إسطنبول ـ «القدس العربي»: عدد من الحوادث الأمنية والاضطرابات ضربت عدد من المدن التركية خلال اليومين الماضيين أثارت الخوف والتكهنات بوجود مخطط لزعزعة الأمن في البلاد، في الوقت الذي كشفت فيه الجهات الرسمية تفاصيل مثيرة عن المهاجمين وطريقة قتل المدعي العام في مدينة إسطنبول، الثلاثاء.
وسيطرت الشرطة التركية، ظهر الأربعاء، على رجل مسلح بعد فترة وجيزة من اقتحامه أحد مقرات حزب العدالة والتنمية الحاكم الواقع في حي كارتال على الجانب الآسيوي من مدينة إسطنبول. وتم استجوابه من قبل إدارة مكافحة الإرهاب، دون التعرف على أسباب قيامه بهذا الفعل.
وأظهرت صور بثتها وسائل الإعلام التركية أن الرجل الذي يبدو في العقد الرابع من العمر قام بتحطيم الزجاج ورفع علماً تركياً مضاف عليه صورة السيف ذو الفقار (أحد اشهر سيوف علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين) رمز الاقلية العلوية في تركيا.
وفي وقت لاحق، أوقفت الشرطة التركية الأربعاء نحو عشرين شخصا مقربين من المجموعة اليسارية المتطرفة السرية المسؤولة عن عملية احتجاز المدعي العام رهينة، مساء الثلاثاء، والتي انتهت بمقتل القاضي وناشطين كانا يحتجزانه.
ومساء الثلاثاء، اندلعت حوادث بين ناشطين قريبين من المجموعة اليسارية وقوات الأمن في العديد من احياء إسطنبول.
وجرت حملة قوات الأمن في مدينة انطاليا (جنوب) واستهدفت 22 طالبا يشتبه بصلتهم بالحزب/الجبهة الثورية لتحرير الشعب التي تبنت العملية.
وتزامنت هذه الحوادث مع انقطاع «غير مسبوق» للتيار الكهربائي، شل الثلاثاء، معظم المحافظات التركية وأدى إلى توقف الحياة لمدة 8 ساعات، في حادثة لم تستبعد العديد من الجهات التركية أن يكون خلفها هجوم إلكتروني متعمد أو عملية تخريب مقصودة.
وكان مسلحان ينتميان إلى «الجبهة الثورة لتحرير الشعب» أقدما ظهر الثلاثاء على احتجاز المدعي العام التركي محمد سليم كيراز في مكتبه بمبنى قصر العدل وأقدما على قتله بعدما اقتحمت قوات خاصة من الشرطة التركية مكان الاحتجاز مما أدى لمقتلهم على الفور.
وكشف الأربعاء، مصادر أمنية تركية عن أن المسلحَين، دخلا إلى القصر العدلي، مرتديا ملابس المحاماة «روب»، وكانا يحملان بطاقات محاماة مزورة، وأنهما لم يمرا عبر جهاز أشعة X، على مدخل القصر العدلي.
وأوضحت المصادر أن الشخصين اللذين كانا يحملان مسدسا، توجهها إلى مكتب المدعي العام كيراز، في الطابق السادس، ووجها السلاح إلى رأسه، وأغلقا باب الغرفة، وقام كيراز بالضغط على زر طلب المساعدة، فتوجه عدد من قوات الأمن إلى الغرفة إلا أنهم لم يتمكنوا من الدخول لأن الباب كان مغلقا.
وقالت: «قوات الأمن فجّرت إحدى الحقائب التي كانت في غرفة المدعي العام، بعد اقتحامها ونقله إلى المستشفى وقتل المسلحين، خشية وجود قنبلة، إلا أنها كانت خالية».
وكان كيراز يتولى التحقيق في قضية الفتى «بركين ألوان»، الذي فارق الحياة، جراء إصابته بكبسولة قنبلة مسيلة للدموع، خلال احتجاجات منتزه غزي في منطقة تقسيم بإسطنبول، عام 2013.
رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو أكد، الأربعاء، أنه أصدر التعليمات لإتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة، من أجل تعقب من يقفون خلف عملية قتل المدعي العام والوصول إليهم أينما كانوا، وقال: «إن الإرهابيين منفذي عملية احتجاز المدعي العام كيراز، كانوا على اتصال مع جهات خارجية، أثناء احتجازهم له، مؤكداً أن السلطات التركية كانت تتابع ذلك». دون الافصاح عن هذه الجهات.
وأضاف بعد مشاركته في جنازة المدعي: «باسم الحكومة التركية، وباعتباره دَينا في أعناق الشعب التركي سيتم استبدال اسم القصر العدلي في اسطنبول من «جاغلايان» إلى «محمد سليم كيراز» المدعي العام الذي أستشهد الثلاثاء في الهجوم الإرهابي على القصر».
من جهته، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: «إن الديمقراطية ليست نظامًا يستكين ويتخلى عن مضمونه ببساطة، أمام مثل هذا النوع من الهجمات الإرهابية، وينبغي على جميع المؤمنين بالديمقراطية، أن يقفوا صفًّا واحدًا في مواجهة أولئك الإرهابيين».
ودعا في تصريحات صحافية من العاصمة الرومانية بوخارست التي قطع زيارته لهابسبب الأوضاع الأمنية في البلاد، دعا الأحزاب السياسية في تركيا، إلى «إظهار مقاربة وطنية في هذا الصدد»، مشيرًا إلى وجود «أحزاب تعمل جاهدة على استغلال واستثمار تلك الهجمات الإرهابية لخدمة سياساتها».
وأدان الأمين العام للمجلس الأوروبي «ثوربيورن ياغلاند»، أمس الأربعاء، الهجوم الإرهابي الذي استهدف القصر العدلي باسطنبول، وأسفر عن مقتل المدعي العام «محمد سليم كيراز»، الثلاثاء.
وقال في بيان: «إننا ندين الهجوم الإرهابي الذي استهدف القصر العدلي في اسطنبول بشدة»، وعبر عن تعازيه إلى الشعب التركي وأقارب المدعي العام، مشيرا أن الهجوم الذي يسعى إلى زعزعة الاستقرار في المجتمع الديمقراطي من قبل متطرفين سياسيين أو دينيين «يثبت أن تركيا وأوروبا لا تزال تحت تهديد المتطرفين».
يشار أن شخصين دخلا إلى القصر العدلي باسطنبول، ظهر الثلاثاء، وهما يرتديان عباءة المحامين، وتسللا إلى غرفة مدعي عام قسم جرائم الموظفين في النيابة العامة، محمد سليم كيراز، الذي تمكن من طلب المساعدة بالضغط على زر للإنذار في الغرفة، واستمر احتجاز «كيراز» في غرفته قرابة 8 ساعات.
وقامت قوات الأمن باقتحام الغرفة قرابة الساعة الثامنة والنصف مساء، بعد سماعها صوت إطلاق نار في الغرفة. وقتل محتجزا المدعي العام في الاقتحام، فيما نُقل الأخير إلى المستشفى لتلقي العلاج إثر تعرضه لإصابات بالغة، إلا أنه فارق الحياة رغم كافة المحاولات الطبية لإنقاذه.
وقال وزير العدل التركي الأربعاء إن الشخصين الذين احتجزا ممثلا للادعاء رهينة في اسطنبول «صوبا سلاحا إلى الأمة» وتعهد بملاحقة «قوى الظلام» المسؤولة عن الحادث بعد مقتل الثلاثة في محاولة إنقاذ نفذتها الشرطة.
وكان عضوان بجبهة التحرر الشعبي الثوري اليسارية المحظورة قد احتجزا ممثل الادعاء محمد سليم كيراز (46 عاما) رهينة في مكتبه باسطنبول الثلاثاء.
وكان كيراز يقود التحقيقات في وفاة الفتى بركين علوان (15 عاما) في مارس آذار من العام الماضي بعدما ظل في غيبوبة لمدة تسعة أشهر في اعقاب إصابته في الرأس بعبوة غاز في احتجاجات مناهضة للحكومة في 2013.
وقالت جبهة التحرر الشعبي الثوري اليسارية على موقعها الإلكتروني إن عملية احتجاز الرهينة جاءت انتقاما لمقتل علوان.
وقال وزير العدل كنعان ايبك للمشيعين في جنازة كيراز التي حضرها مئات المحامين والقضاة «لا نرى هذا هجوما على ممثل الادعاء الراحل بل على منظومة العدالة بأسرها. أنه سلاح صوب إلى الأمة.»
وبينما وضع نعش كيراز ملفوفا بالعلم التركي في بهو مبنى احدى المحاكم قال الوزير «دولتنا قوية بما يكفي لملاحقة أولئك الذين يقفون خلف هؤلاء المجرمين… لا يجب أن تجعل حقيقة مقتل هؤلاء القتلة القوى الشائنة والظلامية تشعر بالارتياح.»
واحتجزت الشرطة مسلحين الأربعاء بعدما اقتحما مقرا لحزب العدالة والتنمية الحاكم في أحد أحياء اسطنبول وعلقا علما تركيا عليه شعار السيف في نافذة الطابق الأخير.
وقال الرئيس رجب طيب إردوغان الأربعاء إن الهجوم على مقر لحزب العدالة والتنمية في اسطنبول محاولة لتقويض عملية السلام التي تقوم بها أنقرة مع المسلحين الأكراد.
إلى ذلك، ذكرت وسائل الإعلام المحلية أن متعاطفين مع جبهة التحرر الشعبي الثوري اليسارية اشتبكوا مع الشرطة خلال الليل في اثنين من أحياء مدينة اسطنبول.
من ناحية أخرى قال موقع اتحاد يساري على الإنترنت إن شرطة مكافحة الشغب احتجزت 36 طالبا في جامعة اسطنبول بعد تعليق لافتات تحمل صورة أحد محتجزي ممثل الادعاء في كلية الحقوق.
وحذر رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو في وقت متأخر أمس الثلاثاء من خطر تصاعد أعمال العنف قبل إجراء الانتخابات العامة في يونيو حزيران وحث كل الأحزاب على «تشكيل جبهة موحدة في مواجهة الإرهاب».
وفي تغريدة على موقع تويتر قال نائب رئيس الوزراء أمر الله إيسلر إن محتجزي الرهينة على صلة بجماعات حرضت على العنف أثناء اضطرابات 2013 التي أصيب فيها علوان.
وكان إردوغان قد وصف علوان في السابق بأنه «بيدق الإرهابيين».
وتشكلت جبهة التحرر الشعبي الثوري اليسارية في نهاية السبعينيات وكانت وراء سلسلة اغتيالات وتفجيرات انتحارية منها هجمات قاتلة على السفارة الأمريكية. وتستهدف أيضا الشرطة التركية بشكل متكرر.
وتدرج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا الجبهة على قائمة المنظمات الإرهابية.
إسماعيل جمال