نواكشوط ـ «القدس العربي»: أفريقيا أرض العجائب، والفقر دفع بإنسانها إلى خلق مهن غريبة، وأن العفة المتأصلة فرضت على الأفريقي أن يعيش من ذات يده لا متسولا ولا عالة أحد.
من هذا الواقع ظهرت مهن لا تصدق لغرابتها لكنها موجودة بل تتوارثها العائلات أبا عن جد ووالدا عن والد.
فهناك طرق غريبة للحصول على الرزق قد تثير دهشتك، ومن ذلك هذا الكاتب الذي يعيش على تأليق قصص الرعب؛ لكن يقابله هذا الكاتب الذي يعيش على كتابة نصوص مسلية للأطفال؛ بل إن هناك أدبا قائما بذاته هو «أدب الأطفال» بما فيه من أناشيد ومحفوظات رائعة.
وإذا كانت هناك مهن ممتعة ومسلية، فهناك مهن تثير الاشمئزاز فعلاً، مثل مهنة حفار القبور، وغسال الموتى، وكذا مهنة غطاس المجاري الذي يغطس فيها لتسليكها وتنظيفها: تصور أن هذا الرجل الذي يظل يومه سابحا في المياه النجسة يعود مساء كل يوم إلى عائلته، وهو يحمل دريهمات قليلة: إنها سخرية الحياة.
ومن المهن الغريبة مهنة حلاق الحمير، ومهنة قصاص الأظافر وحكاكها، وهي مهنة منتشرة في دول أفريقيا؛ يجلس ممتهنوها على الأرصفة منتظرين بمهارات عالية تمكنهم من قص الأظافر بكل اتقان ومن حكها بمبارد صغيرة ثم القيام بدهنها وتشحيمها، ولا يهتم هؤلاء بما في أظافر القدمين من فطريات معدية: إنها سيمفونية الحياة!!
ويكثر في أفريقيا ممتهنو بيع أعواد السواك: يسافرون للغابات البعيدة لاقتطاع أغضان شجر الأراك والسرح، ثم يقومون بتقطيعها على شكل مساويك، قبل الجلوس على أرصفة المدن لبيعها.
ومن غريب المهن هؤلاء الذين يعيشون على حرق إطارات السيارات واستخراج المسامير التي فيها ثم لفها في باكورات تباع لعمال البناء الذين يستخدمونها في دعامات الخرسانة.
ومن المهن القديمة مهنة الحجامة، ويقوم بها الأفارقة باستخدام قرون الغزال المجوفة التي يفرغ منها الهواء لتلتصق بجسم المريض، قبل استخدام السكين لإجراء فتحات يسيل منها الدم الفاسد، طبقا لمصطلحات فن الحجامة؛ ثم يقوم الحجام بامتصاص الدم بالقرن، وقد تخرج مع الدم أعمال سحرية كانت كامنة في جسم المريض.
ومن المهن الغريبة مهنة لحس حدقة العين التي يمارسها مختصون داخل أسواق طحن الدقيق، حيث يملأ غبار الدقيق المتطاير عيون أصحاب المحلات فيضطرون للمرور بلاحس العيون الذي يجيل رأس لسانه داخل عين المصاب في عملية تنظيفية تريحه.
وفي غالب المدن الأفريقية، تنتشر مهنة الأطفال غاسلي زجاجات السيارات الواقفين عند إشارات المرور: لا يسألونك، بل يسكبون صابونهم على سيارتك، وينظفون زجاجها رغما عنك، فإن كنت كريما دفعت ما تيسر، وغالب من تقدم لهم هذه الخدمة البريئة يغضبون ويواصلون سيرهم دون دفع أي شيء.
إنها مهن نشأت ضمن قاعدة «مصائب قوم عند قوم فوائد».
كل هذه مهن غريبة، لكنها مفيدة للمجتمع بالتأكيد، وإن كانت تظهر ما يعانيه ممتهنوها من فقر وعناء وتعب.
لكن هناك مهنا أخرى لا جدوى منها على الإطلاق، منها، حسبما كتبه أحد الفكاهيين، مهنة وزراء الخارجية في الدول العربية: فمهنتهم غامضة فعلاً لكنهم يجتمعون دائمًا، وغالبًا ما يكون هدف اجتماعاتهم هو ترتيب موعد الاجتماع التالي، لكنهم، كما يقول المفكر د. جلال أمين عن خبراء البنك الدولي «قوم ينالون راتبًا هائلاً يقنعهم أنهم بالتأكيد يقومون بشيء مهم».