حسنين كرومالقاهرة – ‘القدس العربي’ تركزت اهتمامات الصحف المصرية الصادرة يوم السبت على ما يمكن أن يكون عليه حكم محكمة الجنايات في قضية مبارك والعادلي وستة من مساعديه وجمال وعلاء، وعلى الاتصالات والتحركات المتواصلة للمرشحين للرئاسة، محمد مرسي وأحمد شفيق والمناظرات التليفزيونية حولهما، وقد شاهد زميلنا الرسام بـ’أخبار اليوم’ هاني شمس احداها، ولكن والشهادة لله وحتى لا أظلم أحدا، فإنني لم أشاهدها ولذلك فالعهدة على هاني، وكانت المناظرة بين اثنين، ومقدمتها تسأل واحدا منهما قائلة: – لو سمحت يا ريت حضرتك تحدد قصدك، انهي استبن؟ استبن المرشد ولا استبن المخلوع؟
وإلى بعض مما عندنا:
سيناريوهات الحكم على مباركوالى يوم الأحد، فقد كان الموضوع الرئيسي في كل صفحاتها عن الحكم في القضية واندلاع المظاهرات في كل مكان احتجاجا عليه.
الملفت من وجهة نظري – ولا دخل لها بالحكم – وإنما في الظروف والملابسات السابقة، وما تلاها، وهي:1- سبق الحكم بثلاثة أيام قرار النائب العام وإحالة كل من جمال وعلاء مبارك وسبعة آخرين إلى محكمة الجنايات في قضية التلاعب في البورصة في بيع أسهم البنك الوطني، ثم صدر الحكم ببراءتهما من تهمة الاستغلال في قضية الفيلات المشتراة من حسين سالم، أي انه كان واجباً الإفراج عنهما، لكن الحبس الاحتياطي لهما استمر بناء على قرار الإحالة في القضية الجديدة.2- أن أول قرار في الحكم أدى إلى تأييد واسع للمحكمة وهتافات لها، عندما نطق رئيسها المستشار أحمد رفعت بالحكم بالسجن المؤبد في قضية قتل المتظاهرين على الرئيس السابق مبارك – آسف عايز أقول المخلوع – وضد حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق، وعندما نطق ببراءة علاء وجمال من تهمة الإضرار بالمال، ولمساعدي وزير الداخلية الستة، تغير الهتاف، إلى الشعب يريد تطهير القضاء.3- ان هناك تساؤلا، حول تقديم النيابة العامة علاء وجمال إلى المحكمة بتهمة انتهت بمضي المدة، والحصول على البراءة فيها مضمون.4- ان النائب العام ما أن سمع بصدور الحكم حتى أمر بنقل مبارك إلى مستشفى سجن مزرعة طرة على الفور وخروجه من المحكمة إليها، وإلباسه ملابس السجن الزرقاء، بعد ان كان متوقعاً أن يعود إلى المركز الطبي العالمي انتظارا لحكم محكمة النقض، في النقض الذي سيتقدم به محاميه في ظرف ستين يوماً، وبعدها تنظر المحكمة في النقض وتدرسه، ثم تصدر حكمها أما بالبراءة أو تأييد الحكم، أو تخفيفه، وبعدها لديه فرصة ثانية للنقض، أي أنه سوف يتمتع بشهور لا يعرف أحد عددها في المركز الطبي العالمي.
طائرة الهليوكوبتر توجهت به لسجن طرة بدل المركز الطبي لكنه فوجىء بأن طائرة الهليوكوبتر التي نقلته لم تتجه إلى المسار المعروف لديه جيدا للمركز الطبي في شرق القاهرة وإنما جنوبا لتهبط في فناء سجن طرة، وكانت صدمته مروعة وتأكد أن اعتقاده بأن وضعه العسكري السابق كفيل بتوفير حصانة ورعاية خاصة سرعان ما تبخر، وأن تجهيز غرفة طبية له في مستشفى سجن طرة، من عدة أشهر، لم يكن لامتصاص غضب المتظاهرين، وإنما حقيقة، ولذلك رفض النزول من الطائرة لعدة ساعات، وكان أول من أشار لذلك مندوب التليفزيون المصري وأشار إلى أن الفريق الطبي المرافق لمبارك في الطائرة أكد انه اصيب بأزمة يتم علاجه منها، ثم اتضحت الأمور بأنه يرفض النزول، ولا أحد يعرف ان كان اكتشف ان الوعود التي تلقاها، أو فهمه لبعض العبارات التي تم نقلها إليه، بأنه سوف يظل في المركز الطبي، ثم خداعه، أو التنصل منها، أيضاً لا أحد يعرف ان كانت حكاية الأزمة التي قيل انه تعرض لها في الطائرة، سوف تكون مقدمة لأخبار عن أزمات قلبية أخرى تنتابه، لينتهي الأمر الى أن حالته تدهورت وتستدعي نقله إلى مكان آخر، ربكم الأعلم، ولننتظر لنرى.5- ان حكم المؤبد على مبارك – ييه – قصدي المخلوع – ونقله لسجن طرة وإلباسه البدلة الزرقاء – نفى نهائياً ما أشيع عندما أدلى المشير طنطاوي بشهادته المنفردة أمام المحكمة في قضية قتل المتظاهرين بأنه برأ مبارك منها، وبالتالي، لا يوجد أي تدخل في القضاء، وأن المشير لم يشهد لصالحه.6- ان موجة الغضب الشديدة كانت بسبب الحكم ببراءة مساعدي وزير الداخلية الستة، لأنها تعني غلق جريمة قتــــل الشهداء في المـــــيادين، والتي شاهدها العالم، والسيارات والمدرعات التي تدهس المتظاهرين السلميين، وتعليق المسؤولية على قوى غير مصرية، وتتركز في تحميل حركة حماس والإخوان وحزب الله المسؤولية عن عملية القتل، وقناصة أجانب يرتدون أقنعة وهي الاتهامات التي نشرت فعلا لتبرئة الشرطة ثم ترددت أثناء أحداث شارع محمد محمود، وعلى من يريد التوصل إلى الجناة الذين قتلوا المتظاهرين، أن يحقق مع حماس وحزب الله، والمقنعين الأجانب الذين قيل انهم إسرائيليون وأمريكيون، أو الضغط على حبيب العادلي ليعترف بأنه أصدر بناء على طلب مبارك أوامر لهذه الجهات بأن تتولى عناصرها قتل المتظاهرين.
والغريب في الأمر هو الفشل الذريع لأجهزة الأمن المشهود لها بالقوة والكفاءة العالية في التوصل الى الجناة الحقيقيين، وهو يعيد للأذهان فضيحة عدم إلقاء القبض حتى الآن على المحامي مرتضى منصور المتهم العاشر في قضية موقعة الجمل والتي قتل فيها حوالى ثلاثين متظاهرا في ميدان التحرير يومي الثاني والثالث من شهر فبراير من العام الماضي، وتنظرها محكمة الجنايات. وقد أصدر رئيس المحكمة قرارا بإلقاء القبض عليه، وتوجهت قوات من الشرطة إلى منزله وحاصرته ولكنها لم تستطع القبض عليه وابنه وابن شقيقته، لأنه دخل إلى شقة زوج ابنته، القاضي، وبالتالي تم إرسال طلب لمجلس القضاء الأعلى بمنح الإذن بتفتيش الشقة، ومرت شهور، ولم يتم التفتيش ولا حضر مرتضى وابنه وابن شقيقته فإذا كانت كل أجهزة الأمن عاجزة عن تنفيذ قرار المحكمة بالقبض على متهمين مكانهم معلوم لها، فهل بإمكانها التوصل الى معرفة من جاءوا من خارج الحدود، أو هبطوا من كوكب آخر.
السلفيون والرئيس القادمونبدأ بمعركة الإعادة التي ستحدد من سيحكم مصر، محمد مرسي رئيس حزب الإخوان، الحرية والعدالة، أم أحمد شفيق المستقل، والممثل للنظام السابق، وسوف نفسح مجالاً واسعاً لتحليل السلفيين من جمعية الدعوة السلفية وذراعها السياسية حزب النور، لما حدث لمرشحهم الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح، وللأصوات التي حصل عليها حمدين صباحي، في أكبر معقل لهم وهو مدينة الإسكندرية منشأ الجمعية، فقد نشرت جريدة ‘النور’ – لسان حال حزب النور في عددها الصادر يوم الاثنين الماضي حديثا مع أحد نواب رئيسها، الدكتور أحمد فريد أجراه معه زميلنا عمرو هاشم.
سأله: يؤكد البعض أن المصريين لجأوا إلى التصويت العقابي ضد بعض القوى والتيارات المختلفة بالمجتمع، وكان عليه أن يحدد الإخوان والسلفيين، خاصة أنه كان ظاهرا في معاقلهم ومنها الإسكندرية، فقال: ‘هذا ظهر واضحاً في تقدم بعض المرشحين الذين لا ينتمون إلى التيار الإسلامي أو فلول النظام السابق وكان ذلك واضحاً بالإسكندرية وكفر الشيخ وهما معقل التيارات الإسلامية، كذلك حصول الإسلاميين في هذه الانتخابات على نسبة أقل بكثير من انتخابات مجلسي الشعب والشورى’. أي انه تكبر وتعالى على أن يذكر اسم حمدين صباحي، وكأنه سيمنحه شعبية أو شرفاً ان جاء اسمه على لسانه، وأضاف: ‘نجاح شفيق في الإعادة لا يمكن أن يكون إلا بالتزوير وهذا يدل على الالتفاف على الثورة، وإعادة النظام البائد، لذا فالواجب على الجميع الخروج مرة ثانية الى التحرير ولا تكون الثورة ثورة إلا بخروج كل طوائف الشعب من إسلاميين وليبراليين، وهذا هو الحل الوحيد لمنع رجوع النظام البائد’. سبب نجاح حمدين صباحيهذا ما قاله رغم أن له سلسلة مقالات في التربية يكشف فيها عن حقيقة الليبرالية وكفرها. وإذا كان فريد قد شاءت له موضوعيته ان يتكبر عن ذكر اسم حمدين، فقد ذكره في نفس العدد زميله الدكتور ياسر عبدالتواب وهو يحلل ما حدث بالقول:’قد يحدد بعض الجمهور، لتجاهل المرشح الإسلامي، الرغبة الداخلية في الانتقام من التيار الإسلامي، بسبب ممارسات يراها متخاذلة، أو غير مبررة، وأظن أن مرشحا كحمدين استفاد من هذه الرغبة كثيرا، حيث وقف في منطقة وسط بين الإسلاميين والفلول، هذا نوع من الرأي العام خارج تأثير الإعلام أو قادة الرأي، انه رأي عام تلقائي صدر كرد فعل للممارسات السابقة، لاحظ ان الإخوان مثلا لم يتحركوا بشكل واضح في أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء وما يشبهها، ولم يتعرف الناس بشكل واضح على مواقفهم من المجلس العسكري. قبل حدوث المشكلات الأخيرة ترددت أخبار عن صفقات وتفاهمات بينهما، والتيارات السلفية ايضا شاركت في تشويش الصورة، ظهر اختلافهم المعلن، لم يدفعوا بمرشح من الأساس، فوقعوا في حيرة الاختلاف بين مرفوضين أو مشكوك في قدراتهم، لم يسرعوا الاختيار ولم يفتحوا الاختيار لاتباعهم تجنباً للفرقة حيث لا ينسب لساكت قول، وإعمالاً لمبدأ، فليقل خيراً أو ليصمت، وعندما اختار بعضهم كان الخيار صادماً لكثير من شبابهم وللتيارات الأخرى فكان الجدل، ولم يفلحوا في الرد والإقناع لأنهم اعتبروا ذلك ناتجا عن شورى يراها كثيرون انها موجهة سبقت برمجتها في اتجاه واحد واستخدمت فيها فزاعات التسلط واستدعاء تاريخ الخلاف وجلسوا يقسمون الأدوار وكأنه لا عبرة لرأي الناس، فهذا للوزارة وذاك للرئاسة، ويتعجبون، ما دام كلهم إخوان، فما الحرج، كل ذلك يراقبه الناس فيقعون في حيرة، ويتشكل رأيهم الرافض لسيطرة الحركات الإسلامية، الخائف منها والشاك فيها وكان من الواجب عليهم، الإسراء بالخلافات والإلحاح على المعاني الايجابية، لقد جمع الله علينا القلوب مرة بعد مرة وقلوب العباد بيده سبحانه، فلما زادت ثقتنا في أنفسنا وقوتنا، ولما تفرق اختيارنا وتنازعنا، لما بدا حب الدنيا لما خذلنا الشباب الطاهر مرة تلو مرة، لما لدغنا من جحر واحد عشرات المرات، لما فعلنا ذلك استحققنا درساً ربانيا برؤية المشروع يتعرض للخطر، كيوم حنين إذ أعجب الناس بكثرتهم فلم تغن شيئاً، وولوا مدبرين فإنما تغلب من خالفنا بطاعتنا لله تعالى، ولو تساوينا معهم في المعصية غلبونا بكثرة عددهم، وعُددهم’. أي أن من انتخبوا حمدين وشفيق يا راجل هم من المشركين، بينما كانوا من المؤمنين في انتخابات مجلسي الشعب والشورى عندما انتخبوا الإخوان والسلفيين، ما دام قد شبه الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة بيوم حنين، لكن الغريب انه وصفهم بعد كلمات قليلة بمرتكبي المعصية، وهذا لا بأس به لأنه وصف الإخوان والسلفيين بمرتكبي المعصية أيضاً، ومخالفة طاعة الله؟
والسؤال الذي عليه أن يجيب عنه هو: ما هي المعاصي التي ارتكبوها؟
ما حدث في الإسكندرية عار سياسي يلحق بالدعوة السلفيةوقد تقدم مشكوراً زميلنا جمال سلطان رئيس مجلس إدارة وتحرير ‘المصريون’، ليجيب عن سؤال قبل عبدالتواب بأن قال يوم الثلاثاء: ‘سيظل ما حدث في الإسكندرية عارا سياسياً يلحق بالدعوة السلفية، لن يمحي إلا إذا تم تصحيح الخطأ في جولة الإعادة المنتظرة، وكان الخطأ الذي وقعت فيه الدعوة السلفية، سببه الأساسي محدودية الخبرة السياسية التي أفرزت ميوعة لا تليق في معارك الحسم السياسي ومفارق الطرق التاريخية، فقد اتخذت الدعوة وحزبها قراراً بدعم أبو الفتوح دفع ثمنها المرشح من انصراف كتل أخرى ليبرالية ويسارية، وكان يفترض أن تقطع الدعوة ورموزها أي حديث بعد ذلك لضمان قوة الاحتشاد وراء مرشحهم، ولكن بدأت تخرج أصوات لقادة ورموز سلفية تتحدث عن انحيازها بشكل شخصي لمرشح الإخوان وثقتها به ولكنها تحترم خيار الدعوة وحزبها، وتكرر هذا الكلام من أكثر من رمز مؤثر وقوي، الأمر الذي أدى الى حيرة وتشتت وغياب اليقين عن قواعد الدعوة، فرأت غالبية كبيرة أن الخروج من هذا المأزق الضميري أن لا يذهبوا للتصويت حتى لا يخالفوا رأي الشيخ من جانب ولا يعملوا ضد موقف الدعوة من جانب آخر، فكانت النتيجة العملية أن خدمت الدعوة السلفية مرشح الفلول ومنحته التفوق’. وفي الحقيقة فإن هذا التحليل خاطىء، لأن نفس الأمر تكرر بالنسبة للإخوان ومرشحهم، ذلك أن مرشدهم السابق خفيف الظل محمد مهدي عاكف أكد في أكثر من حوار تليفزيوني قبل الانتخابات بأنه يفضل مرشحا غير إسلامي، بل أن محامي الجماعة أحمد أبو بركة أكد هو الآخر أن المرشد الحالي الدكتور محمد بديع كان أثناء التصويت في مجلس شورى الجماعة ضد التقدم بمرشد من الإخوان، عندما تقرر في ثالث اجتماع للمجلس ترشيح خيرت الشاطر، وكانت نتيجة التصويت ستة وخمسون مع، واثنان وخمسون ضد، ونشر هذا علنا، بالإضافة الى ان عددا من قادة الجماعة السابقين المؤثرين مثل كمال الهلباوي وصديقينا الدكتور محمد حبيب النائب الأول السابق والمحامي مختار نوح، كانوا يؤيدون أبو الفتوح.
أسباب تراجع التأييد للسلفيينأما نادر بكار أحد المتحدثين باسم حزب النور – فقد شرح يوم الثلاثاء في ‘اليوم السابع’ أسباب تراجع التأييد بقوله: ‘المتابع للحالة السلفية يسهل عليه أن يفهم لم كانت حشود السلفيين أضخم في حالة الانتخابات التشريعية من مثيلتها في الرئاسة، ذلك ان القواعد السلفية ضخمة العدد بلغت أوج حماسها إبان الانتخابات التشريعية لعوامل كثيرة من أهمها انها كانت تمثل بالنسبة للتيار السلفي أول تجربة سياسية يبحث فيها عن إثبات وجوده وتقدير مشروعه، وكان الهدف مدعوما بضغط الأيديولوجية من أجل وضع دستور يعبر عن هوية الوطن ذات الطابع الإسلامي، أما في حالة الرئاسة، فالأمر كان مختلفاً إلى حد كبير، فمنذ اليوم الأول لطرح فكرة الرئاسة، ونحن نسأل أنفسنا، هل تتحمل مصر رئيساً منتمياً للتيار الإسلامي؟ واستعرضنا في سبيل ذلك تجارب غيرنا خلال العقود المنصرمة، ووازنا بين المصالح والمفاسد ورأينا انه من المناسب أن يكتفي التيار الإسلامي بمكسب غير مسبوق في المجالس التشريعية، وأن ينأى بنفسه عن خطورة تحمل مسؤولية الرأس التنفيذية في هذا التوقيت شديد الخطورة، واخترنا أن ننهي حالة الاحتقان الموجودة بالشارع لذا أردنا مديراً تتوافر فيه صفات القيادة ويحقق استقرارا للجميع نتمكن فيه من الوصول الى عموم الناس بدعوتنا ومنهجنا أكثر وأكثر في مناخ من الهدوء يسمح بوصول المعلومة سالمة غير مشوهة عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: ‘خلوا بيني وبين الناس’، لكن كتيرة هي أعداد من يقرأ منذ البداية اننا لسنا بصدد اختيار خليفة للمسلمين، وانه بغض النظر عن هوية الرئيس القادم، فإن عصر القائد الملهم المسدد الذي تهرول الملايين من خلفه إذا ما مكن له الانطلاق يمنة أو يسرة لهوى في نفسه، قد ولى بغير رجعة، لنبدأ حقبة من العمل المؤسسي ينضبط فيه الخط العام لسياسة الدولة على أساس مصالح وطنية عليا يسهم الرئيس فقط في ابتكار ما يعينه على تحقيقها، وهذا الصنف من الناس تحديدا أصابه من الفتور ما أصابه بعد اختيارنا هذا ولا سيما بعد خروج مرشح الرئاسة الذي كان يعني له على الأقل الصورة المجسمة لحلم الخلافة، وأقصد الشيخ حازم في هذا المقام، أضف إلى ذلك حملة شرسة غير مسبوقة للنيل من ديانة أبو الفتوح نفسه، والترويج على بسطاء التيار السلفي ان قياداتهم باعت المنهج القويم بترشيحها من يقوم في التزامه وتخلت عن من هو أفضل منه، فكان أن ثبطت همم نصف التيار السلفي، فلم يبرح بيته يومي الانتخاب أصلا أما النصف الآخر، فكان بين ملتزم أدبيا بشورى حزبه ودعوته وآخر مجتهد يرى الصواب في إعطائه صوته لمرشح آخر’. هذا هو تقييم نادر بكار، لموقف جمعية الدعوة السلفية وذراعها السياسية حزب النور، لما حدث في الانتخابات، إلا أنه تجنب الاقتراب من منطقة اللهب التي باتت تلسع الإخوان والسلفيين، وهي أن تحولا حدث في مشاعر الناس العاديين ضدهم بسرعة لم تكن في خيالهم، وتحمل نهاية أحلامهم إذا ما ازدادت وتعمقت، سوف يظلون قوة سياسية رئيسية، وهذا صحيح، لكن أغلبية تعتقد ان تولي الحكم وفرض الخلافة، فقد ولت، لمن يريد أن يرى ما يحدث في مصر بعين فاحصة ومجردة.
إسلام سياسي يريد أن يطفىء نار الحضارة المصريةوننتقل الآن إلى ردود الأفعال المتناقضة في كل صحيفة ومجلة حول مرسي وشفيق، وتحليل ما حدث، ونبدأ من مجلة ‘آخر ساعة’ التي تصدر عن مؤسسة ‘أخبار اليوم’ القومية، مع الجميلة زميلتنا وفاء الشيشيني التي رفضت الاثنين قائلة: ‘الاختيار أمام إسلام سياسي يريد أن يطفىء نار الحضارة المصرية، وجذوة الحياة والفن والحرية أو القبول بعودة رجال مبارك وعلى عينك يا تاجر؟ هل تتصورون إننا سوف نرضى بقانون الطوارىء وعودة المعتقلات، وممارسات ضباط أمن الدولة وتحكمهم في الحياة والخطف وتعذيب الشباب حتى الموت في أقبيتهم المظلمة، لم يعد الرئيس فرعوناً، ترتعش القلوب لذكر اسمه المقدس، هذا هو انتصار الثورة – سواء من ادعى انه يحكم بالحق الإلهي، أو لبس بلوفر ونظر إلينا من عل وألقى علينا بالبنبوني، لنتسلى، وسوف نتسلى عليهما معا’. طبعا سوف نتسلى عليهما مثلما نتسلى بقزقزة اللب، خصوصا اللب الأبيض لأني أفضله على الأسمر صغير الحجم.
الشباب لن يسمحوا بسرقة حلمهمأما الجميلة الأخرى زميلتها هالة فؤاد، فقالت عن النتيجة: ‘لم تكفنا سنوات من صمت الحملان، ونريد أن نزيدها سنوات من أعمارنا الفتية لنعيش على أنعاش حلمهم بدعوى الاستقرار، لا أعتقد أن أحدا يمكنه النيل من عزيمة هؤلاء الشباب، طريقهم واضح وعزيمتهم لا تلين وإرادتهم صلبة، لن يسمحوا لأحد بسرقة حلمهم، لن يسمحوا لأحد بإعادة تدوير النظام القديم، لن يسمحوا لأحد أن يصعد على دماء شهدائهم، لن يرفعوا رايات الاستسلام، لن تسمح بظهور وتكرار تجربة الحزب الوطني حتى لو اختفى وراء شعارات وأقنعة دينية، لن تصافح يد الإخوان الممدودة إلا إذا قدمت تنازلات واضحة تعيد بها ثقة أصبحت على المحك من كثرة ما ارتكبته الجماعة من خطايا في حق الثورة’. طبعا، طبعا، ولا بد من توثيق هذا التعهد المكتوب في الشهر العقاري وضمان موظفين حكوميين لا يقل مرتبهما عن ألف جنيه في الشهر.
الانتخابات بعد اربع سنوات ستحدد مصير الديمقراطية المصريةثم نتحول إلى جريدة ‘القاهرة’ التي تصدر كل ثلاثاء عن وزارة الثقافة، وزميلنا وصديقنا عاصم حنفي بمجلة ‘روزاليوسف’ وقوله في بابه ـ رحرحة ـ: ‘لم تكن سوى مجرد هزيمة، لكن مصر لا تسقط، ليست هي الثمرة اليانعة التي يتلقفها المتطرفون المهووسون دينياً، أو هي المغنم الذي يسعى إليه الانتهازيون من أعداء التقدم، الذين يسعون لشدنا للوراء.
وهذه الجولة الأولى للانتخابات لم تسفر عن اختيار المرشح الذي نتمنى، من المؤكد والحتمي والواقعي أن الانتخابات القادمة بعد أربع سنوات، سوف تكون الأقوى وقد تدرب المواطن وتعلم في سنة أولى ديمقراطية، وعرف كيف يختار المرشح الأفضل وسط زحمة كدابي الزفة من المرشحين، سوف يكون اختيارنا في المستقبل بين برامج واضحة محددة للمرشحين، وسوف تنتهي تماماً ظاهرة الفلول من حياتنا السياسية، وسوف ينحسر نفوذ المتطرفين دينياً وقد انحسرت عنهم الأقنعة فإذا بهم انتهازيون نهازون للفرص، يستخدمون شعارات التدين وفتاوى التكفير من أجل مصالحهم الشخصية!!’. من فاشية عسكرية الى فاشية دينيةوإلى ‘أخبار’ الخميس، ومدحت العدل وقوله: ‘يخيرونك بين فاشية عسكرية وفاشية أسوأ منها هي الفاشية الدينية التي – إن حكمت – سوف تصبح أيضاً عسكرية وسوف تتغلغل في مفاصل الدولة، المحافظون إخوان، المجالس المحلية إخوان، ثم يدفعون بأبنائهم للجيش والداخلية ليصبحوا من الإخوان، وتذكر أن الحاكم ليس بحاكم، إنما محكوم من أبينا الذي في المقر – أي المرشد – ومن يدفع للجميع أبونا الذي في الخارج. نذكر أن مناهج التعليم سوف تتغير وأننا جميعاً سائرون للظلام ونذكر أن الخيار الآخر أن يعود مبارك مجللاً بالفخار وباقي سجناء طرة، رأيتهم بعيني في تكبر وتجبر السيد رئيس اللجنة العليا للانتخابات الذي كان يكلم الصحفيين بتعال غريب والأغرب أنهم قبلوه’. مرسي قدم تطمينات كبيرة ستفيده بالجولة الثانيةوفي نفس العدد، قال زميلنا الساخر عبد القادر محمد علي ‘التعهدات العشرة التي قطعها على نفسه الدكتور محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين للرئاسة ربما ترضي طموحات بعض المصريين الذين جافاهم النوم بعد إعلان نتيجة الجولة الأولى للانتخابات وصعوده للمقدمة، كل الذين سمعوا تعهداته في مؤتمره الصحافي أصابتهم الدهشة، وتصوروا أن المتحدث هو حمدين صباحي، حكومة لا يرأسها إخواني، لا فرض للحجاب، مستشارون ونواب للرئيس من الأقباط، دستور يعبر عن جميع المصريين، إعادة النظر في تشكيل الجمعية التأسيسية، وغير ذلك من الوعود التي يتسق معظمها مع مطالب الشعب وتجعل من يسمعها يظن أن الدكتور مرسي قرر تطليق الإخوان بالثلاثة، ثم يصل الأمر الى قمة الإثارة عندما يؤكد أن تعهداته وثيقة يلتزم بها أمام الشعب، عيني في عينك يا مرسي؟!’. ولا نعرف هل يقبل الدكتور مرسي تحدي عبد القادر له ويقول له وهو يبحلق فيه: وآدي عيني في عينك يا خفيف الظل.
أحترم الدكتور مرسي لكن صوتي للفريق أحمد شفيقلكن بعد تبادل النظر في الأعين بين مرسي وعبد القادر اختار محمد بركة في ‘اليوم السابع’ شفيق يا راجل، وبرر ذلك بالقول: ‘أحترم الدكتور مرسي، لكن صوتي للفريق أحمد شفيق، لأنني لا أريد أن تسكر الإخوان بخمر السلطة، ولا عودة النظام السابق من خلال ‘تكويش’ فصيل واحد على جميع مفاصل الدولة، ولا أن نطرد الحزب الوطني من الباب، فيعود إلينا بمكياج ديني من الشباك. أدعو عقلاء الجماعة إلى الكف عن الترويج لأكذوبة أن الدكتور مرسي رمز الثورة، فقد كان أول من خذل الثوار، وتواطأ مع المجلس العسكري رغباً ورهباً، لا أنسى يوم 25 يناير ‘الذكرى الأولى للثورة’ فقد خرجنا إلى التحرير في مظاهرات غضب تطالب بالقصاص للشهداء، واستكمال مطالب الشعب، فإذا بالإخوان ينزلون لتوزيع الشيكولاتة والورود، وجعلوا التظاهرات مجرد مناسبة للاحتفال بنجاح الثورة! لماذا؟ لأنهم كانوا قد حصلوا على الأغلبية في البرلمان، وأرادوا أن يردوا الجميل للمجلس العسكري، أخيراًَ، المعركة ليست بين مرسي وشفيق في جولة إعادة، بل هي صراع على شكل الدولة المصرية، إما دينية أو مدنية!’. كان من المتوقع أن تكون الإعادة بين مرسي وصباحيلكن زميلنا هشام الصواف رئيس تحرير مجلة ‘الكواكب’ الفنية، رفض ذلك بشدة، ومال ناحية مرسي بقوله: ‘لم أتوقع أبداً أن يحصد أحمد شفيق ملايين الأصوات ليصعد لمنافسة الدكتور محمد مرسي في جولة الإعادة لانتخابات رئاسة الجمهورية في منتصف الشهر القادم، كان من المتوقع أن تكون الإعادة بين مرسي وصباحي، أو مرسي وأبو الفتوح، أو صباحي وأبو الفتوح أو صباحي وموسى ولكنها كانت مفاجأة محزنة ومخزية في نفس الوقت، كيف تجاهل الملايين ثورة مصر العظيمة ودماء الشهداء والمصابين لينتخبوا أحد أعمدة النظام البائد، كيف يكون رئيس مصر القادم هو آخر رئيس وزراء في عهد المخلوع، ورئيس وزراء مصر في ‘موقعة الجمل’ التي كان يجب أن يقف خلف القضبان بسببها مع سرور والشريف والعادلي ومبارك وسليمان وغيرهم، لم اصدق النتائج، لم اصدق هذه الأرقام كيف استطاع شفيق وكثير من صحفيي لجنة السياسات ولجنة الإعلام ولجنة التثقيف السياسي بالحزب الوطني المنحل الذين يديرون الحملة الدعائية له أن يحققوا مثل هذه النتيجة، يبقى فقط تحالف كل القوى السياسية خلف د. محمد مرسي في معركة الإعادة لأن الإخوان جزء أصيل وعمود أساسي من أعمدة الثورة وقاموا بأدوار رائعة يوم 28 يناير وهو الميلاد الحقيقي للثورة، كما قاموا بدور أكثر روعة يوم ‘موقعة الجمل’ وقبل ذلك كانوا جزءاً من الجمعية الوطنية للتغيير مع د. محمد البرادعي وحمدين صباحي وبالطبع كان معهم د. عبدالمنعم أبو الفتوح ولذلك لابد من وقوف حمدين صباحي وأبو الفتوح مع مرسي بقوة في حملته الانتخابية’. هزيمة الإخوان بأهم مواقعهم وهي محافظة الغربيةولأن الكواكب تصدر عن مؤسسة دار الهلال فقد سمعت صوتاً صادراً عن مجلة أخرى تصدر عنها هي ‘المصور’، حيث قدم فيها زميلنا مصطفى الشرقاوي أسباباً عن هزيمة الإخوان في واحد من أهم مواقعهم وهي محافظة الغربية، وقال في تحقيق له: ‘ارتبكت المكاتب الإدارية للإخوان في محافظة الغربية من مفاجأة الصناديق التي منحت شفيق الأغلبية، فلم يكونوا يتخيلون أن شعب المحافظة التي يعتبرونها واحدة من المعاقل المغلقة على الإخوان سينفضون أيديهم من مرشح الجماعة ويتجهون الى المرشح الموصوف بالفلول، لكن المفاجأة التي أصابت الإخوان يعتبرها أبناء الغربية، جزءا من الغرور، ودليلا على أنهم لم يتعلموا الدرس، فما حدث في الصندوق لم يكن سوى عقاب لنواب الحرية والعدالة وانتقاماً منهم على تجاهلهم لمطالب دوائرهم وانشغالهم بالمصالح المرتبطة بالجماعة، أمام هذا الغضب الغرباوي وجد بقايا الوطني الفرصة سانحة لهم للترويج لشفيق في وقت ابتعد فيه نواب الإخوان عن مواطني الغربية بدرجة كبيرة في الآونة الأخيرة وصمم شباب الثورة والألتراس وطلبة الجامعات على عدم تغيير خطابهم المضاد دائماً للقوات المسلحة، فجاءت النتيجة شفيق أولاً بأكثر من أربعمائة وعشرين ألف صوت وتلاه صباحي ثانياً بحوالى ثلاثمائة وثمانية آلاف صوت، في حين حصد مرسي مائتين وخمسة وأربعين صوتا فقط من الغربية رغم انها أهم معاقل الإخوان الانتخابية ولهم فيها أكثر من اثني عشر عضوا في مجلس الشعب وأربعة مقاعد للشورى في الغربية’.