في ظل الصراعات الكبرى، يضيع معنى الصراع نفسه، ليصير حرباً توافقية حول المعنى الأولي وربما المعنى الأصلي لكل شيء، لكن ما قيمة «المعنى» في ظل الاغتيال المعنوي -أساسا- والجسدي – في أقصى الأحوال – من أجل إثباته أو نفيه. لن أدخل في جرد تاريخي للحروب الطاحنة، لكن سأحاول إثبات الادعاء الذي يكاد يفضح نفسه من شدة الاختفاء الجلي! دعونا ننسى كل شيء، كما فعل ديكارت لإثبات تسامي «المعنى» عن «خداعه» لنفسه بسلطة الجاه والمال والشهرة… لكن أيضاً بتبرير تصديق ما يضفي طابع «الصدقية» وليس المصداقية على المعنى المراد تصديقه.
إن صناعة المال لا تحاول تأسيس شيء ما، بقدر ما تحاول أن تنفي المال لصالح تثبيت سيطرة قيمة المال، عبر تجريده من ذاته لكي يصبح قيمة غير مدركة في ذاتها، هذا معروف لكن ما معنى ذلك؟
أن يصبح المال قيمة يعني أن يغدو معيارا رمزياً من خلال قوته كصناعة – ليس فقط – للقطاعات الحيوية والإنتاج والاستهلاك والخدمات، لكن كقيمة متجاوزة لذاتها بشكل لا نهائي، تجعل كل حصر لقيمة ما مضاعفة لها، أو كما يقول بودريار في موضوع آخر تحركه الدوافع نفسها (الحروب والإعلام) أن قيمة المال كامنة فيه، أو بمعنى أدق أن قيمته تتنامى بشكل مطرد بمعزل عن الواقع، فهو يتناسل خارج أي واقع، بل أنه يحدد معنى «الواقع» بشكله الماهوي وهنا تكمن خطورته، أي في التصاقه بالواقع لحد جعله غير ممكن الحدوث بشكل مختلف، فهو طارئ بشكل راهني، يتحول ويحول الزمن بسكون لا يترك أثراً لما قبله، لأنه متجذر في صميم الحركة نفسها، ومسح جذري للواقع، بل هو تصد لأي «معنى» مختلف لأنه يضفي قيمة على أي معنى فرعي، المال كقيمة غير قابلة للتمثيل لأنه ممثل أحادي غير قابل للتوازي كفصل عنيف لكل تواز يفصح عن انبثاق المعنى، حيث يقوم بشرخ يفصل المعنى عن ذاته باستمرار، ليصبح مستحيلاً إلى آلة عمياء.
من المعلوم أن إبداع المفاهيم شأن فلسفي بامتياز، لكن الفلسفة تموضع ذاتها – على الأرجح- خارج المبدأ والمذهب، حيث يبرز الشق الأول لكل مفهوم قيد التطوير في الإبداع المحض كمفهوم منبثق خارج التصنيف الصرف الذي لا يدخل بالضرورة في مهام المبدع، الفصل بين المبدأ والمذهب يبدأ ولا ينتهي مع الفلسفة، بل عند ما معنى أن نكون مبدعين راهناً؟
عوداً على بدء، لن أكرر ما سبق حتى لا أعيد نفسي، لكنني سأخدع الدافع الذي يحركني حتى أنجز ما أصبو إليه، وأتخلص من خدعة التسامي نفسها.
ليس للفن علاقة بالإبداع، كما أنه ليس هناك حد فاصل بين العلم والأدب، هناك تواشج مستحيل التطابق مع ذاته، هو الإبداع كحقيقة مستحيلة التشكل الواحد والاستقلال الأحادي، كمعنى كامل ضد كل شمولية أو تمزيق أو بناء تراتبي، لأن الإبداع لا ينطلق من الفراغ بل من المبدع، أقصد مبدع «المعنى» أو بشكل أكثر دقة «مترجم الأبعاد» خارج حدود اللغة والنوع (الإنساني والفني والأدبي) بغض النظر عن إيماني بالإنسان، فأنا لا أومن بالحدود بين اللغات أو النوع الأدبي، لكن الأسلوب هو الذي يتسامى هنا وليس من يكتبه، يتسامى عن التصنيف أو وهم التصنيف، إلى المعنى الذي ينكب على ذاته لكي يدمر السلطة الكامنة في قيمته غير القابلة للتمثيل.
من يقود من؟ إذا كانت حركة الإبداع هي ذلك الشيء الآتي من لامكان، لكنه لا ينقهر في العدم، ذلك «اللاشيء الذي سيغدو كل شيء»(بلانشو)، الإشكالية التي تعيدنا إلى السؤالين المحوريين في تاريخ الأدب الحديث (بعد الحربين) من منظور فلاسفة الأدب الغربيين:
ماذا يستطيع الأدب بالنظر إلى المؤسسة تودوروف؟
– هل لا يزال الأدب ممكناً بعد فظاعات اوشفيتز؟ (بلانشو) – سأركز عليه بشكل ضمني-
تتجلى راهنية هذه الأسئلة بالنظر إلى الواقع المغربي والأفريقي والعربي، بغض النظر عن الاختلاف التاريخي والثقافي للسياقات، وأيضاً في سياق التحولات العالمية، في ظل عولمة منطق «التحويل» في الثقافة واللغة والأدب الغربي أساساً، الذي تداول المعنى عبر إذكاء التناقض، لكن ترجمة مفهوم «التحول» في حد ذاته (كافكا) واستيعابه داخل الثقافة العربية لم يكن سلساً على المستوى الفكري كمعنى الثورة على الذات من أجل تحقيق كرامة الفرد، إذ أن نقيض هذه العملية هو الحاضر الآن وربما بشكل جذري وكارثي حالياً، متجلياً في منطق الكل ضد الكل الاستئصالي، حيث سيصبح المعنى بالضرورة ساحة حرب ونزاع، بل قتالا وفي أشد الحالات تفاؤلاً توافقاً إقصائيا (عنفا رمزيا مبطنا)، في ظل غياب أي تدبير لاقتصاد «المعنى»، ما عدا ما لاحظته في تونس أساساً من خلال الحركية الثقافية والسياسية والمجتمعية ومستويات الانسجام.
في سياق آخر مرتبط ومتداخل مع ما كتبت أعلاه، وهو ما دفعني إلى كتابة هذا المقال أساسا، هو مفهوم المبدع كقيمة للإبداع وليس العكس كما يسود الاعتقاد، المبدع هو نفسه كتجسيد لقيمة الإبداع، مبدع معنى الإبداع، فسؤال الإبداع ليس معنى معزولا ومكتفيا بذاته أو منغلقا على ذاته بقدر ما هو تجسيد المبدع لمعنى الإبداع ولإبداع المعنى، وتحييد قيمة المعنى، هذه هي وظيفة المبدع في نظري ارتباطا بالسياق المشار إليه، أقصد تنسيب قيمة المعنى وليس البحث عنه، لكن بالمقابل فالمعنى الذي يستأصل عصب الحياة هو نفسه الذي يعطيها قيمتها، وهذا ما يجهله أو يتجاهله الكثيرون على المستوى الثقافي أساساً، مما يجعل أي حرب هي أساساً «فاشية لمعنى ما.»
كاتب مغربي
وليد المنجرا