قرش الغردقة يهدد السياحة بمزيد من الخسائر… ومافيا خفية تتلاعب بسوق «الدخاخنية» وتتحكم فيه

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بين قلق القى ظلاله على الكثيرين بسبب مؤامرات إسرائيل التي خرجت إلى العلن، والتي تستهدف السيطرة على الأقصى، والتي تسعى تل أبيب لفرضها، ومخاوف العاملين في قطاع السياحة ومن خلفهم الجهات المختصة من ضربة مؤلمة تتعرض لها وزارة السياحة، إثر حادث التهام قرش لسائح روسي في البحر الأحمر، فضلا عن المحنة الاقتصادية التي لا يوجد ما يشير لقرب انفراجها قريبا، تعددت القضايا والمعارك التي شغلت السلطة وأذرعها الإعلامية وفي التفاصيل: شدد الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف، على رفض أي محاولات لتقسيم الأقصى زمانيا أو مكانيا. وقال جمعة: إن محاولات تقسيم الأقصى زمانيا أو مكانيا، اعتداء غاشم على قدسيته. وأشار إلى أن الأقصى عهدة إسلامية خالصة واقتحاماته المتكررة استفزاز كبير لمشاعر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وتابع، هذه الاعتداءات الآثمة لا تخدم سوي جماعات التطرف وتعرقل المساعي الحميدة لتحقيق السلام والعيش الإنساني المشترك.
ومن أخبار المؤسسة الدينية كذلك: يشارك الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية، في فعاليات منتدى «بناء الجسور بين الشرق والغرب» في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، المقرر انعقادها بعد أيام. وصرَّح الدكتور إبراهيم نجم مستشار مفتي الجمهورية، بأنَّ هذه الزيارة تأتي امتدادا للجولات الخارجية التي يقوم بها فضيلة المفتي، في ضوء الاستراتيجية التي وضعتها دار الإفتاء المصرية، بوصفها إحدى مؤسسات القوة الناعمة المصرية للتواصل الديني مع الخارج.
أما لجنة السياحة في مجلس النواب برئاسة النائبة نورا علي، فناقشت مستجدات تنفيذ استراتيجية زيادة إيرادات القطاع السياحي لـ30 مليار دولار سنويا، وطالبت الحكومة بخطة ترويج مبتكرة لجذب أكبر عدد من السائحين، خاصة في ضوء إعادة تشغيل خطوط طيران مباشر بين مصر وكل من طوكيو/ نيوجيرسي/ بلغراد. وشهد النائب العام المستشار حمادة الصاوي ووفد رفيع المستوى حفل استرداد الدولة المصرية لجداريتين أثريتين في إحدى قضايا نهب وتهريب الآثارالدولية، تلبية لدعوة السفير علاء يوسف سفير جمهورية مصر العربية لدى فرنسا؛ لحضور الحفل في مقر السفارة في باريس، على هامش الزيارة الرسمية التي يجريها النائب العام ووفد من مكتبه، لبحث أوجه التعاون الدولي القضائي بين البلدين، خاصة في التحقيقات المشتركة التي يجريانها حول سلسلة من جرائم منظمة عابرة للحدود الوطنية، ارتكبتها جماعة دولية منظمة متعددة الجنسيات تضطلع بنهب وتهريب الآثار المصرية وغيرها، عبر مختلف البلاد الافريقية والأوروبية والآسيوية، والاتجار فيها في أكثر من دولة في جميع أنحاء العالم على مدار سنوات عديدة، وبأساليب محكمة في التهريب وفي تزوير مستندات ملكية الآثار المدعى بها، تلك القضية التي تجري فيها النيابة العامة المصرية تحقيقات مشتركة مع نظرائها الدوليين، من جهات التحقيق بدول الاتحاد الأوروبي وغيرها من الدول لملاحقة المتهمين فيها قضائيّا، واسترداد الموجودات والآثار المصرية المنهوبة والمهربة إلى خارج البلاد. ومن أخبار الامتحانات: أعلنت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني ضبط الطالب المتسبب في نشر امتحان التربية الدينية للثانوية العامة للعام الدراسي 2022-2023 عبر كامير الموبايل من داخل اللجنة ووجه الدكتور رضا حجازي وزير التربية والتعليم والتعليم الفني باتخاذ الاجراءات القانونية ضد الملاحظين في اللجنة واستدعائهم للتحقيق معهم في ديوان عام الوزارة.
العطش وارد

مصر صاحبة الـ105 ملايين نسمة، والمليون كيلومتر مربع، معظمها كما يقر أسامة سرايا في “الأهرام” صحراء، وشريط ضيق على نهر النيل في الدلتا يتكدس فيه المصريون، يأكلون، ويشربون من النيل، لا يملكون مطرا، أو مددا آخر غيره، وجاءهم المهدد الجديد، جاءهم من دولة المنبع إثيوبيا، شقيقتهم، تهددهم بالمياه، ستقيم السدود.. النيل (العذب) يسمونه النهر الخائن، لأنه يتسرب من تحت أيديهم، ويذهب بقوة الخالق، وإرادة الطبيعة، منذ بدء الخليقة والإنسانية على وجه الأرض، ليشرب أهل مصر والسودان. أيتها الشقيقة العزيزة إثيوبيا، أنتِ لديكِ موارد ضخمة من المياه، تهطل عليكِ طوال العام، مليارات لا حصر لها تجعلكِ أغنى بلاد العالم من المياه، فما تشربه مراعيكِ أكثر من موارد مصر المائية كلها.. كنا ننتظر منكِ أن تقيمى السد الذي أطلقتهِ (النهضة)، وأن تبادري إلى الحوار مع الشقيقة، لتسأليها عن احتياجاتها المائية، ومستقبلها، أو تتعاوني معها في التنمية لإقامة حضارة افريقية جديدة، وتسأليها عن مستقبل الحضارة المصرية التي قامت على نهر النيل، في ظل السدود التي تقف، وتمنع انسياب المياه في جداولها بفعل البشر، لكن مصر السيسي بادرت، وعالجت المواقف، بترشيد استخدام المياه، في الداخل، وبأموال طائلة لترميم الترع، وصيانتها، والمصارف، وإعادة تدويرها، مع تحلية المياه، وتبحث عن قطرة المياه لتعيش الحضارة، وتستمر، والأهم احتضان إخواننا الأفارقة في العمل المشترك. رحلة الرئيس الأخيرة، ورحلاته منذ توليه السلطة، ورئاسته القمم الافريقية، والمنظمات المتعددة منها، وحديثه باسم افريقيا المستمر- أصبح حديث الناس في افريقيا كلها.. في موريتانيا والسودان، وليبيا وموزمبيق وتنزانيا وزامبيا وجنوب افريقيا، بل في إثيوبيا نفسها.. كل العواصم الافريقية تتحدث عن مصر، وعن حقها في الحياة، وفي النيل.

سيئ الحظ

“في واحد من أقسى المشاهد التي يمكن للمرءِ أن يتعرض إليها؛ افترست سمكةُ قرش من نوع يُطلق عليه مسمّى “النمر” شابا في مقتبل العمر، خلال سباحته في أحد شواطئ البحر الأحمر قبل أيام”، وتواصل الدكتورة بسمة عبد العزيز في “الشروق” وقائع ما جرى، نقلت المشهدَ عدسة محمول لسيدة كانت تقف على الرمال؛ تطلقُ الصيحات الناتجة عن صدمة مُروعة لا يمكن تجاوزها، أو إغماض العين عنها، كما لا يُمكن أيضا التدخّل للحيلولة دون استكمال تفاصيلها. القرشُ يحوم ويجرح الشَّاب في مقتل ثم يناوره، والنزف يظهر على السّطح ويلون المياه، بينما السيدة تصرخ والناس يتجمّعون؛ لا يجرؤ أحدهم على وُلوج المياه الحمراء، ولا على المبادرة بأي فعل من شأنه إنقاذ المستغيث الذي يختفي تماما في فترة قصيرة، ويفهم من اختفائه أن الأمر قد انتهى وصار من الماضي. قسوة الصورة المصحوبة بالصّوت تأتي ولا شك من كونها حقيقة؛ لا لقطة من دراما خيالية. كثيرة هي الأفلام التي حبسنا أنفاسنا أمامها واندمجنا في متابعة لقطاتها، وكدنا نطلق الشهقات إزاء تطوراتها؛ لكنها أبدا لم تتركْ غصّة في حلوقنا ولا سَكَنت ذاكراتنا طويلا مُستدعية ذاك الشعور المؤسي بالعجز وقلّة الحيلة، في مواجهة كائن شرس؛ لا جدال في فظاعة الواقعة خاصة وللشاب الراحل عائلة كانت في انتظاره، دون أن يخطر ببال أحد أفرادها أن رحلة المرح والتخفّف من الهموم ستنتهي بمغادرة الحياة كلها. الأحداث التي وقعت بعد انتهاء عملية الافتراس، تمثل بداية لسِلسِلة من التأمّلات؛ هي في رأيي الأكثر جذبا وحفزا على النقاش من كلّ ما سبق رغم مرارته. استعان المسؤولون بمجموعة من الصيادين للتعامل مع سمكة القرش، وتمكن أصحاب الخبرة من انتزاعها من المياه، فما أن صارت ملك أيديهم حتى اندفعوا في موجة ضرب عنيفة، أسالت من جسمها الدماء، وحطمت أسنانها، ولم يكن الأمر طبيعيا ولا معتادا في عمليات الصيد.

جنون مواز

بدا التصرف الجماعي من وجهة نظر الدكتورة بسمة عبد العزيز أشبه بصورة من صور الانتقام؛ انتقام لمقتل الشاب، ولتخويف الأشخاص المصطافين والسائحات والسائحين، الذين سيتجنب أغلبهم ولا شك الاقتراب من البحر، وللتسبب في أيام مقبلة من الركود، يتوقع العاملون في المنطقة المنكوبة أن تحل بهم جراء الواقعة. الحقيقة الأولى أن أسماك القرش تضم فئات مفترسة بفطرتها، سمكة النمر إحداها، وهي لا ترتبط بالعيش في مكان محدد وقد يمتد بها العمر إلى أن تبلغ الخمسين عاما، ولا شك في أنها تمثل حلقة في سلسلة غذائية متصلة تحتضنها الطبيعة وتحافظ عليها، فإن أصابها الخلل؛ كان البشر على قائمة المُسببات الرئيسة فيه. حقيقة ثانية مؤداها أننا نتعامى عن كوننا نتشارك الحياة مع كائنات أخرى تختلف عنا، وكثيرا ما نترك بيئتنا الطبيعية لنقتحم بيئتها، ثم إذا بنا نندهش من وجودها ونتمادى في محاولات إقصائها. الحقيقة الثالثة تتلخص في مجموعة من التوقعات غير الناضجة تقود في كثير الأحيان تصرفاتنا؛ منها على سبيل المثال أننا نتعامل بعض الأحيان مع مراتب وفصائل الأحياء التي تحظى بخلايا عصبيّة محدودة وقدرات ووظائف إدراكيّة متواضعة إذا ما قُورنت بنا؛ ندّا لنِد، مُفترضين أنها تحمل منظومة أخلاقية مُشابهة لنا، وأنها تتمتّع بضمائر ومبادئ تُحاكي ما نحمل، فإن اتبَعت غريزتها ومارسَت ما جُبِلت عليه؛ استأنا منها، واستنكرنا فعيلها ونحونا إلى عقابها، دون وازع من الحِكمة أو قليل من التفكير. دون شك، التعامُل مع خطر مُحدق ومحاولة الحد منه؛ فعل منطقي، واصطياد سمكة القرش المتهمة أمر مفهوم بالنظر إلى وجود أشخاص آخرين مُعرّضين لهجماتها، إذ بقيت في المنطقة التي حصلت فيها على طعامها ولم تغادر إلى عرض البحر؛ أما عن إطلاقنا العنان لمشاعر الغضب والغيظ تجاهها، وإقامة حفل تعذيب وحشيّ مبتكر؛ ففعل يستدعي التروي.

بين قرشين

على بحر مدينة الغردقة الجميلة، التي تضم مجموعة من أجمل الشواطئ الطبيعية على سطح كوكب الأرض، دون مبالغة. عانى رامي جلال في “المصري اليوم” كما أخبرنا متاعب من قرشين اثنين في هذه المدينة: القرش الأول هو الموجود في جيبي، حيث أخذت وقتا كبيرا لترتيب هذه السفرية الداخلية، لأن أسعار الإقامة في الكثير من الفنادق المتميزة أصبحت شديدة الجنون؛ ارتفاعات غير مسبوقة (أزور الغردقة بضع مرات سنويا منذ حوالي ثماني سنوات). أحد الفنادق التي اعتدت السكن فيه أصبح سعر الليلة الواحدة فيه تسعة آلاف جنيه مصري. (زيادة 500% خلال أربع سنوات). وهناك فنادق كبيرة أخرى وصل سعر الليلة فيها إلى حدود ضعف هذا الرقم. أنت مجبر على أن تقلل جودة ما تتلقاه من خدمة لكي تواصل قدرتك على الوجود في المدينة. قيل لي أن جزءا من المشهد هو أن الموسم السياحي الحالي، شهد تحويل تعاقدات الكثير من الأفواج السياحية الأجنبية من مدينة شرم الشيخ إلى مدينة الغردقة منذ مؤتمر المناخ، ويُقال إن الأسعار سوف تهدأ بدءا من أغسطس/آب المقبل، وأشك في ذلك، فما يزيد عندنا لا ينقص كثيرا. والطريف أنني خلال أسابيع سأزور عدة دول أوروبية، ليس من بينها ما يُكلف في الإقامة هذا الحد الهستيري، حتى مع ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه المصري، أخذا في الاعتبار طبعا الفارق بين الإقامة في منتجع سياحي والإقامة في فندق صغير في أي عاصمة أوروبية.

تأمين الولادة

بشكل عام، والكلام ما زال لرامي جلال، يُلقي هذا الأمر ظلالا على الكثير من شركات السياحة المصرية، التي تروج للمقاصد السياحية، كوجهة سياحية، للسائح الأجنبي بسعر منخفض لا يتناسب عموما مع جودة شواطئها أو عراقة آثارها، ولا مع تنوعها السياحي الكبير، فالأجنبي هنا يدفع في حدود رُبع ما يدفعه المصري. يبدو أنه من المهم أن نعلم أن أعداد السيُاح مهمة، لكن نوعيتهم أيضا هي أمر يجب عدم إهماله. القرش الثاني كان سمكة قرش، من النوع «تايغر» (قرش النمر)، وهي كائنات بطيئة التكاثر، مهددة بالانقراض، تُعد الأشرس بين كل أنواع القروش كونها تتغذى على أي شيء تجده. وقد منعتني إحدى تلك الأسماك المتوحشة من السباحة لمدة يومين (قليل البخت يطلع له القرش ع الشاطئ). زاد القرش الثاني معاناتي مع القرش الأول. هاجم قرش النمر أحد السياح الروس بشكل وحشي على بُعد حوالي كيلومتر واحد من المكان الذي كنت أسبح فيه مع أصدقائي، قُتلت الضحية على الفور. وأخبرني صديق روسي أن السائح الضحية ليس سائحا بمعنى الكلمة، ولا مقيما بدوام كامل، والقصة أن الشاب الراحل، 24 عاما، قدم مع أسرته من روسيا منذ عدة أشهر هربا من التجنيد في الحرب الروسية الأوكرانية، في محاولة للحفاظ على حياته، لكن يبدو فعلا أن «مَن لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد»، ولا هروب من الأقدار. المتواتر أن أحد أهم أسباب الهجمة الأخيرة هو قيام تجار الماشية، ممن يستوردونها عبر البحر، بإلقاء ما نفق منها في المياه مما يُغير الأنماط السلوكية لتغذية القروش، التي تحاول تتبع طعم اللحم نفسه الذي أكلته من قبل، فتصطدم بالإنسان وتبدأ في تذوقه، ومن ثَمَّ قتله. والسبب المحتمل الآخر لدخول سمك القرش للمياه الضحلة هو محاولة إناث تلك الأسماك تأمين مكان لعملية الولادة.

شديد النرجسية

فى خطاب التنحي الذي ألقاه الرئيس جمال عبدالناصر إلى الأمة المصرية يوم 9 يونيو/حزيران معتذرا ومعترفا بالمسؤولية عن الهزيمة عبارة مدهشة، لا يقولها إلا شخص شديد النرجسية، لكن ما يحير مصطفى عبيد في “الوفد” هو كيف كتب الأستاذ هيكل المعروف بدهائه هذه العبارة، مسجلا إياها لأجيال قادمة لا تحمل في ذهنها سوى السخرية من حكم الفرد. تقول العبارة: «إن قوى الاستعمار تظن أن جمال عبدالناصر هو عدوها، وأريد أن يكون واضحا أمامهم أنها الأمة العربية كلها، وليس جمال عبدالناصر. إنهم يصورونها إمبراطورية لعبدالناصر، لكنها ليست إمبراطورية لعبدالناصر، لأن حلم الوحدة العربية بدأ قبل جمال عبدالناصر، وسيستمر بعد جمال عبدالناصر». لاحظوا معى كيف ذكر اسم عبدالناصر على لسان صاحبه ست مرات في فقرة واحدة. كيف أمكن لمثقف بحجم هيكل أن يكتب هذه العبارة متصورا أن هناك عقلا يستوعب أن الدول الكبرى مجتمعة، وليس إسرائيل صاحبة العدوان تجيش الجيوش، وتخوض الحرب بويلاتها وضراوتها من أجل شخص واحد هو عبدالناصر. والغريب في الأمر الإيحاء للناس بأن عبدالناصر حقق حلم الوحدة العربية، منكرا أن مصر شهدت أسوأ مرحلة في علاقاتها العربية خلال زمن الزعيم المفدى، حيث وصل الأمر إلى الحديث عن بعض الزعماء العرب بأسماء أمهاتهم. وكان الرجل بإعلامه وسياساته أداة فرقة وخلاف وشقاق مع دول عربية عديدة، وصولا بالأمر إلى إرسال الجيش المصري لليمن، دون سبب واحد منطقي ليقاسي ويحارب معارك لا طائل منها سوى في خيال الزعيم.

للنفاق جذور

في محنة النكسة انتهى مصطفى عبيد إلى ما يلي: إن المديح المتواصل، والإشادة الدائمة، وغياب كلمة «ولكن» ونسيان فقه الاختلاف، قاد الوطن، والأمة، والتجربة برمتها إلى الهلاك. لم تكن الهزيمة سوى تعبير عن طاووس بات يصدق أن كل ما يفعله صواب مطلق، وأنه هدية السماء للبلاد والعباد. في أرشيفي الصحافي صور عديدة لوصلات المدح والنفاق الذي قادنا إلى الهزيمة. في “أهرام” 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1954، نقرأ تصريحا للمهندس عبود (المليونير الشهير) إثر مقابلة عبدالناصر يقول فيه بالنص: «مصر لم تشهد نظيرا لعبدالناصر». وفي “أهرام” 26 يناير/كانون الثاني 1955 نقرأ عنوانا لخبر في الصفحة الأولى يقول: «الرئيس جمال هو الرجل الأول في الشرق» وتحته عنوان آخر يقول: «أكثر الحكام العسكريين حلما وترفقا واعتدالا». والعجيب في الأمر أن من لعنوا استبداد عبدالناصر بعد رحيله كانوا ممن شاركوا في صناعته. ففي “أخبار اليوم” أغسطس/آب 1956 يكتب مصطفى أمين تحت عنوان (فلاح بني مر): «هل كان يخطر ببال أحد أن يخرج فلاح مصري من قرية بني مر (عبدالناصر) ويهز العالم. فتسرع الدول الكبرى لعقد الاجتماعات وحشد الأساطيل وتقوم الدنيا ولا تقعد» ويصل في نهاية مقاله إلى: «يجب أن يشعر العالم كله أن كل مصري هو جمال عبدالناصر.. إنه بعث أمة، روح منطقة بأسرها». وفي “الجمهورية” بتاريخ 16 يناير سنة 1958 يكتب الشاعر كامل الشناوي تحت عنوان «هذا البطل» قائلا «وعبدالناصر هو هذا الرجل الذي انبثق من أرض مصر..من عقيدتها. من إحساسها. من فكرتها. هو الذي صنع الثورة، فكان قلبها وعقلها، كان لهبها، ووقودها». وكان طبيعيا ما حدث في 5 يونيو/حزيران 1967.

العشق الحرام

سؤال صادم سعى للاجابة عليه خالد حمزة في “المشهد”: سؤال: هل يكره المصريون إسرائيل على طريقة المرحوم شعبان عبد الرحيم؛ اللي كان بيحب عمرو موسى صاحب عما يتساءلون؛ أو على طريقة المصريين الحنجوريين: سنلقي بإسرائيل في البحر؟ جواب: الواقع اننا نعشق إسرائيل؛ ولكنه ليس عشق الحبيب المتلهف للقاء حبيبته؛ الذي فرق بينهما البعاد؛ واكتفيا عوضا عنه.. بقلة النوم والسهاد نعشق فيها.. زمن البلطجة الجميل واللي ماتعرفش تاخده بمخك الجميل؛ تاخده بإيدك يا معلم؛ وحد له شوق في حاجة. أو مال.. مش أحنا ملوك الفهلوة نعشق فيها روايح إبراهيم الأبيض؛ ودماءه الثائرة في كل مكان. نعشق فيها زمن الجزيرة.. ومقولة السقا الشهيرة: من النهاردة مفيش حكومة.. أنا الحكومة ونعشق فيها مقولة جدي وجدك: اللى ملوش كبير يشتري له كبير؛ حتى لو كان بلطجيا.. ياكل نص العيش؛ ولكنه خبازه نعشق فيها الرزالة وسمك الجلد والتناحة والصبرعلى جيرانها السو؛ لا ربنا ياخدهم لا يرحلوا؛ لا يسيبوا لينا الجمل بما حمل.. من النهر إلى النهر نعشق فيها أنها تأكل عيش وكرواسون وكل ما لذ وطاب؛ على أطلال ضعفنا وتخاذلنا؛ ولا مؤاخذة انبطاحنا في كثير من الأحوال ونعشق فيها أنها مع كل ضربة قفا من هنا أو هناك؛ بتقوم وتعافر وتناطح على طريقة أغنية بنك مصر الشهيرة: يا معافر؛ أو قفا الفيلم الشهيرعنتر ولبلب؛ نعشق إسرائيل ونخبئ عشقنا ؛ ولا نعلم أن العاشق تفضحه عيونه؛ فما بالك بأعين أكثر من 100 مليون مصري نعشق إسرائيل ونكره أنفسنا؛ ونقول على الشهيد إنه إرهابي أو ذئب منفرد أو أصابته لوثة عقلية؛ أو أنه خارج عن السياق؛ أو أن فرحتنا به.. نوع من المراهقة الساذجة، نعم.. نحن نعشق إسرائيل ونداري؛ على طريقة العشق الممنوع والمسلسلات التركية لمهند وشركاه.

مشكلة قديمة

أين الحقيقة في مشكلة السجائر المصرية؟ أشرف عزب عنده الكثير من التفاصيل كما أطلعنا في “الوفد”: الرحالة التركي أوليا جلبي أثناء رحلته إلى القاهرة في سبعينيات القرن السادس عشر وصف سوق «الدخاخنية» في القاهرة وقال «يوجد فيها ألف وستون حانوتا لبيع التبغ (الدخان)، عدا ستمئة وأربعين مقهى، في كل مقهى بائع للدخان، كما هو مقيد في سجل الصوباشي – الذي هو مدير أمن المدينة ـ ويبلغ مجموع من يعمل في هذه الحرفة من البائعين والدلالين ما يقرب من ألف نفس». وتمر الأيام وليس هناك أسرع منها، ليتحول سوق «الدخاخنية» إلى صناعة مؤثرة، وتبدأ معها الأزمات في الظهور، لتنشر جريدة «الأهرام»، منذ ما يزيد على نصف قرن بثلاث سنوات، وتحديدا في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1976، موضوعا بعنوان «أين الحقيقة في مشكلة السجائر المصرية؟ أسواق سوداء في مناطق معروفة في القاهرة تقوم بتهريب السجائر إلى الأقاليم»، وجاء في الموضوع أنه في منطقة «الكحكيين» توجد كميات كبيرة من السجائر تتسرب من المتعهدين وتجار الجملة إلى بعض المناطق لتباع بأسعار مرتفعة بعيدا عن رقابة وزارة التموين، وأريد هنا التركيز على رقابة وزارة التموين في ذلك الوقت، لأن رئيس «الشرقية للدخان» وقتها المهندس أحمد خيري قال، إن لديه معلومات بأن منطقة «الكحكيين» و«الصنادقية» فيها سوق سوداء، ووزارة التموين المفروض عليها أن تبحث هذه المشكلة. لا يختلف وصف المشكلة القديم عن وصفها الحالي، ولن يبعد كثيرا عن حديث إبراهيم إمبابي رئيس شعبة الدخان، الذي أرجع أسباب أزمة الارتفاع الجنوني لأسعار السجائر الآن إلى تجار كبار يقومون بإخفاء السجائر، ثم يلقي إمبابي المسؤولية على وزارة المالية، ويقول إن تباطؤ اتخاذ القرار والتحقيق الضريبي من وزارة المالية هو ما أحدث البلبلة الحالية.

تاهت الجريمة

تمر الأيام سريعا، كما أخبرنا أشرف عزب لنرى الآن في سوق «الدخاخنية» أغرب المشاهد، فالمواطن أو بتعبير أدق «الزبون» يرى السعر الحقيقي مدونا على علبة السجائر، ثم يكتشف أنه للفرجة فقط، وأن التجار الذين طالب رئيس شعبة الدخان المستهلك بعدم الخضوع للجشع الذي يمارسونه ليسوا سوى الحلقة الأضعف في سلسلة الجشع، وأن هناك مافيا خفية تتلاعب بسوق «الدخاخنية»، وتتحكم فيه وترفع الأسعار دون محاسبة من أحد. ويؤكد هذا الكلام رئيس شعبة الدخان نفسه عندما أكد أن الإنتاج يسير بوتيرة منتظمة، وما يثبت أن هناك مافيا تحقق المليارات من التلاعب في هذه السلعة هو أن «شركة الشرقية – إيسترن كومباني» حققت أرباحا بلغت 3.48 مليار جنيه خلال الفترة من يوليو/تموز حتى ديسمبر/كانون الأول 2022، فما بالك بأرباح تلك المافيا من زيادة الأسعار بشكل غير رسمي، غير خاضعين لضرائب أو جمارك.. والسؤال: لماذا تترك الدولة هذه المافيا دون حساب، وتترك معهم تلك المكاسب غير المشروعة؟ الأدهى والأَمَر في سوق «الدخاخنية» أن هناك أصنافا من السجائر منتشرة وتباع في كل مكان، وعندما تسأل عن مصدرها يقولون إنها مهربة.. وكله «على عينك يا تاجر».

معجزة جيله

بيب جوارديولا، أفضل مدربى جيله، 11 لقبا محليا خلال 14 موسما مع برشلونة، وبايرن ميونيخ ومانشستر سيتي، وفي ليلة العاشر من يونيو/حزيران الجاري، أحرز جوارديولا، كما قال حسن المستكاوي في “الشروق” كأس أوروبا، ليكون هو لقبه رقم 35 في مسيرته.. وتلك الأرقام تشهد له بالتميز. لكن لماذا هو أحد أفضل خمسة مدربين في تاريخ كرة القدم؟ المعيار هو الجديد الذي يقدمه، هو الابتكار والإبداع، وهو أولا وأخيرا البهجة والمتعة التي ينثرها في عيون عشاق اللعبة في أرجاء المعمورة. فعل ذلك مع برشلونة وبايرن ميونيخ ومانشستر سيتي، ومع ذلك ظل العبقري في أشد الحاجة للفوز بلقب دوري أبطال أوروبا، حتى يفتح له كتاب التاريخ ذراعيه، بعد أن عانده طوال 12 عاما في رحلته مع كرة القدم. صباح يوم المباراة تلقى جوارديولا رسالة من سير أليكس فيرغيسون يشجعه، وبعد المباراة قال جوارديولا عن الرسالة: «كان شرفا عظيما لي، وهو شرف أن أجلس بجواره في الإنجاز نفسه، تحقيق الثلاثية». ومعروف أن السيتي هو ثاني فريق إنكليزي يفوز بالدوري وكأس الاتحاد وكأس أوروبا بعد مانشستر يونايتد عام 1999.. لكن اللقب الأوروبي لم يكن سهلا، فبعد مرور نصف الساعة كان مانشستر سيتي يقاتل بارتباك، أمام إنتر ميلان الذي مارس الضغط على الكرة، وأينما تذهب، وبالتالي كان ذلك ضغطا كاملا على لاعبي السيتي، وبهذا الضغط، وبهذا الأسلوب الدفاعي الصعب جدا، نجح إنتر ميلان في حرمان مانشستر سيتي من سره ومن سحره. حرمه من السيطرة على الكرة وامتلاكها وفرض إيقاعه. أصيب دي بروين وخرج، وفي تلك اللحظات بدا أن الزي الأسود الذي ارتداه جوارديولا ملائما لما يجرى في الملعب.. فهو مثل عازف موسيقى في فرقة مشهورة، أو كما الساحر عليه أن يفعل شيئا، عليه أن يخرج الأرنب الأبيض من قبعته. وجلس الساحر الإسباني ثم وقف، ثم مشى، ثم عاد وجلس، وهو متوتر للغاية. ثم قفز فجأة، وعيناه حائرتان، ويبدو أنه تذكر ما جرى في 2021 حين خسر النهائي أمام تشيلسي، يبدو أنه تذكر أشباح بورتو، وأخذ يصيح بغضب شديد على لاعبيه استرخوا.. استرخوا.

أكثر مما يجب

جوارديولا يوصف بأنه يفكر أكثر مما يجب، لكن ضمن أفكاره التي اطلعنا عليها حسن المستكاوي تغيير دور جون ستونز من قلب الدفاع إلى الوسط ليلعب بثلاثة مدافعين، وقبل ذلك بسنوات كان طوّر من دور الظهير وجعله يمارس دور نصف الجناح. لكن هذا كان يخلق مشاكل دفاعية ضد الأجنحة القوية ويتطلب الكثير من التعديلات. إنها استراتيجية محفوفة بالخطر والمغامرة. وعلى الرغم من أن جوارديولا اتبعها في بعض الأحيان مع فيليب لام وديفيد ألابا في بايرن، ونجح تماما مع ستونز الذي لعب بجوار رودري. فى الدقيقة 68 فعلها رودري، أحد أهم لاعبي السيتي، وسجل هدفا جميلا حين تقدم وسدد، وفي تلك اللحظة تنفس جوارديولا هواء ستاد أتاتورك، فقبل الهدف كان إنتر ميلان ثالث الدوري الإيطالي متألقا وندا، إلا أن نشوة الهدف لم تستمر فقد هاج إنتر وماج، وهاجم، وأنقذ إيدرسون مرماه مرتين، وضيع لوكاكو ما شاء من فرص، لينتهي اللقاء بفوز القمر السماوي، ويردد جمهوره نشيده التقليدي. وبعد مراسم التتويج، قال جوارديولا: «هذا الفوز كان مكتوبا لنا في النجوم. أشعر بالتعب وبالرضا. كنا في غاية القلق في الشوط الأول، وكنا نعلم أن المباراة ستكون صعبة. قلت للاعبين تسلحوا بالصبر». لم يكن جوارديولا في حاجة إلى كأس أوروبا لكي يوضع في مكانته التي يستحقها في تاريخ كرة القدم كمدرب. فعندما يوصف مانشستر سيتي أنه أحسن فريق في العالم يلعب كرة القدم، تكون تلك شهادة جدارة للمدرب الإسباني، يستحقها معها صفحة في كتاب تاريخ كرة القدم لكن من الأسف أن التاريخ يفتح صفحاته للبطولة أولا، مع أن إنتاج المتعة والبهجة بالابتكار والإبداع في كرة القدم، هو الأصل، وهو السبب الذي جعل اللعبة ممتعة للملايين.. على أي حال المهم أن جوراديولا هزم أشباح ملعب التنين في بورتو أخيرا.

تركيبة رديئة

أسباب عديدة تقبع وراء الأداء الرديء، يأتي على تركيبة رأسها وفق ما يراه الدكتور محمود خليل في “الوطن” تركيبة الإدارة، وسماتها واتجاهاتها نحو الجمهور الداخلي أو الخارجي الذي تتعامل معه. لو افترضنا – على سبيل المثال – أننا بصدد شركة تقدم منتجا معينا إلى الجمهور، وتأملت نظام العمل فيها، فستجد أن يتأسس على وجود إدارة (مدير ومجلس إدارة) ومجموعة من الشغيلة (يمثلون الجمهور الداخلي)، والمفترض أن الطرفين (الإدارة والشغيلة) يتعاونان معا من أجل تقديم المنتج أو الخدمة إلى الأفراد المستفيدين (الجمهور الخارجي). من المفترض أن الشغيلة يتم اختيارهم من الجمهور، والإدارة يتم اختيارها من الشغيلة. هذه الطريقة في الاختيار (من أسفل إلى أعلى) هي الضمانة الوحيدة للخروج بمنتج ذي مواصفات عالية، لأن الشغيلة كجزء من الجمهور، أوعى باحتياجاته، والإدارة كجزء من الشغيلة، تمثل الأكفأ بين العاملين والأقدر على دفع الشركة إلى الأمام، لكن ما يحدث داخل مربعات “الأداء الرديء” يمثل العكس، إذ يتم الاختيار في الأغلب من أعلى إلى أسفل. فالشغيلة لا يتم اختيارهم بشكل موضوعي، يرتكز على مبدأ تكافؤ الفرص من بين أفراد الجمهور العادي، بل يتم انتقاؤهم على أسس أبعد ما تكون عن مبدأ “الفرصة للأفضل”، والنتيجة أنهم يعملون بصورة غير واعية – وأحيانا متعالية – على الجمهور، وبالتالي يزهد الناس في نتاج عملهم، لأنه ببساطة لا يشبع احتياجاتهم أو يلبي حاجاتهم. أما مجلس الإدارة فهو مجلس مصنوع، يصنعه المدير على عينه، وبالتالي فقراراته قاطعة في ما يتعلق بالمنتج الذي تقدمه الشركة، ولا تلتفت كثيرا إلى قدرة الشغيلة على التنفيذ من ناحية، أو ما يحتاجه الجمهور من مواصفات فيها، من ناحية أخرى.

الخلل سببه ما يلي:

هذه التركيبة في العمل لا تؤدي وفق ما انتهى إليه الدكتور محمود خليل إلى الحصول على منتج جيد، لأنها محكومة بمبدأ التعالي على الجمهور، وبالتالي عدم الوعي أو الالتفات إلى احتياجاته. فالإدارة تدير بقاعدة الاضطرار، وترى أن الشغيلة محكومون به، فبسبب ضيق الفرص أو محدوديتها سيضطر من يعمل في الشركة إلى قبول ما يفرض عليه من شروط عمل، وأنماط أداء، بغض النظر عن درجة رضاه عنها، ويؤدي ذلك إلى إهمال الشغيلة، وعدم اكتراثهم بالتجويد، لا لشيء إلا لأنهم يتعاملون بمنطق أن الجمهور سوف يتلقى أي منتج يلقى إليه بالإذعان، بسبب محدودية البدائل. تركيبة على هذه الشاكلة لا بد وأن تفضي، إلى أداء رديء، فالتعالي على الجمهور، وعدم الوعي باحتياجاته، يمثل البوابة الملكية لسوء الأداء، لأن “المنتج جمهور” قبل أي شيء، والإحساس بالاضطرار لا يوفر بيئة عمل دافعة نحو التجويد أو تقديم الأفضل، بل تدفع “الشغيلة” إلى الإهدار وسوء استغلال الموارد والمعطيات المتوافرة، وغياب الحافز على تقديم منتج أفضل. والأصل في كل هذه المشاكل، هو الإدارة التي تم الدفع بها من أعلى دون تعبير عن “الشغيلة” من ناحية، ودون تقدير لـ”الجمهور” من ناحية أخرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية