوم، تتم عملية طباعة النصوص في الغالب باستخدام الآلات، وليس هناك من ينكر أن الآلات قادرة على القيام بذلك أسرع من البشر، وبدقة عالية في معظم الحالات. ولكن بمجرد أن الجهاز يؤدي هذه المهمة، فهذا لا يعني أنه يمكننا الاستغناء عن مهارات الإنسان حيث ستكون هناك حاجة إلى التحقق من عمل الجهاز للتأكد من دقة وصحة النصوص. وبالتالي، تعني المشاركة المنخفضة للبشر في مثل هذه المهام أنه يمكنهم استغلال وقتهم في مكان آخر، كتعلم لغات أخرى. ولا شك في أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر على الوظائف، لكي نكون قادرين على التعامل مع الذكاء الصناعي مع أماكن العمل، هناك حاجة لتحسين مهارات جزء كبير من القوى العاملة، لا سيما للموظفين ذوي المهارات الفردية، كموظفي المكاتب، لا سيما الموظفين الذي يعملون في الأعمال الكتابية أو الإدارية.
○ ما هي الإشكالات المتعلقة بالوظائف الحالية؟
•هناك جزء كبير من القوة العاملة في وظائف ذوي المهارات الفردية حاصلين على تعليم جامعي، ما يعني أنهم يقومون على الأرجح بوظائف أقل من مستواهم الجامعي. وبالتالي هناك حاجة لتطوير مهاراتهم وتوليهم لوظائف تتناسب مع مستوى تعليمهم. فعندما ننظر إلى وظيفة ما لمعرفة مدى قابليتها للتأثر بالآلات، فإننا لا ننظر إليها كنقطة واحدة، بل على أنها مجموعة المهام التي تنطوي عليها. لذلك، إذا كانت الوظيفة تحتوي على 10 إلى 15 مهمة، فنحن بحاجة إلى معرفة أي من المهام يمكن إنجازها عن طريق الآلات، والخبر السار هو أنك نادرًا ما ستجد وظيفة يمكن أن تكون 100 في المئة من مهامها يمكن إنجازها من خلال الآلات. بالنسبة للمهام التي يمكن أن تكون، هذا هو المكان الذي نحتاج فيه لمعرفة كيف يمكننا تحسين المهارات للبقاء على صلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية