«عُطيل»: بين مأساة شكسبير وكوميديا كازانتزاكيس

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تؤكد أعمال شكسبير (1564 ــ 1616) والثيمات التي عبّر عنها أبطاله عن مجاوزة العصر الذي كُتبت فيه، والتي تمثله وتحمل أفكاره بشكل أو بآخر، وبالتالي لم تتوقف إعادة إنتاج هذه الأعمال، سواء من خلال التأويل الجديد للنصوص، أو تشابه في سياق ما للموضوع الأصلي والعمل المُصاغ لاحقاً في شكله الجديد. الأعمال المُعاد تقديمها هذه تجاوزت بدورها الوسيط التقليدي، الذي كُتبت من أجله، وهو المسرح، فقد تناولها الفن التشكيلي في العديد من اللوحات، كذلك السينما في نُسخ عدة وأزمنة ومجتمعات وثقافات مختلفة أيضا، وهو ما يُحقق فكرة (العبور الثقافي) ويؤكدها.

حالة عطيل

تأسست حالة (عطيل) ـ كما أطلق عليها خليل مطران عند تعريبه مسرحية شكسبير ــ في عدة سمات، تناولتها الدراسات الثقافية على مدى تطورها، فهو بداية يمثل أزمة وجود واختلاف، من حيث اللون والجنسية، وكذلك الديانة، فهو في المُجمل صاحب هوية مُغايرة للمكان الذي صاحب تحقق وجوده، فهناك مَن ربط حالته بحالة النظرة الغربية للشرق، هذه النظرة المتعالية المتأصلة لكل ما هو مختلف، وهو للمفارقة التعالي نفسه في المجتمعات الشرقية عند النظر إلى فئة (العبيد) مهما قدموا من بطولات وتضحيات ـ عنترة خير مثال ـ حالة الاختلاف، أو المأزق غير المقصود هذا هو الذي ساعد في تأويلات شخصية عطيل، وصلاحيتها في كل عصر لمناقشة قضاياه المُلحّة، بغض النظر عن السمة الغالبة على المسرحية من النظرة الأولى السطحية والعابرة، وهو (الغيرة) أو السلوك الهمجي الذي لم يستطع هذا الأسود المغربي تجاوزه، رغم ما حققه من انتصارات.

عطيل شكسبير

اقتبس شكسبير كعادته موضوع مسرحية (عطيل) من حكاية إيطالية ضمن مجموعة بعنوان «مئة واثنتى عشرة حكاية» كتبها الشاعر والكاتب المسرحي المعاصر لشكسبير جيرالدي تسنثيو (1504 ــ 1573) فشكسبير كالعادة يقوم باقتباس حكاية مؤلفة أو واقعة تاريخية، ويعيد صياغتها وفق رؤيته الإبداعية، بحذف شخصيات وإضافة أخرى وتطوير الأحداث والحبكات الدرامية، أشبه بما يفعله الدراماتورج الآن، بشكل أو بآخر عندما يعمل على نص يريد تقديمه على المسرح وفق رؤيته.
فـ(عطيل) يبدو من أصول افريقية، وربما عانى من العبودية، لكنه نال حريته نظراً لشجاعته ـ أشبه بعنترة ـ فاستطاع أن يكون له دور في مجتمع غريب عليه، القارة الأوروبية متمثلاً في مدينة البندقية. من ناحية أخرى أصبحت شخصية (عطيل) ذات دلالة سياسية واجتماعية في التاريخ الحديث، وليس أدل على ذلك من الاستشهاد الذي ذكره المؤرخ الثقافى والناقد الأدبى الأمريكي جوزيف شابيرو، الذي يقوم من خلال أعمال شكسبير المتنوعة بقراءة الأحداث الأمريكية المتعاقبة عبر تاريخها، فيذكر موقف السلطة من السود، متمثلة في الرئيس الأمريكي جون كوينسى آدامز ـ سادس رئيس للولايات المتحدة من 1825 إلى 1829 ـ الذي قام بإرسال رسالة لأحد أصدقائه عام 1835 يحدثه فيها عن (عطيل) التي تضمنت نقداً شديداً لديزدمونة ـ ديدمونة حسب مطران ـ لارتباطها غير الطبيعى فى نظره بعطيل، فارتباطها بهذا الأسود جعلها تستحق أن تُقتل!

شكسبير – كازانتزاكيس

عطيل كازانتزاكيس

كتب نيقوس كازانتزاكيس (1883- 1957) مسرحية (عطيل يعود) ما بين عامي 1936 و1937، وهي العمل الكوميدي الوحيد من بين أعماله. وانتهج فيها نهج أو طريقة لويجي بيرانديللو (1867 ــ 1936) من حيث المسرح داخل المسرح وأشكال التغريب في المسافة ما بين الممثل والجمهور ـ ترجم كازانتزاكيس في تلك الفترة مسرحيتي (عطيل) و(ست شخصيات تبحث عن مؤلف) ـ ويبدو أن خطأ عطيل هنا ـ بخلاف الغيرة ـ هو الوثوق في تعليمات المخرج المسرحي، وبالتالي سهولة تكرار الأخطاء. مع ملاحظة أن تاريخ كتابة المسرحية كان في فترة حكم كمال أتاتورك (1881 ــ 1938) الذي لم يترك الحكم الذي استمر حتى وفاته (1923 ـ 1938) حيث الحزب الواحد والرأي الأوحد، متمثلاً في (حزب الشعب الجمهوري) «حيث تم حظر الأحزاب الأخرى كـ(الحزب الجمهوري الليبرالي) الذي استطاع الوصول إلى الحكم عام 1950 بعد الحرب العالمية الثانية. ففكرة الظروف التي لا تتغير لا يمكن أن تتغير تبعاً لها النتائج. فخطأ عطيل هنا سيتكرر مهما تغيرت الشخصية، طالما لم تزل تنساق وراء مَن خدعها وأوهمها.

عطيل يعود

يحاول مدير أحد المسارح تقديم عرض مختلف يفتتح به الموسم المسرحي الجديد، لكنه لا يجد شيئاً/نصاً يقدمه، ويغفو في المسرح فإذا به يحلم بزيارة بعض الشخصيات المسرحية الشهيرة مثل (فاوست) و(كلتمنسترا) وأخيراً (عطيل) الذي يعود بعدما عرف الحقيقة وأن ديزدمونة لم تخنه، فيريد إصلاح أخطاء الماضي، ويحلم ببيت وزوجة وأولاد ـ الفكرة نفسها في رواية «الإغواء الأخير للمسيح» عام 1952، ولو بشكل مختلف، وهنا تتكرر ليصبح يهوذا هو مدير الفرقة المسرحية، الذي ينهى (المسيح) عن هذه الفكرة، فمن المستحيل أن يُنجب ويصبح رجلاً عادياً ويموت في فراشه في النهاية ـ فلا يوافق مدير الفرقة، وإلا ماذا سيُقدّم على المسرح، وماذا سيُشاهد الناس، فالحياة العادية لا تهم أحدا، وبذلك يتفق مدير المسرح مع الممثل (ميتسو) ياجو على أن يوهم (ألكو) بأن زوجته (ماريا) تخونه في الحقيقة حتى يندمج في أداء شخصية عطيل، ويتأكد ألكو وهو يقوم بشخصية عطيل من خيانة زوجته له، وقبيل أن يتم تمثيل الموقف الذي فيه يقتل عطيل ديزدمونة يعترف ميتسو لألكو بأن زوجته ماري شريفة، ولا توجد أي علاقة بينه وبينها، وأن كل ما رآه من إشارات تدل على حبه لها كان بتوجيه من مدير المسرح لإثارة غيرته، ليندمج في أداء دور عطيل. إلا أن ألكو لا يقتنع بكلام ميتسو، ويشعر مدير المسرح بمدى انتصاره، فهو لا يهمه غير أن يندمج ألكو في أداء الدور. وخلال قيام ألكو بتمثيل الموقف الذي يقتل فيه ديزدمونة، إذا به يقتل زوجته ماريا بالفعل، ثم نرى مدير المسرح يضحك، ويقول للمشاهدين إن كل ما شاهدوه كان تمثيلاً، ويطلب إلى الممثلة التي قامت بدور ديزدمونه أن تقف لتحيي الجمهور، فتنفذ ما طلبه منها.

تأويل آخر

ولنا هنا أنت نتخيل تأويلاً آخر لعمل كازانتزاكيس، والمُعتمد بالأساس على عمل شكسبير، فالقوى القدرية عن شكسبير تصبح فاعلة أكثر عند كازانتزاكيس ـ كما في الدراما اليونانية ـ فلم يخف ياجو الجديد عن عطيل العائد من بين الأموات أن لا خيانة في الأمر ـ رغم أنه ينفذ بدوره تعليمات المخرج ـ لكن من خلال شكل لعبة المسرح داخل المسرح يتأرجح ياجو بين الحقيقة والتمثيل المسرحي، أو الواقعي والخيالي، لكن عطيل هنا محكوم بمصيره، لكن من خلال سلطة أعلى قادرة على كسر الحد الفاصل بين الوهم والحقيقة، ليصبح في النهاية عطيل/ألكو هو الوحيد الذي يعيش التجربة حتى نهايتها، وقد سقط معيار العقل تماماً. وهنا تصبح (السُلطة) أياً كان مرادفها الفني/المسرحي، هي التي تخلق وتساعد حالة التشوّش العقلي هذه، وبالتالي هي المستفيدة من أن يتصف البطل في النهاية بأنه قاتل ـ استغلال وتوريط الشخصية ــ حتى يليق العرض بالجمهور، وتنجح المسرحية ـ كدلالة سياسية ـ في النهاية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية