«أسرار إنتاجية»: لماذا تفشل محاولاتنا في الحفاظ على الصحة النفسية؟

تعرّض علم النفس منذ محاولات جعله «علماً» بالمعنى الحديث، لكثير من الانتقادات، إذا اعتُبرت مساهمات روّاد العلاج والتحليل النفسي الأوائل أقرب للفلسفة والأدب، ولا تقوم على أي أسس تجريبية أو إحصائية يمكن الأخذ بها. وتدريجياً نشأت مدارس سيكولوجية جديدة، حاولت الابتعاد قدر الإمكان عن كل «الشطحات» التي علقت بعلم النفس، بسبب جذوره الفلسفية والأيديولوجية، والتركيز على العوامل الفيزيولوجية والاجتماعية والسلوكية، التي يمكن دراستها بشكل جدي، فيما تُركت النظريات القديمة لخيال الفنانين والمفكّرين، وتأويلاتهم غير «العلمية».
إلا أن انتقاد تلك النظريات لم يأت فقط من زاوية العلم التجريبي، بل كان للفلاسفة والمنظّرين الاجتماعيين كثير من الاعتراضات الجديّة على الصورة التي قدّمتها للذات والمجتمع والعالم، وهي اعتراضات يصعب، لكثرتها، حصرها وتصنيفها، إلا أن من أشهرها مشروع الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، وشريكه فيلكس غوتاري، الذي انبنى على عناصر فكرية شديدة التعقيد، ومن طروحه الأهم رفض اعتبار الحياة النفسية، بأمراضها وعقدها وحيويتها، شأناً خاصاً بالذات الفردية، وظروف نشأتها الأولى. سخر دولوز من ميل التحليل الفرويدي لاعتبار مشاكلنا النفسية نتيجةً لـ»أسرار عائلية قذرة» ومنها عقدة أوديب؛ التعالي والتصعيد، المرتبط بالكبت الجنسي ذي الجذور العائلية؛ وكذلك العُصاب والهيستيريا والهلوسة حول الرضّات النفسية، التي ترسّبت في العقل الباطن منذ الطفولة. بالنسبة للفيلسوف الفرنسي، نحن نهلوس عن مجتمعات وشعوب وقبائل، وشرط تاريخي وسياسي متعيّن، وليس عن وقائع تأسيسية جوهرانية، يمكن رصدها في إطار العائلة النووية، البورجوازية، المسيحية.
وسّع دولوز وغوتاري نقدهما هذا ليصبح تحليلاً للفصام والاعتلال النفسي في الشرط الرأسمالي المعاصر، فصار المجتمع والسياسة والإنتاج العوامل الأساسية لفهم العمق النفسي للذات الفردية، وباتت الرغبة الإنسانية، وانكساراتها، «ماكينة اجتماعية» تخترق الذوات، عبر ما لا حصر له من خطوط ونقاط السلطة والإنتاج، وكذلك مقاومتهما والتفلّت منهما: لا ننشأ ميولنا وأحلامنا وضلالاتنا من «عمق» داخلي فردي مستقل، وإنما من «اقتصاد» معيّن للرغبة الاجتماعية، وبهذا المعنى فنحن «ماكينات راغبة» لا جوهر لها، مركّبة من عدد كبير من العناصر والمُدخلات والتدفّقات، تصوغ «مُخرجات» هي بدورها تركيبات معيّنة للرغبة، تعيد إنتاج «الماكينة الاجتماعية» نفسها، وفي هذا الشرط يمكن توقّع كثير من الفُصام والارتياب والاعتلال النفسي، الذي لا يمكن تحليله بالعودة لتجريد الذات الفردية والعائلة الصغيرة، المنتزع من سياقه، بل من خلال فهم المجتمع الكبير.
وعلى الرغم من شهرة هذه التحليلات، فإنها غير مستخدمة بشكل واسع في عصر تعميم ثقافة «الصحة النفسية» الفردانية، عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. «يعود» الأفراد كثيراً في أيامنا إلى ذواتهم، محاولين تحصينها من كل ما قد يعكّر صفاءها واتساقها، ولو على حساب علاقاتهم الاجتماعية وتقاليدهم الثقافية، دون تحقيق نتيجة فعّالة، بل ربما كان العكس صحيحاً، وكأن تعميم «الصحة النفسية» لا ينتج إلا مزيداً من الاكتئاب. هل يمكن اعتبار ذلك إثباتاً قاطعاً على فشل المنظور النفسي الفرداني؟ أم أن المسألة غير قابلة للمقاربة من منظورات علم النفس وحدها؟

