القيم السيرذاتية في الشعر العربي: من طموح الملفوظ إلى تشظي الذات

عند الحديث عن مسألة القيم في الشعر العربي الحديث والمعاصر، ولاسيما قيم الشعراء السيرذاتية، كما عبروا عنها في قصائدهم بأساليب وطرق تعبيرية ملحمية ترتفع إلى درجة شعورهم الدراماتيكي، لا يمكن أن نفصلها عن «إبستيمي» الحقبة المضطربة التي كانوا يعيشونها ويكتوون بنارها «غير المقدسة»؛ وهي، في نهاية التحليل، قيم كونية تتردد في الكتابات ما بعد الكولونيالية التي أزاحت ألاعيب المركزية الغربية وتأويلاتها المغرضة منذ «استشراق» إدوارد سعيد.

قيم غنائية

لم يكُف الشاعر العربي في كل الأزمنة، عن أن يُضمن قصيدته قيم سيرته الذاتية، وأن يتكلم من خلالها عن ذاته، الأصلية والمتلفظة، وفق أسلوب ما وحساسية ما. وتبعا للتقليد الأدبي الذي كان سائدا في هذا العصر أو ذاك، نعثر على تجارب ذاتية في الحياة صاغوها شعرا بما يعكسه من تواريخ فردية خاصة، تجلو تَفردهم بمقومات شخصية، وتجارب، وأذواق وقيم، ومواقف واقتناعات وانشغالات. كان أنا الشاعر في مركز القصيدة العربية التي انطبعت بطابع ذاتيته، وكانت هذه القصيدة العربية تتناول منذ نشأتها شتى الأغراض والموضوعات الخاصة بالشاعر نفسه، وما يرتبط بوجدانه نفسيا وعاطفيا (الغزل، الوصف، الرثاء، الشكوى وذم الزمان، الإخوانيات…) إلا أن «فردية الشاعر المتأصلة، وحرصه على التحدث بلسان نفسه» كما يرى عبد الله الطيب، كان مما يجعله في كثير من الأحيان يصطدم مع حاجات المجتمع، وكان يمنحنا ذاته في إنسانيتها بكل ما تنطوي عليه من مباهج آنية وتبرمات ونقائص حتى لا يسحقه هذا المجتمع الذي يعيش فيه. كانت الغنائية في الشعر العربى تجسيدا لموقف واضح للذات من العالم وإقامته فيه، بَلْهَ «شكـل حياة» عند شعرائنا في سالف العصور. وقد أثبت جمال الدين بن الشيخ، أن هذه الغنائية كانت الوجه الأكثر تمثيلا للقيم السيرذاتية في الشعر العربي، ومصدرها الرئيس؛ إذ عبرت عن نفسها في ثلاثة سجلات رئيسية، هي: الحب والطبيعة والفضائل الإنسانية، وبالتالي اشتملت على قائمةٍ من العواطف العظيمة التي تمثل قانون الإنسانية المشترك الذي لا قانون أعلى للشعر يحرص على التعبير عنه والارتقاء إليه بلغته ومجازاته. وبعد أن تلبس «الأنا الغنائي» بأوضاع شعرية جديدة تتأرجح بين الشخصي والإنساني المطلق، ابتداء من التأويل الرومانسي الملقح بتأويل مسيحي ونيتشوي، صار الملفوظ الغنائي يرجع إلى مقولة النوع «غير التخييلي» الذي يصدر عن «أنا أصلي وحقيقي». فشعراء الرومانسية العربية في سياق إعلائهم من شأن القيم الذاتية، يراهنون على طبيعة التجربة التي امتحنوها وانعكست على كتابة الأنا في توتر صوتها الغنائي الذي يلتبس مع السيرذاتي وينزلق إليه، يحدوهم وهم الاستعادة والتأسي على حاضر الذات وعزاء الكتابة التي تشف عن جوانب من شخصياتهم «الغنائية» بما تنغلق عليه من لوعة العاطفة وعطش إلى الحب، كما عند شعراء أبولو (أبو القاسم الشابي، إبراهيم ناجي، علي محمود طه، محمد عبد المعطي الهمشري..). وزاد شعراء المهجر الذين اتصلوا بالثقافات الأخرى، بأن جددوا في نسيج الصورة للتعبير عن تلك القيم بحساسية فردية جديدة، لاسيما عند جبران. كما استحدث بعضهم الآخر؛ مثل مطران، صيغا حكائية للحد من تدفق الإطار الغنائي وتجريب ممكنات تلفظية مختلفة.

نزوع درامي… محبط

تحت تأثير «الغصن الذهبي» لجيمس فرايزر، ووجود مُحفزات أيديولوجية وحزبية ضاغطة، نزع الشعراء المحدثون إلى «دَرْمنة» الملفوظ الشعري من خلال لجوئهم إلى استخدام القناع بأنواعه (التاريخي، الديني، الأسطوري..). وكانت فضيلة القناع عندهم؛ عند من نُعتوا بـ»التموزيين» منهم، أنه أوجد بلاغة جديدة تحررت من الرومانسية بطابعها الانكفائي وانغماسها الذاتي، وأطلقت «الأنا المحدث» في شبكة دلالية ورمزية تتسع لوجوه تعبيرية ودرامية ثرية من أجل البحث عن الذات ومعناها المُعذب في الحاضر، ومن أجل إضفاء «الموضوعية» على التجربة الذاتية عبر «مضاعفة الصوت» بين أنا الشاعر وأنا الشخصية المُستدعاة، بشكل يسمح للشاعر أن يُشخص «درامية الموقف» وأن يرتقي إلى مصاف الأسطورة ويواجه ذاته الحاضرة في آن بلغة نبوئية وتبشيرية وثورية تريد أن تجد أجوبة لمأساة التحول التاريخي.
وبسبب نزوعها الدائم إلى السرد، انفتحت القصيدة الحديثة على تعددية الأصوات، واقتربت لغتها وهيئاتها النصية من الواقع ومفرداته وموضوعاته، ومن ثمة اغتنى مضمونها الفكري وأخذ طابعها الغنائي يتَقلص لصالح الطابع الدرامي. ولهذا، مثل توظيف آلية القناع أبرز التعبيرات الأساسية داخل هذه القصيدة، وهي ـ كما يرى إحسان عباس- تتجسد في ثلاث صيغ: التعبير عن القلق الروحي والمادي، والتعبير عن البعث والتجدد، ثم التعبير عن العذاب والآلام التي يواجهها الإنسان المعاصر. فلم يعد القناع مجرد تقنية، أو حيلة بلاغية، أو صوتا عابرا في القصيدة، بل صار يُمثل أنا الشاعر في تَحولها المأساوي وغيريتها الطافحة بالجراحات الجمعية، من غير أن يعني أي شكل من أشكال التطابق بينهما؛ بين أنا الشاعر وأنا الشخصية. فمن قناع إلى آخر، كان الشعراء المحدثون يملكون وعيا تاريخيا، وكان مشروعهم الحداثي يتمثل في إعادة كتابة ذواتهم التاريخية وصياغتها ضمن أفق كُلي جديد. ولذلك، فإن القناع لم يأْتِ من فراغ الواقع، ولا من رغبة السيطرة عليه، أو التعالي على همومه ومشكلاته، وإنما جاء نتيجة لمعاناة الواقع التاريخي، واستجابة لوعي متأزم بهمومه ومشكلاته الفكرية.

وظل شعراء المرحلة الذين كانوا ينتمون إلى أطر أيديولوجية (قومية، يسارية..) يُشخصون الصراع، المعلن وغير المعلن، بين السياسي والثقافي في الشعر العربي الحديث، ومثلت الموضوعات القومية والاجتماعية، مثل الموضوع الفلسطيني والصراع الطبقي والاغتراب النفسي والموت والانبعاث، ضَغْطا مُتصاعدا على نصوصهم الشعرية. ومن ثمة، أدمنت الذائقة الجماعية على التعامل معهم بوصفهم الصوت السياسي للثورة العربية من أجل التغيير والتقدم والرفاه، و»القيم باسم أُمته» لكن حين حدثت النكسة عام 1967، انهارت الأيقونات المادية والرمزية التي حملتها القصيدة واطمأن إليها جمهورها، لاسيما رموز الحركة التموزية (1950- 1964) التي ترتبط بدورات الحياة والموت؛ لأن الوقائع المادية على الأرض ومشاهد «الأرض الخراب» لم تكن تسندها فنيا، أو بالأحرى كانت تتناقض معها بشكل صارخ. وهكذا انكفأت الأيديولوجيا بمعناها الحزبي في الشعر العربي ولم تعد تمده ـ كما يقول شربل داغر- «بمواد ورموز وشعارات واستهدافات وقيم» بعد ضمورها وانتهاء عهدها التبشيري وتبخر دعاوى بعضها في ممارسات السلطة. وبدلا من الشاعر العراف والنبي والمُبشر والحالم، ظهر الفرد المنفي والمنبوذ والمهمش والتائه والمغترب الذي يشعر بالدوار وانقطاع الزمن. لم تعد الحرية تعني لديهم الالتزام العضوي بقضايا المجتمع، بقدر ما باتت تعني أن يخلق كل فَـرْدٍ عالمه ومداه، ويسعى إلى خلق وطنه التخييلي البديل، لكي يُظهر إبداعه ويمارس حضوره المفترض.
ويمكن القول إن قصيدة النثر اغتنمت هذه التصدعات والمشاهد المتموجة بظلال القلق واليأس واللايقين، فانزاح شعراؤها إلى خلق مبادرات تجريبية تسندها مرجعيات جديدة في الكتابة هي خليط بين مغامرة البحث واللاشكل والعدمية والجنون والهذيان، وصارت تُعبر عن رؤى ومضامين وجماليات وجدت مُتنفسها في أشكال من الهجاء السياسي والسخرية والتهكم، كأنما هو تعويض عن «اللاشعور السياسي» الذي بدأ يجهر بخروجه على طرق التعبير السائد و»البلاغة المثالية» التي أصبحت سلطة في شكل قوالب وأنماط محددة. وقد يكون شعراء جيل الستينيات العراقي، بمن فيهم جماعة كركوك، في طليعة هؤلاء الثائرين الذين قادوا مثل هذه المبادرات.

واحتجاجا على بؤس الواقع الذي تَفجر في تونس، بل استباقا لما آل إليه الأمر غداة آلام «الربيع العربي» يخترع آدم فتحي في ديوانه «نافخ الزجاج الأعمى» (2011) مدينة اسمها «مارام»؛ وهي كناية عما يرومه الشاعر ويرغب فيه من أحلام وتطلعات.

المنفى وتجربة «اللامكان»

أخذ شعر المنفى يتوسع منذ هذه اللحظة الفارقة، وتدخل تحت هذا الشعر أطيافٌ من الجوالين الهائمين، الذين يقتفون آثار عوليس والسندباد، أو آثار الثقافة القديمة وذاكراتها التي تطلق شعورها الكثيف في الماضي؛ فكان هذا المنفى بمثابة استعارة للاغتراب المضاعف الذي عاشوه. كان في داخل كل شاعر ووجدانه وقصيدته يعتمل منفى، ولم يكن هذا المنفى عندهم يعني ما كان يعيشه ويتمثله المهجريون في أوائل القرن العشرين، بل صار معنى المنفى يحتفظ بطبيعته المعقدة، إذ يستوعب معنيي الهجرة والاغتراب معا: الهجرة حين يجري السعي إلى المنفى وتفضيل الإقامة فيه اختياريا – خارج الوطن، والاغتراب حين يُنْظر إليه بوصفه حالة من الشعور بالعزلة والإبعاد اضطراريا، تحت تأثير ظرف قاسٍ. وفي كلتا الحالتين، صار الشاعر يعيش حالة تشظ في «البين بين»؛ أي «يعيش – كما يقول إدوارد سعيد – مع كل ما يُذكره بأنه منفي (و) يظل على صلة دائمة، موعودة ولا تتحقق أبدا، بموطنه».
قطع الشعر العربي المعاصر مع مراجع الأيديولوجيا «التبشيرية» وما تفرضه من مركزية القصيدة الأطروحة ووضوح الصوت السياسي والاجتماعي، حتى في ذروة آلام فلسطين وعذاباتها القيامية. وبدأ المجال يتسع لقصيدة خفيضة اللهجة ومُتقشفة حيناُ، تتجاوزها في أحايين أخرى إلى «ملحمية الكتابة»؛ حيث أنا الشاعر يتكلمُ ليس زمنه وتواريخ تفرده وحسب، بل سيرة ذاته المتشظية. فالمشروع السيرذاتي للشعر أخذ ينزاح عن التاريخي والمرجعي، فلم يعد يرتبط بواقع ثابت وقار، أو يتطابق كُليا أو شبه كلي مع إحالاته التي كانت تتقيد بالقناع، بل أخذ ينفصل ـ تدريجيا- عما يشدهُ إلى المرجع ويتجاوزه؛ أي أن هذه الذات الشاعرة لم تعد تصدر عن وعي أيديولوجي للتاريخ، بل أصبح ما يعنيها هو زمنها الفردي وما يرتبط به من هموم شخصية وانشغالات فكرية ضد السائد.
وفي هذا السياق، يمكن أن نضيف إلى صور المنفي في شعرنا المعاصر ما يمكن الاصطلاح عليه بـ»تجربة اللامكان»؛ أي حين يريد الشاعر أن يعطي لمنفاه في الحاضر، بعدا كونيا يتحدى تآكل الذاكرة وتزييف التاريخ، ويحرر هُويته الشعرية من «قيود الجغرافيا» مُقيما تجربته في الوجود المتشظي وغير المنقطع على توتر الأضداد: الأنا والآخر، الحضور والغياب، الوطن والمنفى، الوجود والعدم. وهذا المنفى فردي وجماعي، لكن يعني في الصميم مجموع العشيرة الإنسانية. ويمكن أن نمثل على هذه التجربة بثلاث صور:
ـ بعد عقود من اختزاله في صورة شعر المقاومة والأرض والوطن، وبعد اتفاقية أوسلو التي أعقبتها خيبة أمل كبيرة، صار شعر محمود درويش يتخفف من إكراهات المرجع السياسي، حيث ارتفع بالتجربة الفلسطينية إلى كونها تجربة إنسانية ذات قيم كونية من جهة (الحرية، العدالة، مصالحة الذاكرة..) وإلى استعارة كلية تشف عن همومه الشخصية وسيرة تصدعاته الوجودية، ابتداء من ديوانه «لماذا تركت الحصان وحيدا؟» (1995) الذي يمثل ذروة مشروعه السيرذاتي، بل بدا كأن حلم عودة الشاعر إلى فلسطين بعيد المنال، وهو ما دفعه إلى «تخييل» المكان الفلسطيني تجسيدا للبعد الكوني لقضيته، ودفاعا عن القانون والعدالة وضحايا التاريخ الذين هُجروا من بيوتهم وقضوا في ساحات النضال أو مخيمات «العار» الإنساني، وتثويرا لأشكال جديدة من المقاومة الجمالية تكون أكثر وعيا بضرورة الشعر ضد نسيان التاريخ.
ـ واحتجاجا على بؤس الواقع الذي تَفجر في تونس، بل استباقا لما آل إليه الأمر غداة آلام «الربيع العربي» يخترع آدم فتحي في ديوانه «نافخ الزجاج الأعمى» (2011) مدينة اسمها «مارام»؛ وهي كناية عما يرومه الشاعر ويرغب فيه من أحلام وتطلعات. عبر استعارة العمى بما تنغلق وفعل مجاهدة ومعرفة وعدمية منتجة، يبحث عن «مارام» مأخوذا بأصوات الحلم وتشهياته التي تُحرر الذات من جديد في «مطهر» النـار، بقدر ما تُجردها من ثقل الحياة وأعيانها المتكثرة. يستعيد الشاعر الأعمى سيرة ذاتية متشظية غير منفصلة عن المحن «الجمعية» ويقلب المعاني المحفوظة ويعيد تسمية الكائنات بحثا عن «مارام» بـ«مؤونة اليأس» وشريعة الانشقاق والعصيان والخروج على الجوقة وصراخ الجماعة.
ـ وداخل سعار الحرب وفرار السوريين وشتاتهم في كل مكان، يصف نوري الجراح في مرثيته «قارب إلى ليسبوس» (2016) بلاده بأنها مدينة طروادة المحترقة. ليسبوس هي اللامكان، الذي يشيده الشاعر من جماع رموز وأساطير وصرخات منطفئة وإشراقات متبرعمة متساندة مع بعضها بعضا، ويتخذ كل ذلك تمثيلا كنائيا قادرا على التعبير، عبر نبرة ملحمية، عن تراجيديا إنسانية معاصرة تدين رعب الحاضر وموت الضمير العالمي، حيث الضحايا يستبدلون «غرقا في بحر بلا قرار» بـ»النجاة من الموت على اليابسة». تتحول المرثية إلى شهادة إدانة، بقدر ما تحمل في أحشائها بذور بعث وولادة جديدين.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية