رام الله ـ «القدس العربي»:
القصة الأولى: الوعود الكاذبة
في حديث المرأة الفلسطينية أم نسيم، من قرية جالود، في الجنوب الشرقي من مدينة نابلس، للصحافة الفلسطينية قبل أيام قليلة مسألة مهمة جدا، تحديدا بعد أن جاء حديثها العفوي بعد وقت قصير من مواجهتها وعائلتها هجمة طويلة من هجمات المستوطنين الليلية، حيث وقفت أمام كاميرا تعود لوسيلة إعلامية فلسطينية وردت على سؤال التعريف بنفسها بنوع من اليأس حيث قالت: «أنا أشهر من نار على علم، الكل بعرفني.. لقد عرفت بنفسي لكل الصحافة التي جاءت.. (أم نسيم)، كل مرة بسألونا نفس السؤال.. وبنجاوب نفس الجواب.. ولا حياة لمن تنادي. صوتنا مش مسموع بالمرة، بتسألوا وبتروحوا (أي الصحافيين) وما عمرنا استفدنا اشي.. شو اللي بدكم إياه؟».
وتكمل أم نسيم متحدثة عن هجمة المستوطنين: «لما ساعتين بضربوا فينا (أي المستوطنين) بالحجارة. ولولا همة الشباب الله يطول بعمرهم شو كان صار فينا؟».
وتتابع في مشهد مؤلم: «نحن على هذا الحال ليس من اليوم بل من عشرين سنة، الخوف موجود، نحن نخاف على ولد يلعب بالحارة.. ورجل ذاهب لشغله، وطالب ذاهب إلى مدرسته، بالمجمل لا يوجد شيء يجعلنا نطمئن».
وتضيف موجهة نقدا للمسؤولين الفلسطينيين العاجزين عن توفير أي من مقومات الصمود لديها: «أنا أصلا طلبت سيارة تنقل الطلاب للمدارس، لم أطلب منهم الكثير. ماذا قالوا لنا، قالوا انهم سيوفرون السيارة كي تحمينا من اعتداءات المستوطنين، لكنهم أخلفوا الوعود.. كل الوعود كاذبة.. وكله كلام فاضي».
ويحمل المشهد السابق جانبا من حالة تغول المستوطنين وتوحشهم المحمي من جيش الاحتلال، وهو وإن كان استمرارا لحالة عمرها عشرين سنة لكن قصة أم نسيم تعكس بطريقة مثيرة ما تتلقاه هي وعائلتها، أسوة ببقية العائلات والبلدات المحاطة والمحاصرة بالمستوطنات في الضفة الغربية، من وعود وأكاذيب في مواجهة اعتداءات المستوطنين المتطرفين.
القصة الثانية: الفشل
في عين سامية
وإن كانت أم نسيم وسكان قرية جالود ما زالوا صامدين فرادا أمام هجمات المستوطنين، فإن الحكاية مع بلدة عين سامية مختلفة تماما. فقبل نحو أسبوعين اضطر آخر مَن تبقى مِن سكان التجمع السكاني المجاور لمدينة رام الله، والذين يبلغ عددهم نحو 200 مواطن، إلى هجر أرضهم بعد أن أوصلت إسرائيل حياتهم، عبر سنوات طويلة من الحصار والمضايقة والهدم إلى وضع لا يطاق.
وحسب أحد سكان التجمع أبو وجيه الكعابنة فإن تعريفه لما تعرض له سكان القرية الصغيرة هو «حرب على الوجود».
وقال بحسرة وألم شديدين: «للأسف لم نحصل على الدعم الكافي للبقاء، سمعنا كثيراً عن الوعود بتوفير ما يلزم لنا، لكن للأسف لم يحصل كثير منها».
ويعقب بدوره على آلية التهجير الصامتة: «حتى على مستوى شعبي وإعلامي لم يحصل اهتمام كاف بقضيتنا».
وحسب تقرير مؤسسة «بتسيلم» الإسرائيلية (تعنى برصد انتهاكات الجيش في الأراضي الفلسطينية) فإنه «لم يعد أمام سكان التجمع أي خيار آخر. فقد عانى السكان خلال سنوات من عنف القوات الإسرائيلية، من تقييدات مشددة على بناء المساكن وإنشاء البنى التحتية، بما في ذلك الهدم، ومن عنف المستوطنين الذي جرى بدعم كامل من الدولة. ومن المتوقع أن يتم هدم مدرسة التجمع قريباً، بعد أن صادقت المحكمة على هدمها».
وأضاف التقرير أن «هذه السياسة، الرامية إلى تمكين إسرائيل من الاستيلاء على المزيد والمزيد من الأراضي الفلسطينية لوضعها تحت تصرف اليهود وفي خدمتهم، يجري تطبيقها في مختلف أنحاء الضفة الغربية ضد عشرات التجمعات الفلسطينية.
وعلقت المؤسسة الحقوقية «هذه سياسة غير قانونية، والترانسفير هو جريمة حرب».
وفي المقابل تحمل عين سامية حكاية فشل الفلسطينيين في التعاطي مع أطماع الاحتلال في مناطق «ج» التي تشكل ما نسبته 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية. فقد أصبح التجمع «أثراً بعد عين» بعد أن أجبرت سياسات الاحتلال والهجمة الاستيطانية المكثفة الأهالي على الرحيل، بعد عقود من الصمود. وحسب بيان «مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان» فإن سياسات الاحتلال وهجمات المستوطنين أجبرت أهالي التجمع، وهم من عشيرة الكعابنة، وأقاموا فيه منذ 40 عاماً على أراض خاصة لأهالي كفر مالك مسجلة في الطابو، بموجب ترتيبات واتفاقات معهم، على الرحيل عنه.
يذكر أن عين سامية هي ثالث تجمع بدوي يرغم على الرحيل بعد تجمع رأس التين البدوي وتجمع آخر في المعرجات.
واعتبر أن تهجير هذه التجمعات بعد هجمات من المستوطنين يشير بوضوح إلى التعاون بين ما تسمى «الإدارة المدنية» التابعة لجيش الاحتلال والميليشيات الاستيطانية.
وقال المحامي وائل القط تعقيبا على ما جرى في التجمع البدوي بإنه يشكل «خسارة فادحة وإخفاقاً عالي المستوى» يتحمل مسؤوليته الجميع.
ووصف القط ما جرى بإنه «خسارة استراتيجية» التي يمثلها تهجير التجمع الذي يقع في منطقة هامة، وهي محل أطماع الاحتلال، نظراً لربطها بين الأغوار وقرى وبلدات رام الله، ومخططات المستوطنين الذين أقاموا عدة بؤر استيطانية على شكل «زراعي/ رعوي» حولها، لضمان السيطرة عليها.
وتابع في حديث صحافي: «هذا الإخفاق يتحمل مسؤوليته الجميع الأهالي والمؤسسات الحكومية والفعاليات الشعبية والمجتمعية، كان لدينا أمل بمنع الترحيل، لكن للأسف هذا حصل».
ومنطقة «ج» هي أحد مناطق الضفة الغربية المنصوص عليها في اتفاقية أوسلو الثانية، حيث تشكل حوالي 61 في المئة من أراضي الضفة الغربية، وتعتبر السلطة الفلسطينية مسؤولة عن تقديم الخدمات الطبية والتعليمية للفلسطينيين في المنطقة «ج» بينما تسيطر إسرائيل على الجوانب الأمنية والإدارية والقانونية. حيث تتولى إدارة منطقة يهودا والسامرة إدارة السكان اليهود في المنطقة، بينما يدير السكان الفلسطينيين مباشرة المنسق الإسرائيلي للأنشطة الحكومية في المناطق، وبشكل غير مباشر من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله.
القصة الثالثة: بيوت القدس والهدم الذاتي
في القدس المحتلة تبدو الأخبار أكثر قتامة، فبعد توقف سياسة هدم منازل المقدسيين طوال شهر رمضان عادت قرارات الهدم تنفذ جماعيا، وكان آخرها ما قام به الاحتلال من هدم 6 منازل في يوم واحد، خمسة منها هدمت ذاتيا ضمن سياسة احتلالية تهدف إلى تقديم المقدسيين على أنهم هم من يهدمون منازلهم بأيديهم حسب الناطق الإعلامي لمحافظة القدس معروف الرفاعي.
مفارقة عائلة عاصم برقان تمثلت في أنه أعلن عن مناشدة مالكي الآليات والمعدات الثقيلة (جرافات، باجر) لمساعدته في هدم منزله تلافيا للغرامات المالية في حال هدمها الاحتلال والتي قد تتجاوز 200 ألف شيكل.
وبدل أن يتعاون المقدسيون في سبيل وقف سياسات الهدم الذاتي تأتي مناشدة برقان المقدسي الذي يواجه منفردا تغول سياسة الهدم في القدس التي يقودها وزير الأمن القومي المتطرف «بن غفير».
وعلق الرفاعي على ذلك بإن كل فلسطيني في القدس أصبح غير أمن لا على منزله ولا على أبنائه في ظل الهجمة الشرسة التي يقودها ايتمار بن غفير.
وتابع قائلا: «تسعى الهجمة وبشكل مجنون لفرض واقع جديد في المدينة، فضمن مخطط مشروع القدس 2030 كان يريد الاحتلال أن يصبح سكان القدس 25 في المئة من نسبة السكان، أما مخطط مشروع القدس 2050 فالاحتلال يريد أن تصبح نسبة سكان القدس من المقدسيين أقل من 12في المئة».
تكتمل المفارقة مع ما يسرده الرفاعي من حكاية حدثت معه عندما قام بالاتصال مع السفير الأمريكي في القدس في سبيل محاولة منع هدم منزل عائلة طوطح بالقدس (هدم لنفس العائلة ثلاثة منازل قبل أشهر) حيث أخبره السفير أنه تدخل مع رئيس بلدية الاحتلال في القدس، وأنه لن تكون هناك أي عملية هدم، لكن الجرافات الاحتلالية وصلت للمكان وهدمت المنزل الذي بني قبل 28 عاما بحجة بناء مدرسة في المنطقة.
ويعكس المثال السابق فشل كل الجهود الدولية والقانونية التي تبذل في سبيل مواجهة إجراءات الهدم حيث يصدر بن غفير قرارات الهدم بنفسه وتنفذ بشكل تلقائي.
وتعكس القصص الثلاث السابقة على اختلاف الجغرافيا الفلسطينية طبيعة ما تتعرض له سواء مناطق «ج» أو القدس المحتلة في محاولة تكريس سياسة حسم الصراع.
وهي تدلل على الاحتلال الإسرائيلي لا يترك فرصة للفلسطينيين من أجل التقاط أنفاسهم، فهم يخرجون من مواجهة لأخرى، وهو أمر يتم بشكل شبه أسبوعي، حيث تفرض حكومة الاحتلال أجندتها من خلال حضورها في الميدان الفلسطيني في الضفة الغربية تحديدا، ومن دون أن يمتلك الفلسطيني ما يجعله مؤثرا على ما يفرض عليه، فيغيب الفعل الفلسطيني أمام الخطاب السياسي العاطفي.
نحو رؤية موحدة للمخاطر
وفي ذات السياق، ومن أجل فهم الحالة التي وصلت إليها القضية الفلسطينية نظم مركز «مسارات» في رام الله حوارية بعنوان «نحو رؤية موحّدة للمخاطر وأشكال النضال» والتي حاولت الوقوف على الحالة الفلسطينية الراهنة ووضع تصورات لكيفية إدارة المخاطر التي تتعرض لها.
وحسب الباحث والمحلل السياسي خليل شاهين، مدير البرامج في مركز «مسارات» فإن ما يجري على الأرض هو تنفيذ سياسات يمينية فاشية، فيما الحكومة اليمنية المتطرفة منفتحة على مزيد من التطرف في المجتمع الإسرائيلي، وهو أمر ترافق مع تعميق الاحتلال والاستيطان والعدوانية الواسعة في التعامل مع قطاع غزة. ويرى شاهين أن عدوانية إسرائيلية تطرح سؤالا قديما جديدا وهو: كيف يمكن بلورة رؤية مشتركة للمخاطر والتهديدات؟ وكيف تكون استراتيجيات العمل وأشكال النضال التي يمكن اتباعها بشكل متكامل؟
وتحدث أنطوان شلحت، وهو كاتب وباحث فلسطيني مختص بالشأن الإسرائيلي، قائلا إن الإجماع الإسرائيلي منذ تسلم بنيامين نتنياهو للحكم في العام 2009 وحتى الآن يتمثل برؤية أن السلطة الفلسطينية في أضعف حالاتها، ويعود ذلك لمجموعة من الأسباب وهي: عدم وجود أفق سياسي ومنع وصول السلطة إلى ما يمكنها من تحقيق دولة فلسطينية وهو ما يتعمق حاليا، والأزمة الاقتصادية التي تعاني منها السلطة، وضعف أجهزة الأمن التابعة لها، إضافة إلى تزايد قوة حركة حماس، فضلًا عن صراعات حركة فتح الداخلية، لا سيما المعركة على الخلافة على من يتبع الرئيس.
وتابع: «انشغال إسرائيل في الفترة الحالية مرتبط ببحث والتخطيط لما سيؤول إليه مستقبل السلطة الفلسطينية بعد ما تسميه إسرائيل ما بعد مرحلة الرئيس أبو مازن».
ويرى أن الأزمات الأخيرة التي مرت بها السلطة أظهرها في حالة غياب بشكل كامل، فهي لا تظهر كعامل مؤثر في أي أحداث داخلية، حيث تتلاشى وتخسر السيطرة والحوكمة، كما تضررت فعالية وشرعية أجهزة الأمن.
وأوضح أن عناصر الإستراتيجية الإسرائيلية تقوم على إضعاف السلطة ودفعها نحو التفكك، واستمرار السيطرة على مناطق «ج» وتوسيع الاستيطان فيها، وتشريع البؤر الاستيطانية وطرد الفلسطينيين من مناطق سكنهم، إضافة إلى خلق ظروف مناسبة لفرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات وغور الأردن، وضمهما إلى إسرائيل، وهي إستراتيجية تقوم على القضاء على إمكانيات حل الدولتين.
وختم قائلا: ليس المهم ماذا تفعل إسرائيل بنا، إنما المهم هو: ماذا نفعل نحن بإسرائيل في سبيل مواجهتها كي نمضي قدما بالقضية الفلسطينية؟
وانتقد هاني المصري، مدير مركز «مسارات» غياب وعدم وجود إستراتيجية فلسطينية (القيادة الفلسطينية وقوى المقاومة) موضحًا أن الإستراتيجية تتطلب تحديد الأهداف القريبة والمتوسطة والبعيدة، وهو أمر لم يتحقق فعليا، فالدولة تقوم عبر النضال وتغيير موازين القوى وقلب الحقائق على الأرض، وهو ما لا يتم عبر التفاوض وإثبات الجدارة وحسن السلوك والتعاون الأمني والانخراط بالمنظومة الأمنية الإسرائيلية.
وعلق على أن الصراع في المرحلة المقبلة هو عمليا على مناطق «ج» التي لا تأخذ حقها بالاهتمام والبحث رغم كبر القضية التي تعكسها، واعتبر أن حسم الصراع عليها وضمها يقرب من حسم الأقصى لصالح الاحتلال.
واعتبر المصري أن القيادة الفلسطينية الرسمية لم تعد تطالب بدولة فلسطينية، وإستراتيجيها قائمة على البقاء والانتظار، وهو ما يفقدها الفاعلية ويجعلها ضعيفة.
وحسب الكاتب والباحث حسام الدجني فإنه وللخروج من عنق الزجاجة التي تمر بها القضية الفلسطينية يجب ان يكون هذا عبر الإقرار أن القضية محاصرة، و«أننا فعليا داخل زجاجة مغلقة، وبالتالي علينا بحث طرق الخروج منها، وهو أمر يتطلب مراجعة حقيقية وتقييما وتقويما لكل أشكال المقاومة الفلسطينية والمسلحة منها، وهو ما يكون لفحص واقع رأس المال الاجتماعي الفلسطيني وكل البنى في المجتمع الفلسطيني».
وختم: «نحن بحاجة إلى تقييم جدوى كل محور فلسطيني عبر قراءات غير فصائلية ولا تغلب الخاص على العام، على أمل أن نخرج بتصور يشكل ما نحتاج إليه وهو إستراتيجية فلسطينية».