الذات/الملكية

ازداد انتشار وتعميم ثقافة «الصحة النفسية» مع تطوّر «العمل العاطفي» أي العمل في الرعاية والعلاقات العامة والتسويق وغيرها من المجالات، التي تتطلب حضوراً تواصلياً وذهنياً وثقافياً عالياً. بمعنى أن العواطف والمهارات الاجتماعية باتت «أداة عمل» أساسية لعمّال اليوم، إلا أن هذه الأداة ليست مجرّد ماكينة صناعية، يتركها العامل بعد انتهاء يوم العمل، بل هي «نَفسُهُ» بمعنى الكلمة، بكل ما راكمه من تعلّم وخبرات وحساسيات. وهذا يجعل الذات أشبه بأصل استثماري، يجب الحفاظ عليه، وتحقيق قيمته السوقية الفعلية، ومن ثمّ تطويره لينتج قيمة أكبر؛ ويؤشّر إلى تغيّر أساسي في مفهوم الذات الحديثة: لم تعد الذات فقط كياناً نظرياً، يتمتع بالضمير وحرية الاختيار، ما يؤهّله لحيازة الملكية، ويجعل من الضروري صياغة منظومة قانونية متكاملة، لحماية حقه بأملاكه وتقرير مصيره الذاتي وحرية معتقده، بل باتت الذات نفسها ملكية، فزال الفارق بين المالك وملكيته. وإذا كانت الملكيات الاعتيادية يمكن تغييرها أو تبادلها أو التخلّي عنها، أو نزعها في شروط معيّنة، فلا يمكن بالتأكيد التعامل مع الذات/الملكية بالطريقة نفسها. بات كل ما هو ذاتي في عصرنا قابلاً لأن يصير أصلاً، بعد أن اعتُبر عمّال القرون الماضية فاقدين للأصول، أو للرأسمال الثابت، لأنهم لا يملكون إلا قوة عملهم.
لم تظهر الآثار القانونية لهذا بوضوح حتى الآن، إلا أنه قد يكون التفسير الأفضل لانتشار ما يسمى «سياسات الهوية» أي السعي لإعطاء «الاعتراف» الكافي بكل ادعاء فردي، مرتبط بهوية الذات ومشاعرها؛ وكذلك حمايتها من كل عدوان كبير أو مصغّر. إنها الحماية الضرورية لأحد أهم الأصول الاستثمارية والوحدات الاستهلاكية في الاقتصاد الحالي. من المنطقي والضروري إذن الاهتمام بثقافة الصحة النفسية، للحفاظ على «الأصول» الذاتية. ولذلك أيضاً بات من الصعب الفصل بين ما يسمى «سيكولوجيا البوب» أي المنشورات والمواد الإعلامية المبسّطة عن الصحة النفسية؛ وبقية وقائع سياسات الهوية، بما فيها من «فخر» وتظلّم ثقافي وجندري وعرقي؛ فضلاً عن كل ما يتعلّق بفردنة الذوات، أي اعتبار الذات الفردية الوحدة السياسية والاجتماعية الأساسية، رغم ذلك فإن عاملي اليوم لا يتمتّعون بكثير من الصحّة النفسية، بل يبدو أن مشاعر الاكتئاب والعزلة والارتياب تخترقهم في أدقّ تفاصيل حياتهم، وهو أمر لا يمكن أن يكون مجرّد نتيجة لـ»غياب الوعي» في ظل التعميم المفرط للمصطلحات النفسية؛ أو مشكلة فردية/عائلية لدى أغلبية الناس، على اختلاف ظروفهم وخلفياتهم، ربما الأجدى اعتبار المشاعر السلبية ماكينة اجتماعية/إنتاجية، تقوم أساساً على استغلال العمل العاطفي، وتحويل الذات إلى أصل استثماري غير آمن. وهذا قد يجعل ثقافة «الصحة النفسية» الفردانية أحد عوارض المشكلة، وليس من أساليب الوقاية منها، أو التأقلم معها.

الصحّة الصناعية

يمكن مقارنة التناقض بين انتشار «سيكولوجيا البوب» وتراجع الصحة النفسية الفعلية، بالأوضاع الجسدية للعمّال الصناعيين في القرنين الماضيين، فعلى الرغم من تطوّر المؤسسة الطبيّة منذ مطلع الثورة الصناعية، بوصفها أحد أهم المؤسسات الانضباطية، التي تشرف على صحة مجموع السكان، ومستويات معيشتهم، وشؤون تكاثرهم ووفياتهم، فإن العمّال عانوا دائماً من أزمات صحية شديدة، نظراً لشروط عملهم السيئة، في وسط مليء بالتلوّث وتكدّس الأجساد. لم يكن تطوّر المستشفى، بالتلازم مع تطوّر المعمل، يهدف إلى مواجهة ما يعانيه العمّال من أمراض فقط، وإنما نتيجةً لزيادة إمكانيات رقابة الأجساد، ومراكمة معرفة منظّمة عنها. عزّز هذا من قيمة الصحة الجسدية، والوقاية من الأمراض، بوصفهما ثقافة، بدأت أوساط متعددة بالانتباه لضرورتها، لكنه لم يعن بالضرورة أن العمّال تمتّعوا بصحة جيدة. مرض الأجساد لم يكن بسبب غياب الوعي الصحي عند العمّال، لكن أساساً بسبب الاستغلال المكثّف لقوتهم العضلية، أما تحسّن أنماط حياتهم التدريجي، فلم يكن بفضل اكتسابهم الوعي الصحي فحسب، بل بالدرجة الأولى لتطويرهم نوعاً آخر من الوعي، وهو «الوعي الطبقي» الذي مكّنهم من تنظيم أنفسهم، للمطالبة بحقوق عمل أكثر إنسانية، ومنها شبكة رعاية صحيّة متكاملة. ربما كانت المشاعر السلبية المعاصرة، المؤدية لاعتلالات نفسية شديدة، مرتبطة بالعبء النفسي والاجتماعي الملقى على عاتق «العمّال العاطفيين» الذين يضطرون لعيش حياة غير مستقرة، وإبداء «مرونة» فائقة، لتسويق مهاراتهم، وبيعها في تعاقدات غير متكافئة، وبشروط عمل سيئة. إلا أن ثقافة «الصحة النفسية» المنتشرة بينهم لا تساعد في تحسّن أوضاعهم النفسية، بل تكرّس شروط الفردنة و»المرونة» والعزلة وتحطيم الروابط الاجتماعية، أي أنها، على خلاف الطب الكلاسيكي، الذي تشترك معه بنشأتهما من شروط الرقابة الموسّعة، لا تلعب دوراً في تحسين «الصحة» بل تُطبِّع أسباب المرض، وتعتبرها نمطاً من «تطوير الذات».

تحطيم «الماكينة»

لم يسع العمّال الصناعيون في ما مضى إلى تحسين شروط عملهم فحسب، بل كثيراً ما رفضوا العمل الانضباطي من أساسه: حطّموا الآلات، واستولوا على المعامل، وعدّلوا التقنيات التي فرضت عليهم، وكل هذا ساهم نسبياً، وعلى المدى الطويل، بجعل العمل الصناعي أكثر إنسانية. ربما كان على العمال العاطفيين والثقافيين بدورهم «تحطيم الماكينات» وهي في حالتهم ذواتهم الفردية. لا يعني هذا بالتأكيد تدمير النفس أو أذيتها، أو الاستسلام للمرض النفسي، وإنما رفض المفاهيم الأيديولوجية السائدة عن الذات، وكذلك الحدود و»المساحات» التي تسجنها فيها «سيكولوجيا البوب» المعاصرة. قد ينفع هذا في «الاستيلاء على الأصول» فإذا كان حلم المناضلين العمّاليين في ما مضى تملّك العمّال لوسائل إنتاجهم، فالأحرى أن يناضل عمّال اليوم لإعادة تملّك ذواتهم على الأقل، بعد تحريرها من استلاب الأيديولوجيا المعاصرة.

‏كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية