لندن ـ «القدس العربي»: فجأة وبدون سابق إنذار.. أثار الميغا ستار الفرنسي كيليان مبابي، عاصفة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العالمي، بالعودة إلى ما كان عليه قبل صيفية 2022 بتسويف الحديث عن مستقبله مع ناديه باريس سان جيرمان، قبل أن يُفجر المفاجأة الكبرى، ببيانه الصادم لأصحاب القرار في «حديقة الأمراء» لكشف نواياه وخططه، بالاكتفاء بما قدمه لأثرياء عاصمة الضوء منتصف العام المقبل، معترفا بشكل لا لبس فيه، أنه لا ينوي تمديد العام المتبقي في عقده مع النادي الباريسي، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الصحف والمواقع الرياضية، لإحياء الأنباء والشائعات بشأن انتقاله المحتمل إلى ريال مدريد.
بداية القصة
يتذكر جمهور كرة القدم بوجه عام، والمدريدي بالأخص، بداية القصة العاطفية التي ربطت مبابي بالنادي الملكي، عندما كان لاعبا في صفوف موناكو عام 2017 وآنذاك انتشرت صوره في مرحلة الطفولة، مرتديا قميص الميرينغي الأبيض، وتحطيه مجموعة من ملصقات مثله الأعلى كريستيانو رونالدو على كل جدران الغرفة. ورغم انتقاله إلى باريس سان جيرمان في نفس العام، بصفته واحدا من أفضل مهاجمي العالم الواعدين، لكن على مدار السنوات الست الماضية، كان هناك شعور شبه دائم بأنه سيكون لاعبا لريال مدريد في يوم من الأيام، ومن يرغب في العودة إلى أرشيف «ماركا» و«آس» وباقي المنابر الإعلامية المقربة من الرئيس فلورنتينو بيريز، سيجد مئات التقارير والأخبار عن هذا الملف، منها قصة الصيف قبل الماضي الشهيرة، عندما اتفق الإعلام الإسباني، أن الريال في طريقه لغلق الصفقة من باريس مقابل 200 مليون يورو، وبعد فشل الرواية عقب غلق النافذة الشتوية، ظل المحيط الإعلامي الأبيض، يراهن على فكرة ذهابه إلى «سانتياغو بيرنابيو» في صفقة انتقال حر بعد انتهاء عقده مع الباريسيين، لكن في الأخير، حدث آخر وأسوأ سيناريو كان يتخيله المشجع المدريدي البسيط، بتراجع اللاعب عن قراره، وموافقته على تأمين مستقبله في مسقط رأسه، بعقد مدته موسمين، مع إمكانية التمديد لموسم ثالث باتفاق كلا الطرفين.
مأزق باريسي
لا شك أبدا، أن موقف مبابي، وضع النادي في مأزق، لعدة أسباب، منها على سبيل المثل لا الحصر، ضرب خطط أصحاب القرار، الذين كانوا يبحثون عن بدلائل لليونيل ميسي، كهدايا لكيليان مبابي، لمساعدته على تحطيم الأرقام القياسية في تسجيل الأهداف كل موسم، والأهم، أخذ النادي خطوة جادة إلى الأمام في محاولة كسر عقدة دوري أبطال أوروبا في المرحلة المقبلة، والأكثر قسوة، أن هذا التمرد، جاء بعد تضحيات النادي، بميزانية وُصفت بالخرافية، لإقناعه بالتجديد قبل أن يحق له الخروج بموجب قانون بوسمان في مثل هذه الأيام العام الماضي، بعد مفاوضات أقل ما يُقال عنها شاقة، لثقة الوالدة فايزة العماري، بأن النادي على استعداد لدفع الملايين، لعرقلة ذهابه إلى قلعة «البيرنابيو» بدون مقابل، مع ذلك، عاد اللاعب لأسلوبه المتمرد أكثر من أي وقت مضى، بدأت بومضات عن استحياء في تشرين الأول/اكتوبر الماضي، بالكشف عن رغبته في الرحيل، ثم بحوادثه المتكررة مع زملائه داخل غرفة خلع الملابس، أبرزها الانتقاد العلني لكل اللاعبين بدون استثناء بعد الهزيمة أمام بايرن ميونخ، قائلا بنبرة صادمة للمشجعين «باريس ليس جيدا بما في الكفاية للفوز بدوري الأبطال». مع ذلك، أفلت بأعجوبة من عقوبات النادي، ربما لتأثيره ودوره القوي في حملة الليغ 1 بعدما أثبتت التجارب، أنه كان العلامة الفارقة في حصول الفريق الباريسي على لقب الدوري الفرنسي، لكن هذا لا يعني بالضرورة، أن الإدارة ستعود إلى نقطة الصفر، بعرض آخر أكثر سخاء من الحالي، هذا على افتراض، أنه يناور أو يخادع من أجل زيادة راتبه في الموسم الثالث، أو حتى كان صادقا في رغبته في الخروج من الإطار المحلي، ففي كل الأحوال، كل المؤشرات تظهر أن نائب قائد باريس سان جيرمان، تحول إلى عبء وصداع في رأس الرئيس ناصر الخليفي ومجلسه المعاون.
الخيار الواقعي
من الوهلة الأولى، يبدو وكأن الخيار الأسهل والأكثر واقعية، هو موافقة باريس سان جيرمان على بيع المتمرد الفرنسي هذا الصيف، تجنبا لهروبه بدون منتصف العام المقبل، لكن فكرة التنازل عن أفضل لاعب في العالم في الوقت الراهن، أو على أقل تقدير النجم الأعلى جودة وموهبة على مستوى الشباب العشريني، وحجر العثرة المتوقع، هو وصول كلا الطرفين إلى مسافة قريبة على طاولة المفاوضات، بمعنى آخر الاتفاق على السعر النهائي للصفقة، في ظل التقارير الفرنسية، التي بدأت تتحدث عن شروط النادي الباريسي المادية، مقابل التنازل عن الجوهرة المحلية، أو كريستيانو رونالدو المستقبل، حيث يُقال إن رجل الأعمال القطري، لن يمرر ورقة الاستغناء بأقل من 200 مليون يورو، في حين، يقولون في إسبانيا، إن الرئيس القرش الأبيض، لا ينوي التقدم بعرض قريب من هذه الأرقام، لا سيما بعد إنفاق أكثر من 100 مليون بنفس العملة، للحصول على توقيع الموهوب البريطاني غود بيلينغهام من ناديه السابق بوروسيا دورتموند، ولو أنه في كل الأحوال، هذا لا يعني أن صفقة خروج كيليان من «حديقة الأمراء» ستكون بثمن بخس، لإدراك بيريز ورجاله المخلصين في مكاتب المؤسسة البيضاء، أنها ستكون بمثابة فرصة العقد، وإلا ستكون من نصيب أحد أثرياء البريميرليغ وما أكثرهم، وذلك في الوقت، الذي يحتاج فيه العراّب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، لمهاجم أقل ما يُقال عنه من النخبة، لتعويض رحيل ثاني أعظم هداف في تاريخ النادي كريم بنزيما، بعد انتقاله إلى اتحاد جدة السعودي، إلى جانب التخلص من كابوس ماريانو دياز، وإطلاق سراح الصفقة البائسة إدين هازارد والسماح بخروج ماركو أسينسيو.
تمويل الصفقة ومكاسب باريس
بالنظر إلى مصادر تمويل صفقة انتقال مبابي إلى الريال، سنجد أنها تبدو معقدة وصعبة، وذلك كما أشرنا أعلاه، بسبب التوقيع مع الدولي الإنكليزي بهذا المبلغ الضخم. لكن لو عُدنا إلى الوراء 10 سنوات، سنتذكر واقعة مشابهة لهذا الموقف، عندما اضطر المهندس الملياردير لبيع واحد من نجوم الفريق، لتمويل صفقة انتقال أفضل لاعب في توتنهام والبريميرليغ عام 2013 وكان الويلزي غاريث بيل، وفعلها ببيع الدولي الألماني السابق مسعود أوزيل بأكثر من 40 مليون إسترليني، بينما الآن، تُفيد المصادر المقربة من النادي، أن المفاضلة ستكون بين واحد من الثنائي فيدريكو فالفيردي وأوريلين تشواميني، لتوفير ما مجموعه 70 مليون بالعملة الأوروبية، لضرب عصفورين بحجر واحد، منها تمويل الصفقة، ومنها أيضا الاستمرار في تخفيف فاتورة الأجور، بعد التخلص من الدفعة الأولى من الفائضين عن الحاجة، وذلك بحثا عن غالاكيتكوس المرحلة القادمة، مع اقتراب تقاعد ما تبقى من الجيل الذهبي توني كروس ولوكا مودريتش، ونعرف جميعا، أن من ثقافة وبريستيج نادي القرن الماضي والحالي، أنه لا يخلو أبدا من فئة أصحاب «البالون دور» وبالنسبة لمبابي، لم يعد يفصله عن هذه الجوائز الفردية المرموقة، سوى تحقيق الألقاب الأوروبية الكبرى، أبرزها معانقة الكأس ذات الأذنين، خاصة بعدما أصبح الطريق ممهدا ومفروشا بالورود، بخروج ميسي وبنزيما من السباق، أما النادي الباريسي، فقد يعيد حساباته ونظرته للمشروع الجديد، بالأحرى في فترة ما بعد فريق الأحلام، على افتراض أن مبابي سيلحق بميسي خارج أسوار النادي، ويا حبذا لو انضم إليهم الزجاجي نيمار جونيور، ما سيساهم في حدوث انتعاشة في الخزينة الباريسية، من الممكن استخدامها والبناء عليها تحت قيادة المدرب المحتمل يوليان ناغلسمان، المعروف عنه براعته في التعامل مع اللاعبين الشباب والتقاط أبرز الجواهر الخام، التي تتحول في وقت قياسي إلى نجوم ومشاهير بعشرات الملايين، فهل نشهد نهاية لمسلسل مبابي وريال مدريد هذا الصيف؟ أم سيتكرر نفس السيناريو ويكون للرئيس ناصر الخليفي رأي آخر؟ هذا ما سنعرفه في الأسابيع المقبلة.