الشاعرة اللوكسمبورغية أنيز كولتز في «كان لي اسم آخر»: قراءة العمق الإنساني في كثافة الشذرة

فاتن حمودي
حجم الخط
1

أن تجعل الآخر يتنفس لغتك، بل أن تسمع ما وراء الصمت، وأن تدرك بأن الشعر هو ما نربحه في الترجمة، هو تماما ما يقوم به الشاعر الجزائري الأمريكي الخضر شودار. الشاعر الذي أخذه شغف القراءة نحو الترجمة، وكأنه يقول مع أنيز كولتز، الشاعرة اللوكسمبورغية: «أرتجف وأنا أترك على الأرض أثرا من ملامحي»، ولا يأتي هذا إلا في جوهر الترجمة وما تتركه من أثر على القارئ. ولأنه لا يرى شيئا خارج الشعر والمخيلة، فقد ترجم عددا من الأعمال، وفي أحدث ترجماته المجموعة الشعرية «كان لي أسم آخر»، للشاعرة أنيز كولتز، وجاء هذا العمل بعد الأنطولوجيا الأولى «العالم يمشي معي»، والتي أشار في مقدمتها إلى أن قصائد كولتز «تجمع بين الشخصي والكوني متشابكين في سياق أو آخر، ففي لحظة التساؤل الوجودي والميتافيزيقي تتآلف كلمات الشاعرة لتعكس وجها من حياتها القلقة الخاصة».
صوت التمرد
«أعيش في مكان مؤقت عالقة بين الحياة والموت»، أبدأ بشعر كولتز الذي يزّخ مطرا، أستحضر المعنى العميق للذة النص، حيث تضم الأنطولوجيا 213 قصيدة، والتي تميزت بالشاعرية والتنوع في موضوعاتها وهويتها المكانية والزمانية. ورغم هذا بقيت نصوصا مفتوحة على مقاطع وشذرات، وقلق، نصوص يجمعها خيط العدمية أحيانا، الانتظار، الأبدية، وكأن الشاعرة في صراع مع «عدمية الكلام الشعري». وتتجلى لغة النص بحساسية كأنها عروق ماء تسير داخل النص، والذي يأتي على شكل سطر شعري، شذرة، مقطع، فنرى وراء الكلام امرأة، تعيش الذكريات وتدفنها، تستحضر الصمت وصور الغياب، لاسيما رينيه زوجها الذي يحضر في نصوص متعددة، وكأنها من خلاله تلوم الظلم وقسوة الحياة، والحب، والعزلة تقول:» أسافر في داخلي لأن الأرض تضيق بي»، ص 70.
وهذا المعنى يعيدنا إلى سان جون بيرس ضيقة هي المراكب، والأرض اليباب لإليوت، حيث تتعدد الازدواجيات في حياة الشاعرة وتتشابك الصور، وأبعاد الزمان، الماضي الحاضر، الأبدية، فيمسي الماضي حاضرا، كأنها لا تستطيع مغادرته، تتبعثر في كل نص، مرة تحكي عن العدم، ومرة عن الحب، والغياب، «عمياء لكنني أرى استعجل الحياة فيومي هو الآن ذكرى غدٍ. « (123).
التكثيف خيط العمل، وحرير اللغة، والذي يضعنا أمام نص مفتوح على حياة كولتز، أفكارها، حدسها، وثقافتها الخاصة، التي تعكس فلسفتها في الحياة، فترى آثار الزمن وتبعاته على الجسد، والذاكرة، والذي يعيدنا إلى السيرة الشعرية، تخبطات الهوية والدين، موت الزوج والأم والعائلة: «كلّ قصيدة من قصائدي تدفن موتاكم». وفي هذا السياق ترى أن الشعر هو الملاذ الأخير في عالم فقد معناه:
«في داخلي يتوقف الوقت
أصير شبيهة بالأبدية (33) «
«كلُّ عام يقل بصري
وأمشي نحو الظلام « (34)
وما بين مفردتين تحلّق اللغة، ويتساوى في لحظة أخرى الأبدبة والعدم:
«كلي تحفز الآن إلى هذه الأبدية التي ستمحوني « (34)
في هذا العالم الذي لا يدور حول نفسه
كلّ شيء مرتب
حتى العدم. « (38)
«كلّ قصيدة
هي نزول إلى الجحيم
سقوط في المجهول
قلق. « (14)
وهذا إشارة إلى أن الشعر «يضطهد الشاعر في الكتابة ويلحق به الهزائم» وهو ما أشار إليه شودار في مقدمته لـ«العالم يمشي معي».
«أربي قصيدتي في عالم آخر ما قبل الولادة أو بعد الموت؟» (143) ويصبح السفر في المتخيل، في العزلة، داخل الجسد والروح أيضا، «أسافر في داخلي لأن الأرض تضيق بي» (70)، وتمضي في سردها الشعري وكأنها تفكر في النهايات، «تحت أي قمرٍ سأنهي رحلتي».

الحب والموت:
يحضر الحب على شكل صور: حب، غياب، موت، شغف، قلق، أبدية، عدم. تمضي إلى الشعر كي تستمع إلى ما وراء الصمت، «في الشّعر أصغي إلى الصّمت/ وفي الصمت أصغي إلى الموت/ والولادة من جديد» (ص 63).
ودائما يحضر اسم رنيه، يتسلل بين النصوص، بصور شعرية تقارب السينما:
«بين البداية والنهاية
انطفأ الضوء
اسم يحترق في مكان ما
يؤجج الريح
التي تعصف برمادي. « (173)
وفي نص حمل عنوان «في ما بعد»، نجد قصائد تتراوح في الطول بين سطرين وأكثر، والتي تأتي مثل حبات اللؤلؤ من الصور والشذرات والأفكار المشغولة ببعد فلسفي، يجمعها قلق الحياة، والعمق الشعري والفلسفي معا، والذي ينعكس على سحرية الصور:
«في داخلي يتوقف الوقت
أصير شبيهة بالأبدية. « (33)
«كلي تحفز الآن
إلى هذه الأبدية
التي ستمحوني. « (34)
وتجمع الشذرات والنصوص المكثفة بين الشخصي والكوني، فيما يحضر الحب في صورة رنيه وكأنه ضوء الذاكرة وألق اللحظة: «في هذا العالم/ الذي لا يدور حول نفسه/ كلُّ شيء مرتب حتى العدم. « (37)
ولأن الشعر حياة، تستحضر دائما رنيه بصور متعددة، صورة الشغف، الغياب أيضا، تستعيد صوته وصوره بحالات متعددة:
«استلقي على الأرض
أذني ملتصقة بالتراب
لأصغي إلى
أنفاس حبيبي
في قبره» (146)
«لا تقم أبدا من موتك
ابق داخل الأرض
التي احتضنتك
فيما أُكفّر انا عن خطيئة ولادتي. « (11)
«أحدهم غادر
منتعلا حذائي
حاملا معه وقع خطاي. « (30)

لذة النص صوت المخيلة
في سياق القراءة أستحضر ما قاله لي الشاعر والمترجم الخضر شودار  في حوار نشرته مجلة «نزوى» العمانية: «الذهاب إلى الترجمة كان ذهابا إلى الشعر ابتداء، ولا يُفهم معنى التقاطع بالترجمة هنا إلا كضيافة داخل الشعر، هناك شعراء ثقافات أخرى أقرأهم كل يوم وأحبهم على تفاوتهم واختلافهم، أبحث في نصوصهم عن خِصب آخر في الكتابة والفن بعامّة، ولأني ألاحق هؤلاء يوميّاً في مكاشفاتهم الشَّعريّة أعثر على ما يجمعني بهم، وأحاول أن أكتب شعرهم لنفسي أولا، ولا أُقدِم على ذلك إلا إذا تحقق تجاوبٌ شعريٌّ للنص في لغتي وجاء أثره كما أتمناه في حسّي ومخيلتي».
تتميز كولتز بالتكثيف والعمق وقراءة الصمت، فتعكس الشذرة والسطر الشعري عمق المعنى وما يتخلل الشعرية من فلسفة، والتي تعانق فيها الموت والذكريات وهوية المكان. ورغم هذا تقف بعيدا عن الوصايا العشر، كل هذا يأتي مع تقشف اللغة، وجمالياتها، وعمقها أيضا، وبياض النص الشعري الذي يصلنا بأناقة الترجمة القصوى، والتي تعكس شعرية شودار وثقافته في اللغات، بل وحساسيته العالية. وهو أكاديمي وقارئ خاص، صدرت له ترجمات عدّة منها لويز غلِك، «الموسيقى المشوشة التي تأتي من الأشجار»؛ كولتز، «العالم يمشي معي»؛ آلان بوسكيه، «ملمسك ناعم كموت شجرة»، كما صدرت له مجموعة شعرية بعنوان «الجهة الأخرى من الأشياء».
كتب شودار في مقدمة الكتاب لمحة مكثفة عن الشاعرة كولتز، فذكر أنها «ولدت بدوقية لوكسمبورغ عام 1928، من أسرة مثقفة تعود إلى أصول تشيكية، وألمانية، وفرنسية، تتكلم وتكتب بثلاث لغات، ستتخلى عن الكتابة بالألمانية في الثمانينات، مقتنعة بأن موت زوجها المبكر رنيه كولتز كان بسبب ما لحقه من متاعب صحية في السجون النازية».

أنيز كولتز: «كان لي اسم آخر»
ترجمة الخضر شودار
دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله 2023
182 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية