فروغ فرخزاد: أرواح الشعراء تفوق قصائدهم

ملاك أشرف
حجم الخط
2

فرخزاد كونها الشعلة الهاربة

قرأتُ ذات مرةٍ عن الشاعرةِ الإيرانية فروغ فرخزاد وارتطمتُ بالسطور، التي تحدثت عن خبرِ موتها الشنيع، إذ تلفظتُ كلمات وفاتها وأكملتُ العبارةَ بصعوبةٍ، عبارة أنها قضت نحبها إثر حادث سيارة مُروع غامض التفاصيل، كنتُ مُتيقنة حينها من أن هذهِ الحادثة إحدى الطرائق المُتعددة المُوغلة في الحزن لانتحار الشاعرات، أعرفُ جيدا تاريخ النساء، خاصة اللواتي يكتبن الشعر. يفضي الشعر بهن في الأخيرِ إلى استنزاف العواطف والقوى ثم الاستسلام والرحيل الحزين، أعرفُ مليا إحساسهن الحاد وطبيعتهن المُرهفة الرقيقة، أنا أعي حاجاتهن إلى المحبةِ، الحنان والاهتمام. آفتهن الإهمال، الاحتقار والإنكار..
بقيت الأخبار التي قرأتها والسير الذاتية المُوجزة المُترهلة تُرافقني لأيامٍ وأشهر حتى زرت معرضا صغيرا للكتاب في مدينتي واقتنيتُ أعمالها، سيرتها الكاملة الدقيقة ورسائلها السرية المُهمة، عبرتُ قبلَ الاقتناء لأحد أساتذة الأدب المُقارن في قسم اللغة العربية في كلية الآداب عن حُبي لها، فضولي عنها وتركيبتي الباحثة والمُفتشة عن الأسرار، وكم أتطلع إلى اكتشافِها والتنقيب في كتاباتِها الشاعرية كي أصلَ إلى الحقائق وسر ذلكَ الحادث الذي أراهُ انتحارا، يقودني حدسي القوي وبصيرتي دوما إلى الأمور المُرادة، دون جهدٍ وإرهاق ومع هذا أخبرتهُ عن رغبتي العارمة في قراءةِ فرخزاد بدقةٍ لا مُحال.
بعدَ قراءتي الدائبة المُتأملة أدركتُ أن وراء انتحار كُل شاعرةٍ طفولة مُريبة مُشوهة، وعائلة مُزيفة قبيحة، يموتُ الإنسانُ عندما يتقين أن مصيرهُ فقدان المحبة وغياب التشجيع، قدرهُ التهديد، التحقير والكره المُستمر، دون أسبابٍ منطقية. لو لَمْ تمت فرخزاد في حادثٍ لكانت قد ماتت مُنتحرة فلا فرقَ إذن بين الحادث والانتحار، سيان الحال بالنسبةِ لشاعرةٍ كهذهِ.
عائلة فروغ فرخزاد هي مَن دفعتها إلى التضحية والسير بلا ضوءٍ، ذلكَ البيت المُزدحم الصاخب هو مَن قتلها بسهولةٍ، وحولها من بستان ربيعي دائم إلى أرضٍ قاحلة مُتيبسة، ترجو التلاشي والاختفاء كطائرٍ عصفت بعشهِ الريحُ الهوجاء القاسية وتركتهُ بلا مأوى ودفء، ينشدُ لحن شجن ويخشى الثبات وحيدا منسيا في أمكنةٍ غريبة.
لا يخفى على القارئ الفطن مُحاولات فرخزاد الانتحارية، والمُغادرة المُترسخة في ذهنِها مرارا، تشبثت بالموت وهو أعطاها فرصا غزيرة للنجاةِ والبقاء على قيد الحياة، إلى أن اختطفها في النهايةِ، كانَ يرمقها ويجدها لائقة بِهِ، وهي تعلم أن لا شيء يليقُ بِها أكثر من الموت، فتقترب منهُ وفي داخلِها أملٌ في الخلاصِ، لكن لا توجد نتيجة من الآمال والأماني في بيئاتٍ جاهلة صلبة كالحجرِ، لا تملك إنسانية ولا تعاطفا ولا مشاعرَ دفاقة على الإطلاق. أهلها كأنهم صخورٌ تتحركُ، تأكل وتشرب وتتجولُ بينَ العاديين، مُعتقدين أنهم على صوابٍ، والآخر هو الجاني المُذنب والمُخطِئ، وحدهم الصحيح الذين يحق لهم العيش وإطلاق الآراء والقرارات!
عانت فرخزاد كثيرا من والدها وصمت والدتها الصارم، وجراء تعاملهم الشائن واقتحام غرفتها الصغيرة وإزعاجها كانَ يتراءى لها أن الجميع ينظرُ إليها بازدراء، وأن وجودها لا طائلَ منهُ وباتَ سبب ألمها وخزيها، تخيلت رفض الآخرين ونبذهم لها، وحقيقة أن ترحلَ وتُريح العامة منها وتزيح عنهم القلق، مرت أيامها ببرودةٍ وعتمة، فالشمس تشرقُ على كُل الأحياء ما عداها.
يتأصل في أعماقِها وحياتِها المُتلاطمة الخوف، الفزع وانعدام الأمن والطمأنينة نتيجة ما تلاقيه من تصرفاتٍ مريضة وأصوات نشاز أعلى من صوتِها المُرتجف، الذي لا يصل وإذا وصلَ فلا أحدَ يصغي لهُ، فتقولُ: «أنا أتألمُ من الوحدةِ ودائما مُعرضة للخطرِ وكأني لستُ سوى إنسانةٍ مسكينة»، هذا القول يكشفُ عن كساد حياتها وانهيارها. تكتبُ في رسائلِها مدى تعطشها للمحبةِ وكيف ضاعَ صوتها بينَ صوتِ أبيها الكريه الغاضب والصارخ، كما قالوا قضية فروغ فرخزاد قضية أب، أب مُتسلط بغيض لَمْ يعطف عليها، وألقى بِها في زواجٍ قاصرٍ مُميت، ظلت تبحثُ عن أبٍ مُتعاطفٍ يحبها ويظهر لها الرحمةَ والمودة، ولما اختار والدها أسوأ التصرفات لطاعةِ قوانينه وأفكاره، اتخذت الانتحارَ وسيلة للاختباء من أبيها الهجين. إذن ترك سلوك التحبيب معها هو سبب عدم استقرارها، ولا نلومها إن كرهت الحياة، سخطت وعزمت على التخلصِ من أعبائِها ومن انتظار الانتباه من قبل مُحيطها، الذي أنهكها وأدمع عينيها آنذاك. لَمْ يكن بيتها المُستبد يفهمها؛ لذا سعى إلى كسرِ وجودها وخلق سدا منيعا بينَ أفرادِ الأُسرة الواحدة، جعلها تتنبأُ بالهربِ والابتعادِ الوشيك وحثها على قولِ: «الجميع أناني، في وقتٍ ما سينتبهونَ أني لَمْ أعد معهم!»، أصبحَ ما قالتهُ مُتوقعا فهي تربت على تحملِ الصعاب، العنف، الأجواء المسمومة والاعتماد على النفسِ، بدل أن تعيشَ مراحل الحياة المُتتالية البديهية في وقتِها، اغترابها والانزواء لاحقا ليسَ صدمة قطعا.

تجاوز الأنا

لَمْ تلمح السعادةُ طريق فروغ الجميلة يوما ما – للأسف- وقد حققت بجدارةٍ نظرية الانعكاس الأدبية القائلة، إن الأديب ابن بيئته ومُجتمعه، وهو مرآةٌ تعكس أحداث ما تعرض لهُ في حياتهِ، فكانَ شِعرها ونثرها حصيلة ما يعتمل داخلها من همومٍ ومآسٍ سوداء، وكدمات عويصة لَمْ تلتئم أبدا، بيد أن نصوصها تجاوزت الأنا الذاتية، كما لو كانت أنا مُعبرة عن ذواتٍ مُطلقة واسعة، تكادُ لا تخضع لقواعدَ المُجتمع الحازمة إلى جوارِ الحلقات الأدبية الرجالية المُطَرِدة في إيران.
فرخزاد هي أول شاعرة إيرانية شفافة صريحة وجريئة، كتبت أبهى وأقسى القصائد والرسائل، فرغمَ تقوقعها على نفسِها وعدم تخطيها عتبة الأنا الجريحة البكاءة والرومانتيكية، إلا أنها تكلمت نيابة عن النساء المُضطهدات كافة، أي ليست كما تتبين للنقاد أو الشعراء المُرتدين ثوب النقد فجأة، بأنها موهومة وإنسانة مُلازمة للتشكي، بل كانت تنقلُ مُعاناة حقيقية صادقة، سبب تشكي الكثير من الشاعرات قديما وحديثا هو القضية الأبوية والبيئة التي لا تضحك للأبناء ولا تشعر بِهم، أو لا تكون العاطفةُ مُفرطة فيها دون شك، ثمة الأوجاع، العوائق والجسد المُتشظي والذاكرة مركزية كتبهن الشعرية، يعيشن من أجلِ الشعر البلسمي فقط، كانَ وما زالَ بمثابةِ مرهم وعزاء لهن.
دخلت المشهد الأدبي الفارسي وسرعان ما انبثقت صرخات من عباراتِها هي خلاصةُ أيامٍ طافحة على الحسرات، تنضحُ منها الآلام، تقدمت على زمانِها وأقرانِها مُتنهدة، ترجو أن تكتب النساء نصوصا شِعرية فاضحة، وأن يكون لهن الحق في الافصاح عما تشعر بهِ إحداهنَ، ويرمين إلى تغيير الجو الاجتماعي وتحطيم الحدود التي كالقيود تماما. خلعت فرخزاد روحها الأنثوية المُتمردة في الشعر وروجت لمثلِ هذهِ الفعلة، رأى القُراء أنها تبث مُذكراتها بينَ الجمل فتستهويهم وتجنبهم الظمأ إلى كتبٍ تُعنى بذكرياتِها وخفاياها، وضعت جملا في مواضعِها، تتطابقُ ألفاظها لمُقتضى الحال وتتجلى نبرة الحزن من أولِ قراءةٍ إن تمعن الحصيف فيها. أمسى شِعرها المُنظم على نسقٍ حديث سيرتها الذاتية، التي تضج بمشاهدَ الخطيئة والتَنْكِيل، فكُل وجعها وانهيارها العقلي نبعَ من وحدتِها البينة في الشعر الذي كتبتهُ وأطاحت بسأمها من الوحدةِ والهجران فيهِ.

أعتقدُ أنكَ كي تكونَ شاعرا فلا بُد أن تعيشَ في سعيٍ مُتواصلٍ، فكونكَ شاعرا يعني أن تكونَ إنسانا، أعرفُ أُناسا لا تعكس قصائدهم حياتهم اليومية أي بمعنى أنهم ليسوا شُعراء ولا تمت تصرفاتهم اليومية إلى قصائدهم بصلةٍ.

أعتقدُ أنكَ كي تكونَ شاعرا فلا بُد أن تعيشَ في سعيٍ مُتواصلٍ، فكونكَ شاعرا يعني أن تكونَ إنسانا، أعرفُ أُناسا لا تعكس قصائدهم حياتهم اليومية أي بمعنى أنهم ليسوا شُعراء ولا تمت تصرفاتهم اليومية إلى قصائدهم بصلةٍ.. هذا ما قالتهُ فرخزاد بترجمتي. ارتقت سلالم الشهرة الشعرية بسرعةٍ تقريبا، ووضعت الحجرَ الأساس لحركةِ الشِعر، ريثما استنتجت أن الشاعر هو شاعرٌ طوال الوقت وليسَ في طورِ الكتابة قط. ركضت في دروب الشعر المُغيبة والمسكوت عنها بكُل قوتها وبلا حجاب، تعينَ عليها بسبب غرابتها أن تسيرَ في دروبٍ تؤدي إلى بيان غير اتباعي، تُقابلها فروع مُرادفة، غايتها مواجهة السنن القديمة الجامدة والمحظورة، المُوقنة أنها تضاهي الرائج البليد والمُنافق، غالبا ما دفعت فرخزاد ثمنا باهظا وفادحا على سرعتِها الرادمة للمُجتمع النمطي التقليدي، وحصلت على الخلود الذي يليق بِجولاتِها الفنية الشاقة في آنٍ واحد، تبدو مائلة للخطيئة والوقاحة، لكنها ليست كذلكَ، تُوهم الآخر بهذا فتوقعهُ في فخِها ومَن يعرفها حق المعرفة ينجو من شِباكِها.
الشعر إذن ضرورة وحاجة لفرخزاد، الشعر كأنهُ سلوى ضائعة في السراب وعلى فروغ إيجادها فاتحدت معهُ واندفعت نحوه دفعة قوية، لعلها تقترن بمُواساة أثناء لقائها بالشعر ولا تنفصل عنها، سواء نجحت وظفرت برجائِها هذا أو أخفقت بنيلهِ هي بزغت كزهرةِ التوليب في مساحةٍ شحيحة مُؤذية، ولو لَمْ تقطع غذاء الجاحد عليها، الذي اتهمها بالجسارةِ والجنون بما أمكن لهُ.

تستمد كتاباتنا عن فرخزاد متانتها من أشعارِها باعتبارها وثائقَ لدراسةِ حياتها المشوشة والأبعاد الكامنة وراء الطابع الطهراني ومساراته المُقدسة المشحونة بالحَيطَة.
يا أشعارها.. يا شُعلة قلب مملوء بالمحن
رفضت فروغ فرخزاد مُصطلح القديم والحديث، وأكدت أن الشعرَ واحدٌ وما تتخلله من اختلافاتٍ هي مواكبة الشاعر عصره وحسب؛ شكلت تلكَ المسافات المادية بينَ العصور فوارقَ واضحة في هيكلهِ خدعت القارئ بوجود القديم والحديث، لذلك ما كانَ على الشاعر إلا أن يعيدَ ترتيب الحياة بعد نموها المُغاير بأدواتهِ الفردية الخاصة، وما يرضي مُحيطه لِيتماشى وينسجم مع الواقع الشعري، وبالتالي يستمر في جدليةِ البالي والجديد وما حولها من نزاعاتٍ حية لا تربت على قلبهِ. كتبت فرخزاد بيدين نحيلتين وبأملٍ كاذب قصيدتها «الوداع»، طغى عليها الترهيب وهالة الرحيل الخانقة، كما تركت مجالا للتكرار اللُغوي الفعلي المُثير، مُشيرا إلى التوكيد والتحذير بنبرةِ التنبيه المُجَلْجِلة، استهلتها قائلة بغرض القسم الإقناعي: «أقسمُ أن آخذَ مِن مدينتكم/قلبي المُرهق والمجنون/آخذهُ إلى أبعدِ نقطةٍ/أغسلهُ من لونِ التحديقِ/أغسلهُ من بقعةِ الحُب وعبث التمني/سآخذهُ لأبعدهُ عنكَ/أنتَ أيها الأملُ المُستحيلُ/سآخذهُ لأدفنهُ وهوَ حي».
تعانقت قصائدها مع بعضها بعضا حتى خُيل إلينا أنها أُغنية طويلة غير مُنفصلةٍ مقاطعها، وأفردت في ورقةٍ بعدَ الوداع قصيدة «أسطورةٌ مُرة»، استكملت الوداع قائلة بيأسٍ بالغٍ مع أسلوبٍ يصهرها لينفي البهجة: «لا أملٌ زائفٌ يسعدُ قلبي/لا خطابٌ.. لا رسالةٌ من قريبٍ/هُناك امرأةٌ في الفجرِ تجر ذيلَ فستانها وترحلُ/لا أحد بكى وراءها/لا أحد فهمها/ولا أحد من الناسِ الحقودين/عرف أن غناءها دوي حزينٌ».
انقطع عنها حبل المودة المنشود وظلت أسباب الخطيئة مجهولة بالنسبةِ لها، غالبا ما تكسرت من الغِش، المكر والخِداع مثل تكسر الضوء عندَ الغروب، بللَ الدمعُ أشعارها وتدفقها الإبداعي الناجم عن امرأةٍ مُرتعشة في الليلِ، لا قدرة لها على الصمتِ وتخبئة المشاعر، إنما أدمنت يأسها وهبوب الظلام المُلطخ برائحةِ الليل.
«مَن ذرف خلفها دمعة حزن؟/مَن حاول فهم شكواها؟/لَمْ يدرك الناس عن هذهِ المجهولة/أن صيحتها كانت صدى للألم..». جاءت هذهِ الجمل الشعرية مُكْتَظة بالتساؤلات عن عدد الباكينَ خلفها بصدقٍ وحسرةٍ، واستعمال تشبيه الزهرة المُباشر بعد اعترافها الشعري والنداء الأخير المَكْرُوب كالآتي: «هاربة من عالمٍ يبدونَ كالأصدقاء/لكن في باطنِهم – من فرط الدناءة – يلصقونَ مئة تهمةٍ بفستاني/من أُناسٍ حينَ يسمعونَ قصائدي/يتفتحونَ أمامي كزهرةٍ عطرةٍ/لكن بخلوتِهم يقولونَ:/هذهِ مجنونةٌ.. سيئة السمعةِ/يا قلبي المجنون/الذي يحترقُ من هؤلاء الغرباء/لا تصرخ بعدُ/أيها الرب أوقف كُل هذا الجنون».
تجعل الشاعرة الذل، الإيذاء والبشاعة مواد خاما لتشذيب قصائدها بغية تحويلها شيئا فشيئا إلى شموعٍ، غايتها إضاءة بيت السكون الشبحي الفظيع وبلوغ فضاء التناغم الجسدي الغنائي، تمكنت قصيدتها الأنيقة الناضجة من الوصول إلى نقطة الإنسانية الأساسية، وتجاوزت الوصف الذكوري أو النسوي المُضمر، ترتبط القصيدة عندها بعالم الشعر الرفيع فقط، رغم شتات الكاتب الإيراني في الأدب عادة، متحدثة عن علاقتهِا بالشعر وكيف تخبئ ذاتها وتبكي فيهِ لتتوخى السكينة كمن ينجو من غرقٍ بفضلِ جذع وحيد في النهر، أو مثل المُخرج الإيراني الناصع عباس كيارستمي المعني بالثنائيات والأفعال الفضائحية (المكشوفة إيجابيا بلا تجميل) حينما قالَ: «في أوقات الصراع والقلق، يكون الشعر من الأشياء القليلة التي تستطيع أن تمنحنا درجة من اليقين والثقة، وتوفر لنا شيئا من السعادة. لا أعرف شيئا آخر غير الشعر يستطيع أن يفعلَ هذا، طوال حياتي كنتُ ألجأ باستمرارٍ إلى الشعر». أخذتها الريحُ العاتية في الأخيرِ مع البرد لِترقدَ تحتَ ندف الثلج مثلما تمنت خلال المعيشة المغمومة، وقفت سلفا على أرضٍ قاحلة وشاهدت العدم في الطريق دون ضياء بما أن الشمس ميتة أو خجولة في القرن العشرين، كأنها خططت لمصرعِها وموجتها العاطفية مُقدما، لَم يكن لديها خيارٌ آخر كي يؤهلها للعودةِ من الموت، ولا يزال قبرها وحيدا بينما شِعرها حيا، كُلما بقي المرءُ وحيدا فسوف يحيا وتحيا بياناته الشعرية الرصينة لاحقا، وكُلما بقي القبرُ مُوحشا فسوف يُعشب من أجلِ أن يصيرَ نفسه إلى إشارةٍ تُصدم المارة، إشارة كإشارة الحُب الذي ينذر صاحبهُ للبهجة واللعنة معا!
«شيءٌ واسعٌ.. مظلمٌ.. وغزيرٌ/شيءٌ مشوشٌ كصوتٍ بعيدٍ/يمددُ ذاتَهُ فوقَ عيني/ربما يصطادُني مِنَ الينابيعِ/ربما يقطفُني مِنَ الغصون/ربما يغلقُني – مثلَ بابٍ- على اللحظاتِ المقبلةِ/ربما/لَمْ أرَ بعدُ/نحنُ نبتْنا فوقَ أراضٍ قاحلةٍ/نحنُ نهطلُ فوقَ أراضٍ قاحلةٍ/رأيْنا العدمَ في الطرقِ/فوقَ حصانِنا المجنحِ الأصفرِ/كالملوكِ مشينا في الطريقِ/يا للحسرةِ.. نحنُ سعداءُ منطفِئونَ/سعداءُ لأننا نحب/تعساءُ لأن الحب لعنةٌ!». مقطع شِعري تقوله فرخزاد باحتمالية غالبة وبلا التواءاتٍ لفظية بعد أن طغت على قصائدها الخيبة الفادحة ولفظة الانطفاء (كليلٍ مُنطفئ، قلبٍ مُنطفئ وطيف مُنطفئ..) انطفأت فرخزاد وتابَعَ الليل رغبته باستعادة وهج الظلام ونعيق الغربان، قد أكون راضية ومُرتاحة لموت فرخزاد؛ لأنها لا تُناسب هذا الخراب المُجتمعي وهؤلاء المُنافقين المتراشقين من خلف الظهور على حد تعبير إبراهيم كلستان، لَمْ تجنِ من حياتها القصيرة سوى الأوراق اليابسة الهامدة المُتشبثة بأطراف ثيابها ولَمْ تفعل شيئا سوى أنها فتحت بلهيب خيالها وفُؤادها أبواب الخلود للشِعر الإيراني الحديث.
«لم أكن أعرف أن وجوه الناسِ مُلونةٌ بالخداع/آه من ألم هذا العالم المُخادع!»
ملحوظة: القصائد في المقالة ترجمتها من قبل الكاتبة العراقية مَريم العطار

٭ كاتبة عراقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية