«قصر العيني» يحتاج خطة عاجلة لإنقاذه… ومخاوف من بيعه… وتأخر صرف مستحقات أطبائه

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: ما زالت حالة الفرح بالشهيد الذي ارتقى للسماء تتزايد، إذ يغلب الحديث عن “موقعة العوجة” على حديث الكثير من المواطنين، الذين ينتابهم الكثير من التعاطف والشعور بالفخر لدفاع الجندي محمد صلاح عن موقع الحراسة الذي كان مكلفا به، خلال نوبته، فيما شهدت أوساط الكتاب مزيدا من الجدل حول الواقعة الفارقة، خاصة بالنسبة لما تشهده فلسطين الباسلة في مواجهة العدو المغتصب، ويرى كثيرون أن الحادث كشف أن كل محاولات تسويق السلام وتجميل وجه إسرائيل لم تسفر عن أي تغيير، وما زال الرأي العام ينظر لها باعتبارها العدو التاريخي للأمة العربية.
ومن أخبار مؤسسة الرئاسة: وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي العاصمة الأنغولية لواندا، كأول رئيس مصري يزور أنغولا، في مستهل جولة تشمل أيضا زامبيا وموزمبيق. ويعقد السيسي في العاصمة لواندا مباحثات ثنائية مع نظيره الأنغولي بهدف بحث آليات تعزيز أوجه التعاون الثنائي مع مصر، وكيفية التعامل مع مشاغل القارة الافريقية، فضلا عن مناقشة مستجدات القضايا والملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وسبل التعاون لبلورة أطر العمل الافريقي المشترك، بهدف دفع عملية التنمية وتعزيز الاندماج الاقتصادي في القارة.. ومن أبرز تصريحات أمس الأربعاء: أعلن مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك، تأسيس حزب سياسي جديد تحت مسمى الإخلاص، من أجل مساعدة الدولة على التصدي للخارجين عن القانون. وقال مرتضى منصور خلال مؤتمر صحافي: “تأسيس حزب جديد اسمه الإخلاص، وهذا ليس له علاقة بالدين، ولكن هدفه الإخلاص في كل شيء، يخص الوطن والدين”. وأشار منصور إلى أنه يقف مع مؤسسات بلده لأن مصر وطنه، ويطالب الجميع بعدم الالتفات للممولين من الخارج للهجوم على مصر. وتابع مرتضى: “شعب مصر واع، ويحافظ على أمان وطنه ولن يكرر أحداث الشغب”. ومن أخبار المؤسسة الدينية: اقتحمت وزارة الأوقاف عالم الفضاء الإلكتروني من خلال تدشين (35) صفحة وموقعا وقناة على مواقع التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني، فضلا عن مواقع وصفحات المديريات والإدارات التي نشطت نشاطا كبيرا، خلال الفترة الماضية. ومن أخبار الدولة: التقت الدكتورة رانيا المشاط وزيرة التعاون الدولي، وفد دولة الأرجنتين الذي ضم كارلا فيزوتي وزيرة الصحة، والسفيرة سيسيليا توديسكا سكرتيرة العلاقات الاقتصادية الدولية في وزارة الخارجية الأرجنتينية، وجونزالو أوريولابيتا السفير الأرجنتيني في القاهرة، وعددا من المسؤولين بمشاركة شيريهان بخيت معاونة وزيرة التعاون الدولي للإشراف على ملف الأمريكتين وأوروبا، وشهد اللقاء استكشاف سبل تعزيز التعاون بين البلدين.
حارة عطيتو

حين وصلت بسمة رمضان في “المشهد” لحي “عين شمس” سألت عن حارة عطيتو المتفرعة من شارع الشهيد أحمد عصمت، وهناك عثرت على عشرة أشخاص، هيئتهم تدل على عدم انتمائهم لتلك الحارة، ولا أنهم من أقارب الشهيد محمد صلاح، لأنهم لو كانوا من أقاربه فلماذا لا يأخذون العزاء مع أهله؟ تابعت لأنني كنت أرتدي ملابس سوداء وأسأل عن منزل الشهيد، فوجئت بمجموعة صغيره من الشباب تتراوح أعمارهم بين 20 و25 عاما يرتدون تيشرتات وبناطيل جينز وعددهم حوالي خمسة، وقالوا لي نصا “حضرتك عاوزه تعزي” قلت لهم: نعم، وبالفعل اصطحبوني إلى منزل الشهيد الموجود في أول “حارة عطيتو”. هي عبارة عن حارة ضيقة جدا، لا يعقل أن يتم إقامة عزاء فيها، في وقت عصر اليوم لم تكن توجد من الأساس آثار تدل على إقامة عزاء، ولا قرآن تم تشغيله طوال فترة وجودي التي استمرت نصف ساعة، ولا يوجد أمام منزل العائلة سوى أقل من عشرة كراسي يجلس عليها بعض الشباب. في مدخل المنزل الضيق تفاجأت بشاب في العشرينيات ورجل في أواخر الأربعينيات، وقالوا لي نصا “ممكن نتعرف على حضرتك” عرفتهم بنفسي، فقالوا لي: حضرتك نورتينا وهندخل حضرتك عزاء الحريم لوالدته، لكن لن نتحدث عن أي شيء وكل المعلومات قمنا بكتابتها عبر صفحاتنا علي الفيسبوك، ولن نتحدث عن أي شيء نهائيا، ونطلب من حضرتك عدم تصوير والدته أو تصوير العزاء حتي لا تحدث لنا أي مشاكل.

أم الشهيد

بالفعل دخلت بسمة رمضان المنزل في الدور الأرضي، حيث قابلت والدة الشهيد التي كانت تبدو تائهة بعض الشيء وكأنها لا تدرك ما يحدث حولها، كانت في صالة الشقة المكونة من غرفة وصالة، ومعها مجموعة من السيدات وبعض الفتيات الصغيرات، ومن الواضح أن كل هؤلاء من أهل المنزل، فلا يوجد أحد من خارج المنزل لأن الشاب الذي اصطحبني لداخل الشقة، كان يقول للسيدة التي كانت تجلس في الصاله يا “عمتي” بعد ذلك نادى الشاب نفسه والدة الشهيد وقال لها يا “أمي” أريدك ثانية، شعرت حينها أنه كان يوصيها بعدم التحدث معي نهائيا. والدة الشهيد سيدة شابة، يتضح من ملامحها أنها لم تتجاوز الأربعين من عمرها، كانت تجلس في حالة ذهول على كرسي لأخذ العزاء في نجلها، وكأنها لا تصدق ما يحدث حولها، كل ما كانت تفعله هو النظر إلى صورة ابنها الشهيد على شاشة تليفونها وتدمع عيناها، ثم تنظر الي الحاضرات اللاتي لم يتخط عددهن عشر سيدات وتنظر إليّ في هدوء تام وكأنها لا تصدق أي شيء. حينما قررت الانصراف لئلا يكون وجودي مثار قلق لأسرة الشهيد احتضنت والدته، وقلت لها: اعلمي جيدا أن نجلك شهيد ونيابة عن الجميع تقبلي عزائي، قالت إنها راضية كل الرضا عن نجلها وإنها كانت تحبه كثيرا لأنه كان بارا بها، وحينما سألتها عن نجلها الآخر وعمه (بعدما ترددت شائعات القبض عليهم) قالت لي: إنهم الحمد لله بجانبها يأخذون عزاء الشهيد، واعتذرت لي عن عدم التسجيل أو التحدث عن أي شيء يخص نجلها الشهيد. التزمت بكل ما تطلبه هذه الأسرة الكريمة التي أنجبت بطلا.. وانصرفت دامعة العينين.

عدونا الأبدي

نتائج حادث “العوجة” لا أول لها ولا آخر وبدوره أحصى أحمد رفعت بعض تلك النتائج في “فيتو”: الحكم على جيل الألفينات حكما عاما غير عادل فضلا عن كونه غير دقيق.. الحكم على الاختيارات والانحيازات من خلال الملبس أو السلوك الشخصي خاطئ، ولا يصل بنا إلى الصورة الصحيحة.. غير صحيح أن هذا الجيل غير مرتبط بقضايا أمته جاهل بتاريخه منفصل عنهما.. كثيرون منهم على خط الوطن فقط ينتظرون لحظة الضرورة للتعبير عن طاقاتهم وطريقتهم التي اختاروها للتأكيد على وطنيتهم.. أطاح الحادث – وفقا لردود الأفعال الشعبية – بكل أوهام إمكانية التعايش مع العدو.. حطّم الحادث وهما اسمه الحاجز النفسي في محاولة لتفسير الصراع.. أكد الحادث رغبات الانتقام المكبوتة – بحكم ما نسميه تقدير موقف سياسي – قصاصا من جرائم العدو التي لا تتوقف.. ولكن فارت هذه المشاعر وتفجرت فور وقوع الحادث، بصيغة أن ما جرى قد جرى، لا مستقبل لكيان عدواني في حالة صدام دائم بمحيطه.. فالكيانات السياسية تحكم على نفسها بالموت، أو بالفشل حين تعزل نفسها إراديا أو حين يعزلها محيطها.. أكد الحادث وحدة المشاعر العربية.. فما قاله المصريون وباقي الشعب العربي عن الأردني البطل أحمد الدقامسة قبل سنوات هو عينه ما قاله حرفيا الأردنيون وباقي الشعب العربي عن محمد صلاح مؤسساتنا كبيرة.. تعمل وفق أسس وقواعد راسخة شديدة الانضباط حتى في بياناتها.. بخلاف الآخرين كثيرة هي النتائج.. وتستمر الصيغة الشهيرة القديمة الجديدة للدول والحكومات التزاماتها وللشعوب خياراتها ويضرب شعبنا من جديد المثال المليون على أصالته، وصدق مقولة المخزون الحضاري القابل للاستدعاء عند الاحتياج التاريخي، وفي أقل من لحظات لا تهزم أمة هذه طليعتها.. وبغض النظر – للمرة الثانية – عن نتائج التحقيقات.. فرد الفعل الشعبي حادث في ذاته.. مشتق صحيح من حادث الحدود وبسببه.. لكنه ومنذ الساعة الأولي له.. منفصل تماما عنه ويحتاج.. رغم وضوحه وبساطته وعفويته.. لأكثر قواعد علم الاجتماع والاجتماع السياسي عمقا.

شهيد ونفتخر

رغم أهمية حادثة الحدود المصرية الإسرائيلية، التي استشهد فيها جندي الشرطة المصري محمد صلاح، فإن الدكتور أسامة الغزالي حرب في “الأهرام”، لم يكن ينوي الحديث عنها لقلة ما كان متاحا من معلومات دقيقة في البداية. تابع الكاتب، غير أنني أدين بالفضل للواء الدكتور سمير فرج الذي شهدت وسمعت لقاءيه على قناة “صدى البلد” مع كل من المذيعة عزة مصطفى في برنامجها «صالة التحرير»، ومع الزميل أحمد موسى في برنامجه «على مسؤوليتي» ما أتاح الحد المعقول من المعلومات عن الحادث (فضلا عما أخذ ينشر بسرعة على كثير من المواقع الإعلامية الأخرى) إلى جانب الأنباء والتعليقات الوفيرة الصادرة عن الإعلام الإسرائيلي. إنها ببساطة قصة جندي شرطة مصري كان يقوم بواجبه على الحدود المصرية الإسرائيلية في تعقب مهربي المخدرات، وأدت تداعيات تعقبه لمهربين إلى قتل ثلاثة جنود إسرائيليين، وإصابة اثنين آخرين، ثم إطلاق النار عليه هو، من الجانب الإسرائيلي واستشهاده. لقد سلّم الإسرائيليون جثمان محمد صلاح إلى السلطات المصرية، التي سلمتها بدورها إلى أهله ليدفن في مقابرهم في القليوبية يوم الاثنين الماضي. وكان من الطبيعي أن تثير الحادثة رد فعل هائلا في إسرائيل، أعتقد أن توابعه سوف تستمر طويلا، خاصة لما كشفته من قصور أمني فادح وغريب غير أن ما جذب انتباهي بقوة هنا هو شخصية ذلك الشاب، وفق ما عرفنا عنه إنه شاب مصري عادى ضمن ملايين الشباب المصريين، من منطقة عين شمس، كان أبوه يعمل في هيئة النقل العام، حصل فقط على الإعدادية، وكان يعمل في النجارة وأعمال الألومنيوم، ويهوى الرسم. كلها أمور عادية متصورة من شاب مهتم بالشأن العام، وقد شاءت ظروف تجنيده أن يوجد على الحدود المصرية مع إسرائيل، ليحدث ما حدث ويصير محمد صلاح بطلا وشهيدا يحق لنا جميعا أن نفخر ونعتز به.

الفلسطينيون أولا

الاستنفار الحاد الذي حدث مطلع الأسبوع الحالي على الحدود المصرية – الإسرائيلية أيا كانت مسبباته، ستكشف عنها التحقيقات الجارية، وبدوره يرى أسامة سرايا في “الأهرام”، أن توابع ما جرى لاحقا كان أكثر دويا من الحادث نفسه، بل الأكثر اهتماما لدى الشارعين المصري والإسرائيلي، وعلى مستوى وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية؛ لأسباب عديدة، بعضها تاريخي بين البلدين، حيث كان مسرحا للحروب على مدى عقود (1948- نهاية الثمانينيات) ثم استقرت الأمور بـ«اتفاقية سلام» منذ نهاية الثمانينيات. علاقات مصر وإسرائيل دخلت في السنوات الأخيرة مجالات ثابتة، ومستقرة، أهمها أن مصر تلعب دورا رئيسيا في وقف أي عمليات عسكرية، أو تؤثر على الحدود بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، وأن مصر أصبحت على المستوى العالمي مرجعية في هذا الإطار المهم، رغم استمرارها في دعم حقوق الشعب الفلسطيني العادلة للوصول إلى دولته المستقرة، وهو نوع من الاستقامة السياسية، ووضوح الرؤية الاستراتيجية لدى كل الأطراف يندر وجوده في عالمنا الآن. هذا الحادث المؤسف، كانت ردود أفعاله المصرية تتسم بالثبات، ووضوح الرؤية، وتبادل التعازي على مستويات كبيرة مع المسؤولين الإسرائيليين، وكان إعلامنا على مستوى المسؤولية، فنحن أمام علاقات جيدة، واستقرار أمنؤ، ولكن الحادثة الحدودية يجب أن تكشف للإسرائيليين أبعادا كثيرة قد تكون غائبة عنهم.. إنهم يجب أن يبعدوا الصراع السياسي، والعسكري في القضية الفلسطينية عن الشارع الإسرائيلي، وعن التطرف بكل أوجهه، لأنه ليس لعبة للسياسيين داخليا يستخدمونها في الانتخابات متى شاءوا، وأن الانتقادات التي خرجت من إسرائيل في هذا الحادث هي فوق طاقته، وتحمله أوجها عديدة، ولعل إسرائيل تدرك أن حماية حدودها ليس بالمناورات العسكرية فقط، مهما تبلغ دقتها، أو تسليحها، ولكن بالتسليم بإقامة علاقات ودية، وتعاون مشترك مع كل الأطراف، يفتح للشرق الأوسط آفاقا تتطلع إليها الشعوب، أولها حقوق الفلسطينيين في دولتهم، وإنهاء الصراع على القدس بالتسليم بحقوق كل الأديان، وانتقال القدس الشرقية لأصحابها الفلسطينيين.. تلك هي روشتة لحالة الاستقرار، والأمن الدائم، فهل هناك عقول تقرأ بدقة المتغيرات الإقليمية والعالمية، والتكيف معها؟

ليس سعيدا

نقل محمد الدمرداش في “فيتو” قول الدكتور مصطفى الفقي، المفكر السياسي، على ما فعله الجندي المصري على الحدود مع إسرائيل، قائلا إنه ليس سعيدا بتصرفه وليس سعيدا أيضا بتصرفات تل أبيب. قال ذلك خلال لقائه مع برنامج “يحدث في مصر”، وأضاف لا نريد شيئا يعكر صفو المنطقة والتعايش المشترك مع الجانب الإسرائيلي، وفي المقابل نريد حدا أدنى من احترام الحياة الطبيعية للإنسان الفلسطيني والعربي عموما. المصريون لديهم مخزون طويل من الحروب مع إسرائيل، لست سعيدا بتصرفات إسرائيل وبتصرف الجندي، هو أحد أبناء مصر انفعل وفي ذهنه أمور معينة، لكن علينا أن نحترم الحدود مع اتفاقية السلام، ولو أخطأ شخص نحاسبه. مشيرا إلى أن عدم تقبل الشعب المصري لإسرائيل أمر متوقع منذ التوقيع على اتفاقية السلام، قائلا: “الشعب المصري أول من يوقع وآخر من يطبع”، وأوضح أن «المصريين لديهم مخزون طويل من الحروب مع إسرائيل، ومخزون ضخم لصالح القضية الفلسطينية، باعتبارها مصيرية”، منوها: الحب لا يشترى ولا يفرض بقرار أو اتفاقية.

انقذوا هذا الصرح

يتشرف ويفخر الدكتور صلاح الغزالي حرب في “المصري اليوم”، بانتمائه إلى كلية طب القاهرة- قصر العيني – وهي أول مدرسة طبية أُنشئت في مصر في عهد محمد علي باشا عام 1827، قد سُمى المستشفى نسبة إلى أحمد العيني باشا، الذي تبرع بقصره للكلية، حيث أُنشئت عليه المدرسة الطبية في مصر، وأصبحت تشمل الآن حوالي 11 مستشفى متنوعا، وكان آخرها مستشفى قصر العيني التعليمى الجديد (الفرنساوى)، الذي تم افتتاحه بحضور الرئيس الأسبق مبارك مع الرئيس الفرنسي، في 18 أبريل/نيسان عام 1996، ويتكون من 12 طابقا، وأصبح مع غيره من مستشفيات قصر العينى الملاذ الآمن لغالبية المصريين من كل محافظات مصر، وأتذكر أنى في مرحلة التجريب للمستشفى انتقلت مع زملائي في وحدة الأمراض الباطنة، بقيادة الراحل العظيم، أستاذنا الدكتور رشاد برسوم، ومرضى الوحدة من القصر القديم إلى الجديد، بما فيه من خدمات ورعاية على أعلى مستوى، وبالمجان.. ولم تستمر سعادتنا طويلا حتى تم الافتتاح الرسمى، الذي أعلنت فيه الدولة أن العلاج كله بأجر، فانسحبنا جميعا إلى حيث كنا، وطلبت مقابلة الدكتور فتحى سرور رئيس مجلس الشعب في هذا الوقت، وأعلنت رفضي هذا الاتجاه، ولم تفلح المحاولة، وتولى زميل العمر الأخ الفاضل، أ. د. فؤاد النواوي، قيادة المستشفى قيادة حكيمة جذبت الكثيرين إليه، وأصبح درة المستشفيات الجامعية.. ومرّت السنوات، وداهمتنا أزمة فيروس كورونا، وتحول المستشفى كله إلى مكان للعزل، وحدثت تغيرات سلبية كثيرة، ومنها زيادة أعداد الموظفين من حوالي 400 فرد إلى ما يقرب من 3500 فرد، ما زاد من العبء المالي، وتأخرت مرتبات هيئة التدريس العاملين فيه، كما أصبحت المُعَدات والأجهزة الطبية في حاجة إلى تغيير، وكذلك مصاعد المستشفى، كما تكررت أزمات نقص الأدوية في الصيدلية الداخلية، وأُغلقت الصيدلية الخارجية، دون سبب واضح، ما أدى إلى نقص ملحوظ في أعداد المترددين على المستشفى.

مهدد بالبيع

منذ أسابيع قليلة، التقى للدكتور صلاح الغزالي حرب، ومن أجل إنقاذ هذا الصرح “قصر العيني” الدكتور محمد الخشت رئيس الجامعة، في صحبة الدكتورعبدالجليل مصطفى، للسؤال عما يمكن عمله باعتبار المستشفى تابعا لجامعة القاهرة، وكذا أسباب تأخر وصول الأدوية الخاصة بعلاج أعضاء هيئات التدريس، وعلمت أن الدكتور الخشت طالب، في اجتماع لجنة التعليم والبحث العلمي في مجلس النواب، بدعم إضافى 50 مليون جنيه في الموازنة الجديدة 2023- 2024، وقال إن الجامعة تحملت عن ميزانية الدولة ما يفوق 20 مليون جنيه، كما أنه اتفق مع البنك الأهلي على تمويل بمبلغ 20 مليون جنيه.. ولكن يبدو من الواضح، وللأسف الشديد، أن تحركات الإنقاذ تأخرت كثيرا، وأن هناك حاجة مُلِحّة لتدخل الدولة السريع من أجل عودة النشاط والحيوية إلى هذا المستشفى، وأتعجب كثيرا من عدم تدخل وزير التعليم العالي طوال هذه المدة باعتباره المسؤول عن المستشفيات الجامعية، وأطالب بضرورة دراسة أسباب التدهور والإهمال، والسماح بتعيين هذا العدد الكبير من الموظفين، وإغلاق الصيدلية الخارجية، كما أطالب بتدخل وزير المالية لوضع خطة مالية بالتعاون مع البنوك، لكى يعود المستشفى الملجأ الآمن لكل مواطن مصري، بعد أن توحشت معظم المستشفيات الخاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي نمر بها، كما لا ننسى أنه الملاذ الوحيد لكل أعضاء هيئة التدريس في طب القاهرة وكليات جامعة القاهرة، وأدعو الله ألّا تصدق شائعة التفكير في بيع هذا الصرح، وهو ما لا نقبله جميعا من أجل المريض المصري.

أمل عسير

الآن وقد أوشك العام الدراسي على الانتهاء، وجرت وتجري الامتحانات النهائية في غالبية، إن لم يكن في كل المراحل التعليمية، ولم يتبق غير الثانوية العامة، التي بدأت الاستعدادات الفعلية لإجرائها خلال الأيام القليلة المقبلة. وفي ظل ذلك يراود محمد بركات في “الأخبار” أمل كبير في أن نشهد مع بداية العام الدراسي الجديد، أو العام الدراسي الذي يليه على أقصى تقدير، واقعا تعليميا وتربويا جديدا، يحمل في طياته وأساسه وجوهره خطوات تنفيذية دقيقة وواضحة، لخطة إصلاحية شاملة ومتكاملة لتطوير التعليم والنهوض به في كل مستوياته ومراحله، الأساسية والثانوية والفنية وحتى الجامعية. على أن تجري وتتم هذه العملية بوصفها التطبيق العملي والمباشر، لنصوص ومحتوى وأهداف الاستراتيجية الوطنية الشاملة لتطوير التعليم، المعبرة والناتجة عن رؤى وأفكار واجتهادات مجموعة الخبراء والمتخصصين الذين ستضمهم الهيئة العليا لتطوير التعليم والبحث العلمي والتدريب، المقترح إنشاؤها والوارد ذكرها في المناقشات والاقتراحات التي جرت وتجري في المحور المجتمعي «لجنة التعليم» بالحوار الوطني. وهي المناقشات والرؤى التي جرت وتجري حول مشروع القانون الخاص بإنشاء المجلس الأعلى للتعليم والتدريب، الذي أعدته الحكومة وتم إرساله إلى لجنة الحوار بناء على توجيه من الرئيس. وأحسب أني أعبر عن الواقع والحقيقة إذا ما قلت، إن تطوير التعليم قضية بالغة الأهمية لنا جميعا، حيث إنها تتصل اتصالا وثيقا وعضويا بواقع ومستقبل مصر دولة وشعبا، في إطار ما نتطلع إليه من بناء للدولة الحديثة والقوية التي نسعى إليها، إيمانا وإدراكا بأن الحداثة والقوة لن تتحققا دون نهضة تعليمية شاملة تضع المصريين على الخط والمستوى نفسه من الإلمام والمعرفة الواسعة بعلوم وآداب وثقافة العصر، مع الدول والشعوب المتقدمة في عالم اليوم، وهذا يتحقق فقط بتعليم متطور وحديث.

على وشك الصدام

تطور خطير آخر في حرب أوكرانيا مع نسف سد «كافوفكا» الضخم والأخطار التي تهدد عشرات الألوف من السكان من الفيضانات الناتجة عن تدفق مياه السد المدمر. تابع جلال عارف في “الأخبار”: أوكرانيا أعلنت النبأ ووجهت الاتهام لروسيا وطالبت بمحاسبتها على هذه الجريمة الخطيرة، وأكدت أن تدمير السد يهدد بكارثة نووية في محطة «زابورجيا» التي يدور حولها الصراع منذ شهور. روسيا – من جانبها – قالت إن أوكرانيا قصفت السد وقللت من المخاطر على المحطة النووية وهو ما أيدته وكالة الطاقة الذرية الدولية، وبدأت روسيا في التعامل مع آثار تدمير السد الذي يقع في الأراضي التي تسيطر عليها روسيا. وأوضحت أن آلاف المواطنين في الإقليم الخارج عن سيطرة أوكرانيا سيتضررون، وأن إقليم شبه جزيرة القرم الذي ضمته روسيا منذ 2014 هو الذي سيعاني من نقص المياه بسبب تدمير السد. تبادل الاتهامات بين الجانبين يذكّر بما حدث بعد تفجير خط أنابيب الغاز من روسيا لأوروبا. هنا أيضا لا تظهر أي مصلحة روسية في تفجير السد، ولهذا بدأ بعض المسؤولين الأوكرانيين يشيعون أن الحادث قد يكون وقع من جانب الروس عن طريق الخطأ، لكن الأرجح أن يكون استكمالا لمخطط إرباك الروس الذي بدأ بالهجمات داخل روسيا التي تنسبها أوكرانيا لمنشقين روس، بينما تحمل موسكو أوكرانيا ودول الغرب المسؤولية الكاملة عنها، والمثير أن تدمير السد يقع بعد تطور آخر قد يكون سببا لتراجع هذا النشاط المعادي داخل روسيا أو توقفه تماما.. فقد نشرت صحف أمريكية مهمة معلومات استخباراتية تؤكد أن الهجمات داخل روسيا تم فيها استخدام مركبات عسكرية أمريكية وبولندية، وأسلحة من صنع بلجيكا، التي طلب رئيس وزرائها على الفور توضيحات من أوكرانيا، ولا بد أن باقي الدول ستفعل الشيء نفسه، لأن ذلك يعني عدم التزام أوكرانيا بتعهداتها بعدم استخدام السلاح الذي يأتيها من دول الغرب إلا في الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية. استمرار الحرب لم يعد يعني فقط المزيد من دمار أوكرانيا، ولا معاناة دول العالم من تأثيراتها السلبية، لكنه يزيد يوما بعد يوم من خطر الصدام المباشر بين روسيا والغرب.. بالخطأ أو بفعل فاعل، المباحثات المباشرة بين روسيا وأمريكا أصبحت ضرورية، وهي بالتأكيد أفضل من الصدام المباشر الذي تعرف الدولتان جيدا حجم أهواله ومخاطره.

وداعا باتا

تم الإعلان عن إلغاء شركة “باتا”، ودمجها مع شركة المحاريث والهندسة، وتمثل “باتا” للعديد من الأجيال كيانا عزيزا، فلا يخلو بيت من منتجاتها من الأحذية، وبدوره عاد سيد محمود في “الشروق” بذاكرته للوراء: عندما جاءت حكومة يوليو/تموز استعملت العلامة التجارية الشهيرة وافتتحت فروعا كثيرة للشركة غطت جميع مناطق مصر، في وقت كان فيه هاجس مكافحة الحفاء أحد أبرز هواجس تلك الفترة. ونعلم جميعا أن كثيرا من المشروعات التي ظهرت قبل 1952 كانت تسعى لمكافحة الحفاء، ولكن حين استقرت دعائم يوليو، تولت حكوماتها المتعاقبة إجراء برامج للإصلاح الاجتماعي، بحيث أصبحت (باتا) وهي تشيكية الأصل ـ كما علمت وليست إيطالية كما هو شائع ـ ماركة شعبية، والشعبي ليس عنوانا للرداءة لكنه هو الشيء المعمم في كل الطبقات. في الغالب كانت (باتا) مثل شقيقاتها من المحلات التي تم تأميمها مثل، الصالون الأخضر وصيدناوي أو بنزايون، وشركة بيع المصنوعات التي كانت معروفة باسم المتاجر الشعبية، وظلت تلك المحلات هي وحدها المتاحة أمام الجميع. كانت خيارات الشراء والاستهلاك محدودة وربما منعدمة في ظل معايير التوحيد القياسي التي عممتها الناصرية، لكن ثمة بهجة حقيقية تقف تنتظر خلف فاترينات وأبواب تلك المحلات. في المواسم يتقافز الأولاد حولها بمرح لا ينقطع لا نفرق بين الأعياد وبدايات العام الدراسي، كانت الأنوف تتشرب رائحة الجلد، كأنها عطور من ماركات باريسية شهيرة، نأخذ الأحذية في أحضاننا وننام نوما بأجنحة تحملنا إلى الكثير من الأحلام. في تلك السنوات التي تقع بين السبعينيات والثمانينيات شاع مصطلح شعبي هو (الاستمارة) التي يحصل عليها العاملون في الحكومة، وكان أبي مثل كل الآباء يحصل على استمارة نذهب بها إلى بيع المصنوعات، نشتري ما يلزمنا من ملابس في الصيف أو الشتاء، ثم نذهب وننهي رحلتنا أمام فاترينة (باتا) التي لم نعرف غيرها أبدا. كان لدينا في حلوان حيث ولدت فرعان لـ«باتا» وكنت أحب الفرع الصغير المجاور لمقهى البرازيل، بل كنت أمر عليه يوميا قرب ميدان المحطة لأسأل عن الحذاء منتظرا وصوله مع رفاقي. وفي أحيان أخرى كنا ننام على نجيلة الحديقة المجاورة أملا في وصول سيارة باتا التي اختفت من حياة المصريين اليومية منذ التسعينيات في ظل تنامي الأحاديث عن الخصخصة. خلال السنوات الأخيرة اغبر زجاج غالبية الفروع، وتراجع حضورها لسبب غير معلوم وعانت من هجر العملاء الذين وصلتهم ماركات أخرى، ولم أعد أشاهد سوى فرع واحد يقف خجولا على ناصية شارع قصر العيني اعتبرته علامة على زمن لم يعد له وجود. لم يعرف أبنائى بأسطورة (باتا) وشقيقاتها (عمر أفندي وبنزايون والمتاجر الشعبية ومحلات بيع المصنوعات) سوى من مسلسل (ذات) حين بدأت رحلة تجهيزها للزواج، بينما كنت وأنا في عمر ابني (13 سنة) أقضي الصيف كله مع (باتا) رافعا شعار ضحك ولعب وجد وحب. أدفع 6 جنيهات في الصيف لأشترك في نادي شركة مصر حلوان للغزل والنسيج، وأحصل مقابلها على حذاء رياضي من (باتا) وطاقمين للعب طوال الصيف، وحين التحقت بالجامعة أواخر الثمانينيات حصلت استمارة تفوق على حذاء (كوتشي) كنت أرتديه في المناسبات. لم أعرف أنني كنت أكتب كلمة في سطر النهاية لأسطورة باتا التي كنا نحفظ شعارها ونسخر منه، لم نكن نعرف بالفعل أن راحة الجسد تبدأ من القدمين، نلبس اليوم ماركات كثيرة (كلاركس) و(أديداس) وتبقى أقدامنا تحن إلى زمن (باتا).

إنسان جيروسكوبي

ماذا يعني المصطلح أعلاه؟ الإجابة على لسان الدكتور علي حسن طه في “الوفد”: إنه الإنسان المعاصر الذي تم إفراغه وضبطه وكبته، بحيث أصبح يتواءم مع الخارج، هو مسير من الخارج وليس من داخله. لقد عبر ديفيد رايزمان عن تلك الشخصية.. هو شخص خاو من الداخل.. هو مسيّر من الخارج.. هو يحمل آلة في داخله تعمل على التقاط كل إشارات الخارج، لكي تجعله يتصرف وفق ما يطلب منه، ويتحدث ويسلك وفق ما هو مرسوم له من الخارج، غير مسموح له أن يتصرف وفق رؤيته أو رأيه أو تصوره. ببساطة لأنه لا يملك أي شيء في داخله، إنه إنسان الفراغ والخواء، وهذا الأمر هو المقصود.. هو مسير وفق ما يراه الخارج له، ومن ثم فهو كائن مطيع.. لا رأي له.. لا أهداف له.. لا متطلبات.. حتى رغباته ومتطلباته تمت السيطرة عليها من قبل ذلك الخارج، وعليه فإن تلبية أي متطلبات تحدد من قبل الخارج القادر أن يلبيها، فهو غير قادر، ولا يملك القدرة على العقل أو التصرف أو التغيير. هذا الإنسان لا يريد ولا يرغب أن يتميز أو ينجز، كل ما يريده هو أن يتلاءم مع كل ما هو قائم، هو يقبل طواعية أن يكون مرآة عاكسة لما يريده الآخرون، هو مستعد دوما للاستجابة وتنفيذ ما يطلب منه، ليس لديه أي قدرة على الاختيار أو الاعتراض.. هو يمتلك داخله آلة الاتزان (الجيروسكوب) وهي دليل على أن هؤلاء يمتازون بتلبية كل ما يطلب منهم دون أدنى ممانعة. يقول رولو ماي في كتابه “بحث الإنسان عن نفسه”، تعد آلة الاتزان “الجيروسكوب” من وجهة نظر الذين ذكرنا بهم الدكتور حسن يوسف طه، أنه رمز ممتاز لهؤلاء الناس لأنها تمثل مركز الاتزان الميكانيكي الخالص. وعادة ما يؤثر أناس الاتزان الداخلي الآلي على أطفالهم تأثيرا سيئا، لأنهم جامدون دوغمائيون وغير قادرين على التعلم ولا على التغيير. وفى تقديري فإن سلوكيات ومعايير هؤلاء الناس هي مثال جلي على كيفية تبلور بعض الاتجاهات السلوكية لدرجة الجمود في المجتمع قبل انهيارها. أشار أستاذ علم الجمال في أكاديمية الفنون إلى أنه من اليسير أن نرى كيف تتكون فترة الفراغ والخواء، فترة الرجال الحديديين بعد انهيار هؤلاء. فلو أخذت آلة الاتزان الداخلي لن تجد إلا الفراغ. ومن ثم لن تذرف دمعة على انهيار رجل الجيروسكوب، بل ربما يضع المرء على قبره شاهدا مكتوبا عليه «كان ديناصورا، يمتلك القوة ولا يستطيع التغيير، والقدرة دون قدرة على التعلم»، إن أهم قيمة في فهم هؤلاء الذين مثلوا آخر عمالقة القرن التاسع عشر هو أننا لن ننخدع بقوته الداخلية المزيفة. ما يمكن قوله إن ذلك الإنسان هو في الحقيقة مغترب عن ذاته.. هو غير مدرك لحقيقة ذاتيته وقدراته، لقد تم تغييبه وانفصاله عن نفسه.. هو على هيئة إنسان، لكن في الحقيقة هو أشبه بالآلة.. تتلقى الأوامر وتنفذها.. وعليه نقول إننا نعيش في مجتمع فقد كل إحساس بالإنسانية، وإذا فرضنا جدلا وجود من يوقظها، أو يبعثها من مرقدها يتم إبعاده ولفظه من المجتمع المسستم.. المحكم.. في عالم الجيروسكوب تموت الذات الإنسانية طواعية .

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية