عاش أيامه بين جدران غرفته الأربعة.. واكتوى بنار الوحدة واستنشق رمادها ودخانها خوفاً وغربة.. كان يمارس حياته على نحو تقليدي لا يتجاوز رتابة الواقع اليومي.. وفي إحدى الليالي تملكه خوف لم يستطع الإفلات منه.. خوف تسلل سريعاً لأعماق روحه..
اعتقد للوهلة الأولى أن إحساسه يشكل علامة من علامات الموت القريب.. إحساس حاول أن يواريه التراب خلال ساعات الليل.. حاول جاهداً تحرير نفسه من ذلك الكابوس المخيف، مثلما حاول التظاهر بالهدوء قدر المستطاع، ولكنه شعر بأن أحشاءه تكورت على بعضها لتصبح قطعة واحدة، وأن أطرافه بدأت تهتز كأنها ورقة وحيدة على غصن شجرة..
نهض من فوق سريره بعد أن شعر بأن العرق يتدفق من مسامات جسده ليرتمي بضجة على الأريكة المصابة بجميع أمراض الشيخوخة.. ليخرج منها تراب الزمن العالق بداخلها.
لم يكن يعاني من مرض مزمن معين.. كانت صحته جيدة، غير أنه كان يشم رائحة الموت وهي تقترب منه تدريجياً.. رائحة يجهلها جميع الأحياء إلا هو.. بدد عتمة الغرفة بعد أن أنار مصابيح الغرفة كلها، محاولاً طرد مخاوفه ولو لأجل مؤقت.. غير أن محاولاته باءت بالفشل، وظل يصارع نفسه حتى الغسق. وردت إلى رأسه فكرة أن يدون آخر لحظات حياته، وتطورت الفكرة حتى تحولت إلى كتابة وصية..
كتب حروفه بخط مرتبك مرتجف على ورقة سمراء ودفنها تحت رأسه بعدما استلقى على الأريكة وذاب في نوم لا يخلو من الحذر.. ضجيج الناس في الحي الشعبي الذي يسكن فيه لم يسمح له بالنوم طويلاً.. حيث تسللت أصوات المارة وأبواق السيارات إلى أذنيه ونبهته إلى إطلالة صباح جديد.. ومن دون أن يفتح عينيه تلمس جسده وتفقد نبضات قلبه، وتأكد من استمرارية حياته، فأبحرت المرارة واستنفدت الدموع وأصبح الأسى شفافا لدرجة كان يصعب تفريقه عن البهجة المؤلمة بسخريتها..
قبل أن يغادر تابوت الليلة السابقة، فوق أريكته العجوز، مزق وصيته كونها لم تعد سارية المفعول، واستعجل استبدالها بورقة أخرى تناسب التوقيت الصباحي..
تحمم وتعطر بعطر محلي الصنع وارتدى ثيابه المتواضعة، وكتب وصية جديدة بخط أقل ارتباكاً من الليلة الماضية وبتفصيل أكثر عن حياته، وعن شبح الموت الذي يرافقه.. وعمل على طي الورقة أكثر من مرة ووضعها في جيب قميصه.. وانطلق يجول بانتظار قدره الشؤم.. ربما غير الموت نظرته تجاهه، أو تجاهله أو انشغل بإنجاز مهام أكثر عجلة من روحه، لأنه قضى صراعا مع الحياة ورائحة الهلاك التي تمسح عطره المحلي لأكثر من خمسة أيام متواصلة.. كان يعيد كتابة وصيته أكثر من مرتين في اليوم الواحد، ويؤرخ فيها آخر التغيرات والمستتجدات.. ومع دخوله في اليوم السادس بدأ يشعر بالإنهاك النفسي والجسدي.. وبدأ يمني نفسه بأن تنتهي محنته في أقرب وقت حتى ولو بموته، لدرجة أنه تثاقل من كتابة وصية جديدة، بعدما لمس عدم جدية الموت تجاه روحه المنتظرة.. لكن القدر كان حاسماً صباح ذلك اليوم.
يبدو أن الموت كان يخطط ويرسم له موتاً يليق به.. لدرجة أنه أسقط جثته بهدوء على الرصيف وكأنما أراد سحب روحه من جسده من دون ألم.. حتى بدا وكأنه خيط شفاف أفلت من سنارة. تجمهر الناس حول جثته الهامدة وحاول أحدهم كشف هوية الجثة مفتشاً عن البطاقة الشخصية أو عنوان السكن.. إلا أن أحداً لم يجد سوى ورقة سمراء كان قد كتب فيها وصيته قبل يوم من رحيله.. التي تثاقل من تجديد محتواها.. فتحها وقرأها بصوت عال:
انتظر الموت، ربما هو أصعب من أي موت، هذا ما أدركته بعد خمسة أيام من القلق..
آسف جداً لمن يقرأ رسالتي السمراء هذه لأنه لن يجد ما ينفعه في جيوبي الخاوية، بعد أن جاهد عناء التفتيش، ولكنني أعدك بالتعويض، خذ ساعة اليد التي أرتدي على الرغم من كونها لا تساوي شيئاً، وخذ حذائي وتقبل اعتذاراتي لأنني لم اطله منذ زمن.. وامنح قميصي لمن تحب ما لم يكن ملطخاً بالدم.. وإن سأل الناس عن اسمي أبلغهم بان اسمي هو يوسف.. أخبرهم بأنني لا أحمل أي وثيقة تعريفية لأنني كنت لا أخشى السير في مناطق الاقتتال الطائفي.. ولكنني مع الأسف أجهل كيفية موتي. سوف تجد في جيوبي مبلغاً رمزياً.. امنحه لأي فقير تختاره أنت.. بحث في جيوبه عن المبلغ المذكور ولكنه لم يجد شيئاً.. غير أن صوت أحد المتجمهرين قاطع بحثه:
لقد سمعت ما كنت تقرأ، وتأكد من أنك لم تجد شيئاً مهما كنت قد بحثت عنه لأنه كان قد أنفق ما لديه مساء أمس، عندما زار مطعمي المتواضع وطلب طبق فاصوليا مع التمن ولم يكن المبلغ كافياً ولكنني تقبلته على مضض.
كاتب عراقي
نهار حسب الله