حمامات القدس التاريخية مرافق تطهّر وترفيه واستشفاء

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: يستعرض تحقيق لمؤسسة الدراسات الفلسطينية حمامات تاريخية مركزية في مدينة القدس المحتلة منوها إلى أن الحمّام هو مؤسسة قديمة ترجع إلى الفترة الرومانية، ويتمثل دورها في النظافة والتواصل الاجتماعي. كما ينوّه أن للحّمام دوراً دينياً أساسياً لدى المسلمين، فكلّ مَن يعاشر زوجته يصبح في حالة جنابة، ولا يحق له لمس المصحف، أو الصلاة قبل أن يتطهر عن طريق الاستحمام ومن هذه النقطة، استمر وجود الحمّام في جميع الفترات الإسلامية. وترجع جميع الحمّامات التي بُنيت في القدس إلى الفترة المملوكية فأغلبية البيوت كانت تخلو من الحمامات، وكان الناس، نساءً ورجالاً، كباراً وصغاراً، يقصدون الحمامات، كلٌّ بحسب إمكاناته. ويتابع التحقيق التاريخي «لا نعرف كم من المرات كان الفرد يذهب إلى الحّمام، في كل شهر، أو في كل سنة، فلا توجد إشارات من قريب أو من بعيد إلى هذا الأمر، ونفترض أنه لم يكن في مقدور الفقراء الذهاب إلى الحمام كل أسبوع، وفي الأغلب، أنهم كانوا يسكبون الماء على أجسادهم في بيوتهم. وإذا كان الحمام مشتركاً بين الجنسين، فقد كانت النساء يذهبن، في الأغلب، للاستحمام من الظهر إلى المغرب، والرجال من المغرب إلى ظهر اليوم التالي». وحسب التحقيق عادةً ما يتركز موقع الحمامات في مركز المدينة والأسواق، أو قرب الأماكن المقدسة، ولأن تكاليف بناء الحمّام باهظة، فقد كانت الحمامات جميعها تتبع الوقف، ويتم تأجيرها لمن يدفع أكثر. وعما يدور في الداخل يقول إنه يمكن تلخيص خطوات الاستحمام فيما يلي: يدخل المستحم إلى القسم البراني، حيث مكان خلع الملابس، ثم إلى الوسطاني ذي الحرارة المتوسطة، وهو من أجل التهيؤ للانتقال إلى الحرارة الأعلى، إلى القسم الجواني، وهو آخر مرحلة في الاستحمام، ثم يعود بالخطوات نفسها عكسياً عندما ينتهي من الحمام، من الحار إلى الوسط، ثم إلى البارد.

حرفة الحمّامين

ويقول التحقيق إنه في سنة 1624 عمل في حمامات القدس خمسة عشر حلاقاً وفُرض على مستأجري الحمامات توفير فوط لونها أزرق «وزرة» تُلف حول النصف السفلي من الجسم، أما الفوط التي تنشّف الجسم فكان لونها أبيض، وكان ينبَّه على الحمامين بعدم إعطاء الزبائن فوطاً، أو مناشف غير نظيفة، وأن يرفعوا درجة حرارة الحمام. وتشير إحدى الوثائق، التي تعود إلى سنة 1537 إلى أن أجرة الحمام عن كل رجل كانت درهماً، واستحمام الرجل بنصف درهم، وعن كل امرأة بالحناء درهمين، والاستحمام بدرهم ويُفهم من الوثيقة أن دخول الحمام كان يقتضي دفع أجرة، والاستحمام تُدفع عنه أجرة أُخرى.

الحمامات من الفترتين
المملوكية والعثمانية

يستعرض هذا التحقيق سبعة حمامات وُجدت في مدينة القدس القديمة، واندثرت ولم يُعرف عن تفاصيلها إلا القليل:
حمام النبي داود: وهو الحمام الوحيد الواقع خارج سور المدينة من الجنوب الغربي، في منطقة جبل صهيون، وكان موقوفاً على قبة الصخرة. وقد أرسلت رسالة من خلال قاضي القدس إلى إستانبول في سنة 1560 بناءً على طلب من الشيخ محمد الدجاني القيّم على قبر النبي داود في الموقع، والساكن هناك، يشتكي فيها من قلة المياه في الحمام، لأن الحمام يعتمد على مياه الآبار التي لا تكون متوفرة إلا مدة شهرين، وبالتالي يبقى الحمام معطلاً بقية السنة، وأن الشيخ الدجاني بحاجة ماسة إلى الحمام. وردّاً على الرسالة، أجاب المسؤولون في الآستانة بأنه يجب أن تبلّغ السلطات بما يلي: إذا ما تم تزويد الحمام بالماء، هل يترتب على ذلك ضرر بحق شرب بقية المستحقين في القدس؟ وما هي كمية المياه الكافية له؟ بعد أربعة أعوام، صدر حُكم أُرسل إلى قاضي القدس بتزويد الحمام بالماء على أن لا يلحق الضرر بحق الشرب لأهالي القدس، ولا نعرف شيئاً عن هذا الحمام سوى ما تم العثور عليه من وثيقة الشكوى السابقة الذكر.
حمام حارة اليهود: يرجع إلى الفترة المملوكية، والإشارة الوحيدة إليه في القرن الرابع عشر وردت عرضياً، عندما وُجد شخص متوفٍ بقرب الحمام سنة 1395 وكتب حصر الإرث له. استمر هذا الحمام في الفترة العثمانية، وكان موقوفاً على الحرمين (القدس والخليل) وأول ذكر عرضي للحمام في الفترة العثمانية ورد في وثيقة من سجلات المحكمة الشرعية في القدس، ترجع إلى سنة 1537 بشأن استئجار دار في حارة صهيون، وقف الحرم القدسي، مجاورة لحمام حارة اليهود. ويبدو أن المستأجر كان يخطط لأخذ ماء الحمام لكي يستخدمه في مصبنته، التي عُرفت بمصبنة المنصورية، الواقعة في حارة صهيون الجوانية، وتُعرف الحارة بالريشة وحارة اليهود. ففي منتصف شهر حزيران/يونيو 1554 رُفعت دعوى إلى المحكمة الشرعية من متولّي وقف الحرمين على أبناء عائلة زريق المجاورين للحمام، تشتكي عليهم بأنهم يستخدمون ماء بركة الحمام الواقعة في حوشهم لمصبنتهم، وتطالب بإيقافهم عن استخدام مياه بركة الحمام. وفي سنة 1595 رُفعت شكوى للمرة الثانية على العائلة نفسها، بأنهم يأخذون جميع ماء الجبّ المعروف بالعنزية المُعد لجمع ماء الأشتية الواقع في حارة صهيون من محلة اليهود الواقع في حوش أولاد زريق، وأيضاً في سنة 1601 رُفعت دعوى أُخرى بشأن الموضوع نفسه. وردت حجة تبين أنه تم تعمير الحمام فيما بعد، ولم تُحلّ المشكلة مع عائلة زريق بعد أكثر من نصف قرن، فأُعيدَ تقديم شكوى ضد العائلة تتعلق بسرقة مياه الحمام. وبعد تعميره، أُجِّر لأول مرة في سنة 1554 ولكن من غير ماء، لأن مشكلة مياه الحمام لم تُحلّ مع عائلة زريق، واستمر استخدام الحمام حتى سنة 1659. بعد الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس سنة 1967 حفرت سلطة الآثار الإسرائيلية في جانب السور الجنوبي الداخلي للمدينة، وتحديداً إلى الشمال من باب المغاربة، حيث عُثر في المكان على موقع حمام نفترض أنه آثار الحمام نفسه.
حمام درج العين: وُجد حمام عُرف باسم حمام درج العين لعائلة نسيبة المقدسية، ووُصف بأنه من أملاك القاضي فخر الدين بن نسيبة الخزرجي، وكان موقعه في آخر طريق الواد من الشرق. أوقف العمل فيه في نهايات الفترة المملوكية، وتم تأجيره في سنة 1538 بأجرة يومية عن كل نهار 3 فضة حلبية. وبعد عشرة أيام من تاريخ هذه الحجة، بدأ صراع على استئجار الحمام، وتمت المزاودة على أجرته اليومية، فارتفعت من 7.5 حلبية إلى 15 حلبية. وقد أُجِّر الحمام في سنة 1540 بأجرة يومية بلغت 10 فضة حلبية، والغريب أنه يوصف في الحجة لأول مرة بأنه وقف المدرسة التنكزية.
حماما خاصكي سلطان: من الحمامات التي أُسّست في الفترة العثمانية، وهو عبارة عن حمامين، للرجال والنساء، أمرت ببنائهما خاصكي سلطان، زوجة السلطان العثماني سليمان القانوني، في طريق الواد بمدينة القدس. سُميت خاصكي بركسانا بمعنى صاحبة الشعر الأحمر، واختلف الباحثون بشأن هويتها، ومن المرجح أنها إحدى سبايا الجيش العثماني التي اختطفها التتار. ويبدو أن مكانتها لدى السلطان سليمان كانت نابعة، ليس فقط من مرحها ومواهبها الموسيقية، بل لأنها أنجبت له أربعة أولاد، وبعد فترة، تزوج السلطان سليمان منها، على الرغم من وجود معارضة لهذا الزواج.
وفي 17/6/1554 وردت أول وثيقة تتعلق بالشروع في التحضير لبناء هذين الحمامين، وذلك من خلال الاتفاق مع أربعة من الصنّاع المعلمين لعمل 50000 طوبة من الطين المشوي لبناء جسم الحمام، بمبلغ إجمالي قدره 225 ليرة ذهب. ومن أجل تأمين وصول المياه إلى الحمامين، تقدم المتولي على العمارة إلى المحكمة في 24/7/1554 طالباً حفر بئرين بأعلى وادي الأبيار (منطقة بيت لحم) لتقوية قناة السبيل التي توصل الماء إلى القدس وتزوّد الحمامين الجديدين بالماء، وقد كلّف حفر البئرين 70 سلطانيا ذهبا.
في 23/1/1556 أصبح الزعيم في لواء القدس بيرم جاويش متولياً على تنفيذ ما تبقى من بناء الحمام، وعقد اتفاقاً مع المعماري علي بن سيد على بناء بيت النار بحجارة نارية جديدة، وبناء خزّانين للماء بالحجارة أيضاً، وبناء عقد الآقميمين في مقابل أجرة 140 ذهبا سليمانيا. ويبدو أن بيع حجارة المباني المهدمة كان شائعاً، فقد تم إحضار قسم من تلك الحجارة من مبانٍ قديمة في مدينة القدس، منها بناء موقوف على البيمارستان الصلاحي، واحتوى على قبة وقبو ومحراب، وكان داخل كنيسة من زمن الرومان، وبيعت هذه الحجارة لاستخدامها في بناء الحمامين. كما تم شراء مجموعة من الحجارة بمبلغ 60 ذهبا سلطانيا من مكان مقابل لكنيسة القيامة من الجنوب، وملاصق للمورستان من الغرب. تم الانتهاء من بناء جسم الحمامين في 12/2/ 1556 وبدأ التبليط ببلاط رخام أبيض وأسود وبلاط مزي مجلي. كما تم الاتفاق على تبليط مصطبة شمال الرواق وإصلاح الأعمدة الدائرية الثمانية، في كل جانب أربعة أعمدة، وبُنيت ما بين الأعمدة مصاطب بارتفاع 40 سم، وكذلك بُلّطت أرضية المشلحين برخام أسود وأبيض مقابل 75 ذهبا سلطانيا.
الشرقي والغربي: ويوضح التحقيق أنه بعد عمل استمر ما يقارب العامين في البناء، افتُتح الحمامان، في الأغلب، الغربي للرجال والشرقي للنساء. وكان حمام السلطان الوحيد في المدينة الذي استُخدم فيه الحطب لتسخين الماء، فقد كانت بقية الحمامات تستخدم روث الحيوانات. ويبدو أن الحمامين كانا يواجهان مشكلة في تزويدهما بالمياه، ربما بسبب الجفاف المتمثل في قلة الأمطار، وبالتالي انقطاع قناة السبيل، أو خرابها، ويبدو أنه كان لبُعد الحمامين عن الحرم صعوبة في تزويدهما بالماء، أو أن القناة التي توصل المياه إلى الحمامين غير فعالة. وبعد حوالي العقدين، طالب مستأجر الحمامين بإيقاف العمل في حمام النساء لقلة الماء من الشتاء وقلة ما في البرك (برك سليمان في قرية الخضر) وعليه، أبطل العمل في حمام النساء.
تتحدث نشرة صادرة عن الكنيسة الكاثوليكية الأرمنية، التي بُنيت مكان حماميْ خاصكي سلطان، بشكل مختصر جداً عن تاريخ الكنيسة التي كان مكانها خالياً من المباني، إلا من حمام تركي، وقام الأب تافيتيان بابتياع الأرض بمال تبرّع به أحد أتباع هذه الكنيسة؛ وفي سنة 1881 اكتُشفت بقايا فسيفساء في المكان. وتذكر النشرة أن أول بناء شُيّد في الموقع كان سنة 1885 واكتمل بناء الكنيسة سنة 1950.
حمام باب العمود: ورد اسمه في فترة مبكرة من الحكم العثماني باسم «حمام العمود» وفي الفترة المملوكية ذُكر حمام باسم «حمام الشويح» في حارة باب العمود، ولا نستطيع التأكيد أو النفي أن المقصود كان هذا الحمام. ووردت إشارات إلى هذا الحمام في أكثر من مصدر حديث، لكنها كانت عبارة عن تخمينات ومعلومات متضاربة ومكررة، إذ ذُكر أن اسم حمام العمود الذي أُطلق على حمام البطرك، اعتماداً على ما ذكره كوهن ولويس، وعلى قول شلبي، ووردت معلومات عامة عن هذا الحمام في سجل المحكمة الشرعية في القدس، ونعرف أن الحمام كان يعمل في الفترة العثمانية. عُرف مكان حمام باب العمود منذ فترة قصيرة، وحديثا تم ترميمه ليصبح ديوان عائلة عبد اللطيف المقدسية.
حمام القاضي عبد الكريم: لا نعرف أي معلومات عن القاضي عبد الكريم بن حسين، وما توصلنا إليه من خلال سجلات المحكمة الشرعية، أنه عُيّن في المحكمة الشرعية في القدس أربع فترات متفرقة، وأصبح من الأثرياء كما هو متعارف عليه بالنسبة إلى القضاة، نتيجة أعماله التجارية والوظائف التي كان يشغلها خلال عمله وهذا هو المثال الوحيد في القدس لوجود حمام خاص. يقع الحّمام في المجمّع الذي شيّده وأسّسه القاضي عبد الكريم إلى الجنوب من حارة أولاد قطينة، والتي كانت تقع إلى الغرب من آخر سوق خان الزيت. اشتمل هذا المجمّع على أسطبلات وفرن ومعصرة وطاحونة. ومن المؤكد أن مكان المنشآت التي أقامها القاضي، على الأقل يقع جزء منها حالياً مكان الكنيسة الروسية، وهي تقع إلى الشرق من كنيسة الأقباط (دير السلطان) التي يحدّها شرقاً نهاية سوق خان الزيت. ويوصف الحمام في الوثيقة كما يلي «وبصدر الإيوان من جهة الغرب حمام يفوه بابه مشرقاً بباب عسقلاني، يدخل منه إلى دهليز لطيف يتوصل منه إلى داخل الحمام، ويشتمل على ثلاثة اقباء مشلح ووسطاني وبيت حرارة، وبالقبو الوسطاني حوض لطيف بالجهة الغربية، وللحرارة حوضان لطيفان من رخام أبيض مرمر أحدهما بالجهة الشمالية والآخر بالجهة الغربية مزودان بأنبوبين نحاس أصفر، وقدرة نحاس وخزانين من أجر للماء الساخن، وحاصل برسم جمع الماء البارد ومرتفق…» واشتمل الموقع على أحواض برسم الزراعة في الجهة الشمالية، وسلالم من حجر ومقاعد أو أماكن للجلسات في أكثر من طابق.
طبقا لتحقيق «المؤسسة» بدأ القاضي عبد الكريم بالتحضير للبناء والتعمير عن طريق تعاقُد وكيله مع 12 شخصاً من قرية الطيرة التي تقع إلى الشمال الغربي من رام الله، على بناء لتون لإنتاج الشيد وتزويد القاضي به. وكان القاضي أقام مجمّعه في منطقة تحتوي أصلاً على مواقع اقتصادية ترجع إلى العصر المملوكي في الأغلب، إن لم يكن قبل ذلك، ولكن مع الزمن، اندثرت، أو أُهملت، وجدّد البيت ووسّعه والفرن والمعصرة والقاعات. بعد انتقال القاضي من قضاء القدس، لم أجد ما يشير إلى مكان الحمام المذكور، كما أن الحفريات التي تمت في نهاية القرن التاسع عشر، بعد شراء الروس الموقع، لم تُشر إلى وجود أي حمام، كما لم تتعرض لأي بناء إسلامي في الفترة العثمانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية