صورة الكاتب مع عمر الخطيب
في الزمن الجميل، قبل عصر التفاهة والتسطيح السائد اليوم في الإعلام والأدب والغناء، كان صوتٌ تلفزيونيٌ استثنائي مميز، في تقديم برنامجٍ معلوماتي موسوعي رفيع المستوى، هو صوت المقدسي عمر الخطيب. صوتٌ موسوم قلبا وقالبا باسم برنامجه «بنك المعلومات» فقد كان فعلا اسما على مسمى، لثقافته الموسوعية ولتقديمه الحماسي الجذاب، القاسي حينا على المتسابق الهابط معلوماتيا، واللطيف والمشجع للمتسابق الحامل جوهرة في رأسه، حيث كان يطريه بهُتافة الإعجاب والمديح، التي أضحت ماركته المشهورة «يا سلام عليك!».
عمر الخطيب الفلسطيني المُشرد، زيتونةٌ مقدسيةٌ شامخة من حواكير قرية عين كارم، التي هُجر أهلها عام 1948، التي كانت منثورة بالزيتون والمناظر الطبيعية الخلابة والممتدة في عمق الزمان والتاريخ. بلدتُهُ عين كارم هذه وفق العقيدة المسيحية، هي بلدة القديس يوحنا المعمدان، الذي قام بتعميد السيد المسيح في الماء في نهر الأردن، بحلول الروح القدس، على شكل حمامة (إنجيل لوقا 12:5، إنجيل مرقس 10:38).
عمر الخطيب بمهنيته الإعلامية العالية وبمعلوماته الموسوعية، وصوته الجهوري وأدائه الجذاب وحركاته الدرامية، وطرحه الأسئلة البانورامية بجدية وعمق وذكاء، كان مقدما تلفزيونيا مُثيرا وإعلاميا مميزا، فقد رسم لنفسه صورة مميزة في التقديم والأداء الإعلامي، استمدها من دراسة الإعلام، حيث حاز الدكتوراه من جامعة ولاية أوهايو عام 1972، ثم عمل أستاذا أكاديميا في هذا الحقل في الجامعة الأردنية. لقد أتى الإعلام من مصادره كقول بشارة الخوري في رثاء شوقي، «سألْتنيهِ رثاء خُذْهُ من كبدي / لا يُؤخذُ الشيءُ إلأ من مصادره». كان يبدأ برنامجه مشحونا بالحماس والإحماء والتسخين، ناثرا كلمات قاموسه المعهودة مستخدما فيها مدّ الحروف المتسارعة: «ماذا تريد/ ين» «أيوا يا..» «استهلال موفق» «يا سلام عليك!» «تو اتنين اتنين اتنين» «كلام سليم» « أيوا.. أيوا»
«وهدا صحيح» «برافو عليك» «تهانينا».
كان صاحب «يا سلام عليك!» ينزل درج الاستوديو كما في مشهد درامي، بحركية وسرعة وسط تصفيق جمهوره، وحين يصل الشاشة الصغيرة، كان يضع نظارتيْه إلى جانب الشاشة ويشبْك أصابع اليديْن، وينتقل بعدها بصوته العاصف المسكون بمد الحروف إلى المسابقة بجو جدي درامي حماسي مسكون بمحاورة المتسابق، حاملا عصاه القصيرة. وكان صوتُهُ متناغما مع إشاراته وحركة يديْه وتحريك عصاه التوجيهية، التي استخدمها بوصلة توضيحية للمتسابقين الفرسان، إذ كان يشير بها إلى أجزاء السؤال المركب الوارد على الشاشة.
إنهُ موسوعة في رجل، في زمن استثنائي، حين كان التسابق في المعلومات العامة أيقونة اجتماعية تشد وتجذب ملايين المشاهدين، وحين كان الإعلام والتلفزيون خاصة، يعطي حيزا للحقول المعرفية، قبل أن ندخل عصر التفاهة والسقطة والطبيخ الإعلامي. لقد أعطى صورة استثنائية للإعلامي العربي الموسوعي الراقي في زمن جميل. لم يكن يقرأ الإجابات الصحيحة للأسئلة من الشاشة، بل كانت تنثال وتتدفق من جعبته مثل نبع صافٍ، لثروته المعلوماتية الهائلة المخزونة في ذاكرته، كما كان ملما وضليعا في اللغة والأدب العربي، لا يلحن في الكلام، وكان حافظا للشعر، كما كان يجيد اللغة الإنكليزية بطلاقة. لقد كان طرحه للأسئلة الرفيعة لبقاً وواضحاً كعيْن الديك. هذا الإعلامي احترم برنامجه الراقي، كما احترم ضيوفه المتسابقين ومشاهدي برنامجه، وأحدث في الإعلام العربي نقلة نوعية في إدخال المسابقات المعلوماتية إلى المرناة، والتي ما كانت لتكون لولاه.
كان برنامجه تحريضيا للبحث والتنقيب في حدائق المعرفة وغاباتها، لأنه آمن بالمعرفة كما صرح «نحن الآن في عصر المعرفة، والمعرفة قوة» فقد جعل من التلفزيون الذي هو أداة الترفيه والتسلية الرئيسية، محركا ومحفزا للقراءة والتنقيب، يستفز فيها المتسابقين والمشاهدين إلى البحث والقراءة.
لقد غاب مقدم البرامج المثقف البارز وغاب معه «بنك المعلومات» البرنامج الراقي، ولم يبق في الإعلام التلفزيوني من إثراء معلوماتي إلا نزر يسير، وكما ردد عمر خطيب في مقابلة أجريت معه بعد توقف برنامجه هذا «لكل زمن دولة ورجال» معللا وعازيا ذلك التوقف إلى عصرنا المسكون بتجدد المعلومة بسرعة وتيرة. ما أحوجنا اليوم في عصر التفاهة الإعلامية وموت القارئ والثقافة المهترئة، إلى برامج تلفزيونية راقية، وإلى إعلاميين مهنيين أمثال عمر خطيب، يصبغون التلفزيون بألوان ثقافية وبرامج معلوماتية يضوع منها مسك المعرفة.. وتثري المشاهد.
كاتب فلسطيني