من أجل محو الأمية البيئية

حجم الخط
1

لطالما خدم الأدب جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية، من خلال استخدام المؤلفين براعتهم الإبداعية للتوغل في أعماق الوجود البشري. في السنوات الأخيرة برز نوع جديد من الأدب، يركز بشكل خاص على البيئة وعلاقتها بالعالم الطبيعي، وبروزه في السنوات الأخيرة لا يعني أنه لم يكن موجودا، لكنْ ثمة توجه اجتماعي لقضايا البيئة بتوجيه سياسي، على ما يبدو، هو ما جعل هذا الموضوع اليوم تحت الضوء أكثر من غيره. لكن دعونا نتفق أن لا شيء يمكنه رفع مستوى الوعي حول القضايا الإنسانية والنظُم الرابطة لها بقضايا أخرى أكثر من الأدب، لقدرته القوية على تبسيط المفاهيم المعقدة وجعلها أكثر سهولة وجاذبية. يمكن للأدب المخصص للقضايا البيئية أن يرفع من مستوى وعي القراء، ويلفت انتباههم للمشاكل البيئية المُلِحة، مثل التغير المناخي الذي نعيشه، والنتائج الكارثية لإزالة الغابات، وتلويث البحار، وفقدان التنوع البيولوجي. كما يمكنه أن يكون حافزا للنشاط البيئي، من خلال تصوير عواقب التدهور البيئي، وتقديم رؤى بديلة لمستقبل مستدام. يكشف الأدب بجرأة المعضلات الأخلاقية التي تؤدي في الغالب إلى انهيار الشعور بالمسؤولية تجاه العالم الطبيعي، ويحث على تعزيز الممارسات المستدامة.
كنموذج قريب أذكركم بقراءتي لرواية «تغريبة القافر» لزهران القاسمي، في مقال نشر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وكيف أعاد الكاتب بناء ثقافة أهل المكان الأصليين، وحديثه عن الأفلاج محتفيا بتجربة إنسانية عميقة سعت للتأقلم مع البيئة، والحفاظ على قيَم الحياة فيها، مستعينا بكم لا بأس به من الحكايات الشعبية والأساطير والقصص التقليدية المتداولة في التراث العُماني. إذ لا قصة تُروَى في التراث المحكي أو المدون، إلا وتنقل حكمة ما أو مجموعة حكم للأجيال الجديدة. وهي ميراث ثمين لا يقدر بثمن لو أننا تعمقنا فيه بعين فاحصة، ونظرة جدية لمحتواه.
الدافع لكتابة هذا المقال ليس العودة لرواية «تغريبة القافر» كما قد يبدو للبعض، بل لإلقاء نظرة على الأدب الذي اهتم بالبيئة بشكل حقيقي وتحسيسي واضح، مثل كتاب الأمريكية راشيل كارسون «ربيع صامت» الذي نشر في أيلول/ سبتمبر 1962 وكان من تأثيراته أن حرك الرأي العام ليتم وقف استعمال مادة الـ»دي دي تي» كمبيد زراعي، بل إن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى إثارة الحركة البيئة الحديثة، التي سلطت الضوء على الحاجة لحماية البيئة. تلت مجموعة كتب كارسون، كتب وروايات وقصص اهتمت بالبيئة، منها الكثير الذي تعج به المكتبات، ومنها رواية The overstory لريتشارد باورز الحائز جائزة بولتزر للرواية عام 2019، وهي واحدة من رواياته التي توقف فيها عند محطة بيئية جد مهمة. فمنذ أول أعماله عام 1985 «ثلاثة مزارعين يذهبون لحفلة الرقص» سجّل بصمته السردية وتميزه في ابتكار قصص مثيرة. ومؤخرا فقط نشر معه حوار في «نيويورك تايمز» يذكرنا فيه بروايته «ذي أوفرستوري» قائلا: «منذ حوالي خمس سنوات، نشرت روايتي «ذي أوفر ستوري» التي تروي حكاية عدد من الشخصيات التي اجتمعت لحماية غابة قديمة النمو، واضعين حياتهم على المحك في مواجهة عنيفة مع ذوي المصالح القوية، واليوم تجسدت القصة على أرض الواقع، حيث اهتزت أتلانتا بسبب إطلاق النار على متظاهرين في ساوث ريفر فورست، راح ضحيته الناشط مانويل استيبان بايز تيران 26 سنة»، وهذا ما نسميه بالضبط، الموت من أجل شجرة، وهو موضوع قد لن يفهمه كثيرون ظنا منهم أن الأشجار ليست كائنات حية لديها أحاسيس ومشاعر ووظائف مهمة ودقيقة تحمي الإنسان قبل غيره من أخطار تتربص به وتدمره، إذا قضي عليها.
ارتبطت قصة الشاب الذي مات من أجل الأشجار بتفاهة مشاريع بشرية لا تخدم سوى العنف، وتزيد من شدة اتساعه، فتلك الغابة الهادئة الجميلة رأى بعض المستثمرين أنها تصلح مركزا تدريبيا للرماية، والمطاردات السريعة، بعد قطع الأشجار وبناء مجسم فريد من نوعه ليكون قبلة للمتدربين. ولعل السخط العام على تصرف الشرطة التي تخدم أرباب المال أحيانا، أعاد الرواية إلى الواجهة، وكأنها تنال البوليتزر لتوها. فيما تثير تصريحات ريتشارد باورز ضجة حين تقول إن اعتداء الإنسان على ممتلكات الأشجار غير منطقي، فقد سبقته مستوطنة المكان منذ مئات السنين، وها هو اليوم بكل غبائه يقرر غزوه مرتكبا جرائمه المعروفة بقتل ملاك الأرض للاستحواذ عليها.
ربما لا عاقل في مفهومنا الدارج سيتقبل هذا الكلام، لكن قليلا من التفكير قد يغير رأيه، سواء بقراءة كتب باورز أو قراءة كتب مماثلة تضع الإنسان في مكانه الصحيح، وتراه جزءا صغيرا من الكوكب الحي، وهو في كل الحالات لا يملك أي صلاحية لقتل الحياة حوله واستبدالها بهياكل ميتة. وفي الحقيقة فإن معركة «ساوث ريفر فورست» جعلت الناس ترى أبعد من أنوفها، وتشعر بخطر الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء، وتصاعد العداوات بين أفراد المجتمع الواحد بسبب تقلص فضاءات الترفيه الطبيعي، وتزايد السجون الإسمنتية التي يشيدها الأثرياء لأهداف تجارية قد توفر دخلا بسيطا لليد العاملة ولقمة عيش، لكنها أبدا لن توفر لهم السلامة الجسدية والعقلية التي توفرها الطبيعة لهم.
يعترف باورز بأنه اكتشف العلاقة المعقدة بين الإنسان وعالم الطبيعة متأخرا، فتحدث عنها بإسهاب في أدبه، مؤكدا أن هوياتنا وشعورنا بالانتماء لا شيء يوجِده إلا تلك الروابط النفسية والروحية والعاطفية مع البيئة. وكلما كانت تلك البيئة طبيعية أكثر، شعر الانسان بجذوره الممتدة فيها، وهذا يفسر دون شك قطع تلك الجذور حين تثور الطبيعة لأسباب غير مفهومة ضد نفسها وضد كل كائن يعيش في كنفها.
تشمل الأمثلة البارزة للأدب البيئي، كتابات راشيل كارسون، وهنري ديفيد ثورو، وألدو ليوبولد، ووندل بيري ومارغريت آتوود وغيرهم، وهم منتشرون في الغرب لأن أفق حرية التعبير أكبر، ولأن النقد لا يستسخف الأفكار المتخيلة كما هو الأمر عندنا الآن، وكما كان قبل مئتي عام عندهم. تجدر الإشارة إلى أن مستقبل البيئة غير مرتبط بكثرة الأدب البيئي، بقدر ما يعتمد على الإجراءات والقرارات الجماعية التي تتخذها الحكومات والمنظمات التابعة لها، ومدى استجابة المجتمعات لها. أما الوعي فهو مقترن بالتنشئة والقراءة على المستويين العائلي والمدرسي. إعطاء الأهمية والأولوية للتنمية المستدامة ستكون له نتائج مبهرة في تقليص كمية النفايات في العالم وإعادة تدوير أغلبها، والإقبال على استهلاك المنتجات الصديقة للبيئة. هكذا يتم تدريجيا محو الأمية البيئية ما يعزز الشعور بالمسؤولية بين الأفراد والمجتمعات. ويجعلها أكثر استنارة وإدراكا لترابط مصالحها مع بقاء البيئة في حالة جيدة.
ما يقترحه علماء البيئة وأنصار الطبيعة وفئة قليلة من الكتاب والشعراء وأهل الفن لا يعني أن ننكب جميعا على كتابة مواضيع إنشاء مثل تلاميذ المدارس، لكن يجب أن نضع صوب أعيننا أهدافا سامية للتقليل من التشوهات التي تطال الطبيعة فتنعكس علينا سلبا. تاريخيا شهد كوكب الأرض خمسة أحداث انقراض جماعية، وفي كل مرة كان التنوع البيولوجي يشهد انخفاضا حادا، ما أدى إلى القضاء على كميات كبيرة من الأنواع على وجه الكوكب. حدث ذلك بسبب تغيرات مناخية مهمة، وضربات كويكبات أو سقوط نيازك، ولكن منذ بدأ البشر في ممارساته الصناعية دخلنا عن غير قصد مرحلة الانقراض الجماعي السادس.
في عملها الحائز جائزة بوليتزر «الانقراض السادس»، الذي يمكن القول إنه أحد أفضل الكتب في العلوم البيئية، ذكرت إليزابيث كولبرت أنه بحلول عام 2050 قد يكون تغير المناخ قد أدى إلى انقراض يصل إلى نصف الأنواع في العالم، وهو حدث مأساوي بدأته التنمية البشرية بالكامل. إن عدم إدراك معنى «انبعاث غازات الاحتباس الحراري» يعني المضي قدما نحو حتفنا، ولكن الأدب وبعض الفنون في مواجهتها لسياسات عالمية غير آبهة بمستقبل البشرية والحياة فوق كوكب الأرض، لا يعني أن الحل يكمن فيها، إن الحل في أيدي أصحاب القرار، فالأدب بالكاد يوقظ بعض الضمائر وينبه للأخطار التي في انتظارنا.

شاعرة وإعلامية من البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية