القاهرة ـ «القدس العربي»: بعيدا عن صفقات ميسي وبنزيمه وثروات رونالدو وتراجع مستوى فخر العرب.. لفلسطين عشاقها، كما أن للأقصى من تهفوا قلوبهم إليه.. أولئك الذين يصبرون على الغلاء، وما زالوا يفرحون بعمليات المقاومة التي تربك جيش الاحتلال ويقفون في وجه المخططات العالمية الرامية لتشييع القضية لمثواها الأخير بتآمر بعض الاشقاء.. وطيلة الساعات الماضية كان من تبقى على العهد للقضية وأهلها يتابعون مستجدات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، التي باتت رغم أنهار الدماء المباركة التي تسير في مدنها وقراها مصدرا للتفاؤل، ومصنعا للبهجة، إذ يفاجئ الشباب الفلسطيني العالم العربي الغارق في معاركه الصغيرة، بأنه بات المهموم بتنفيذ وصايا السماء بالدفاع عن الآثار الدينية المباركة، وسائر ما على الأرض الفلسطينية من بشر وحجر.
ومن التقارير التي لاقت احتفاء رسميا: أشاد المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو جراندي، بالحكومة المصرية والشعب المصري لما قدموه ويقدمونه للاجئين، لتمكينهم اقتصاديا وقال: إنه مثال يحتذى به لحسن الضيافة والكرم والروح الإنسانية العالية لتوفير الملاذ الآمن لآلاف اللاجئين ولغيرهم من الأشخاص المجبرين على الفرار. ومن أخبار الأحزاب: ينتظر الوفديون المؤتمر الصحافي الذي سيعلن خلاله عبد السند يمامة رئيس الحزب عن برنامجه الانتخابي، حيث من المقرر أن ينافس الرئيس السيسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وكان من المقرر عقد موعد هذا المؤتمر مساء اليوم الأربعاء 21 يونيو/حزيران، لكن سرعان ما تم تأجيله إلى ما بعد عيد الأضحى المبارك. ومن أخبار المؤسسة الدينية: أشار وزير الأوقاف إلى أنه يجب على المرأة عند خروجها للعيد أن تخرج مراعية سائر ضوابط الخروج للصلاة، حتى تنعم بخير الله في هذا اليوم وتنال فضله، دون أن تقع في محظور شرعي. وأكد أنه على جميع المديريات مراعاة ذلك في تنظيم صلاة العيد مع الاستعانة بالواعظات المعينات والمعتمدات في تنظيم مصليات السيدات، ولاسيما في الساحات لتحقيق الضوابط الشرعية لصلاة العيد، دون أي مخالفة شرعية، وعلى أن يكون دورهن البيان والتوضيح والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة.
ومن أخبار الحوادث: شهدت مدينة 6 أكتوبر التابعة لمحافظة الجيزة سقوط كوبري مشاة أمام جامعة مصر الدولية، ما أدى إلى تعطل حركة المرور. وتحركت الأجهزة المختصة سريعا لاحتواء الأزمة، حيث انتقل على الفور رجال الحماية المدنية والأجهزة المعاونة لرفع الكوبري الحديدي من أجل إعادة فتح الطريق أمام حركة المرور. ومن أخبار الثانوية العامة: حذّرت الإعلامية سالي فؤاد طلاب الثانوية العامة من تناول العصائر والسكريات، لانها تصيب بالخمول، كما حذرت الطلاب من أكل الفول قبل الامتحان.
مطلوب فورا
ما شهدته الأرض الفلسطينية المحتلة في الساعات الماضية، يؤكد بوضوح تام وفق ما يرى جلال عارف في “الأخبار”، أن التصعيد الإسرائيلي ماضٍ في طريقه حتى النهاية، وأن المقاومة الفلسطينية لن تنكسر، وأن التطرف الصهيوني يقود المنطقة إلى انفجار لا حدود لمخاطره، إذا استمر آمنا من العقاب الدولى. حملة عسكرية إسرائيلية على بلدة «جنين» تستعين بطائرات الهليكوبتر وتضرب المنازل بالصواريخ، ثم تتعرض لكمين نصبته لها المقاومة الفلسطينية تنفجر فيه بعض مدرعاتها وتصيب أعدادا من الجنود الإسرائيليين بعضهم تم نقله بالطائرات وهم في حالة خطيرة. بينما سقط ثلاثة شهداء فلسطينيين على الأقل وعشرات من الجرحى. الخطير في هذا الهجوم الإسرائيلي أنه يأتي بعد ساعات من قرار لحكومة زعماء عصابات اليمين الاسرائيلى يطلق يد الوزير الإرهابي سموتريتش في شؤون الاستيطان في الضفة المحتلة والقدس الأسيرة، ويفتح الباب أمام أكبر حملة استيطانية ببناء أكثر من 4500 منزل جديد وبإضفاء «الشرعية الزائفة» على عشرات البؤر الاستيطانية، ويحاصر المدن الفلسطينية، ويترك الفلسطينيين تحت رحمة ميليشيات الإرهابي الآخر بن غفير، الذي أصبح مسؤولا عن الأمن الداخلي. والنتيجة أن مخطط الاستيلاء على الضفة الغربية يجري تحويله إلى واقع، وأن المسؤولين عن ذلك من وزراء إسرائيل يعلنون بوضوح أن على الفلسطينيين هناك أن يختاروا بين الهجرة أو القتل أو القبول بنظام عنصري تكون مهمتهم فيه بناء منازل للصهاينة في مستوطنات تتوسع، وتتوسع معها معسكرات اللاجئين الفلسطينيين داخل وطنهم أو خارجه! إسرائيل تغتال ما تبقى من فرص (ولو ضئيلة) لحل الدولتين وتعمل – في ظل الصمت الدولي – على استكمال ضم الضفة وتهويد القدس العربية. بينما ما يشغل بال الإدارة الأمريكية هو الضغط المتواصل من أجل تطبيع العلاقات بين الكيان الصهيوني والمملكة العربية السعودية، وتوسيع ما تسميه واشنطن «السلام الإبراهيمي» ثم إبداء «الانزعاج» من التوسع في النشاط الاستيطاني، مع الالتزام بمنع أي إدانة دولية لجرائم إسرائيل.. هل هناك «وصفة» لتفجير المنطقة أسوأ من هذه «الوصفة»؟
مجرد اقتراح
قامت الدنيا ولم تقعد لأن الدكتور صلاح الغزالي حرب اقترح، في إحدى جلسات الحوار الوطني، إلغاء ما يسمى العلاج على نفقة الدولة. وهي لم تقعد، على حد رأي سليمان جودة في “المصري اليوم” لأن الذين ثاروا على الرجل لم يقرأوا ما قاله نصا، لكن سمعوا أنه قال كذا وكذا فاعترضوا على الفور وهاجموه دون تفكير، ولو أنهم كلفوا أنفسهم عناء قراءة التفاصيل والمتابعة، لوجدوا أنفسهم واقفين معه على جبهة واحدة. فالدكتور صلاح طبيب، ولا يوجد أحد يتعاطف مع المرضى قدر ما يتعاطف معهم الطبيب، لأنه أدرى الناس بما يعيشه كل مريض ويعانيه.. ولأن الدكتور الغزالي يتابع ملف العلاج على نفقة الدولة منذ بدايته، فهو يعرف أنه مشروع بدأ بالنوايا الحسنة، ثم ما لبث حتى انحرف عن هدفه الحقيقي مثل أشياء كثيرة في حياتنا، وأصبح بابا لأشياء بعيدة عن العلاج على نفقة الدولة بمفهومه الصحيح. وهذا بالطبع لا يعني موقفا في الإجمال ضد مشروع العلاج على نفقة الدولة، ولا يعنى أنه مشروع سيئ من أوله إلى آخره.. ففيه بالتأكيد مزايا، وهناك بالقطع مرضى كثيرون استفادوا منه، لكن القصد هو توظيف الميزانية المخصصة للمشروع على نحو أفضل، وإذا حدث هذا فسوف يستفيد منه أضعاف العدد الذي يستفيد منه حاليا. القصد، كما فهمته من حديث الرجل عن اقتراحه، أن ميزانية العلاج على نفقة الدولة يجب توجيهها إلى مستشفيات الدولة نفسها، ويجب دعم كل مستشفى بجزء عادل من هذه الميزانية، لعل مستوى هذه المستشفيات يقطع خطوة للأمام، ولعل الذين يقصدونها من المرضى الغلابة يجدون فيها ما يبحثون عنه، ويحصلون منها على حقهم في العلاج. العلاج على نفقة الدولة حق يكفله الدستور لكل مواطن، وهذا المواطن لا بد من أن يجد علاجه في مستشفيات الدولة، بدلا من أن يسعى إليه من باب اسمه: قرار بالعلاج على نفقة الدولة. أخشى إذا استمر العلاج على نفقة الدولة بالصورة الحالية، دون مراجعة ودون إعادة تقييم، أن يصبح مثل مجانية التعليم.. فالقصة ليست شعارا نرفعه في الحالتين، لكن القصة هي ماذا على وجه التحديد يحمل الشعار من مضمون؟ وإذا كان الدستور الحالي يلزم الحكومة بإنفاق 3% من الناتج القومي الإجمالي على الصحة، فهذه النسبة لا بد من أن تتوفر لوزارة الصحة، لاستقبال مرضاها في مستوى آدمي.
انقذوا السودان
اتسعت مساحات الحرائق في الحرب الأهلية في السودان وانسحبت أطراف كثيرة من دعاة المصالحة والتفاوض.. ويبدو حتى الآن وفق ما يرى فاروق جويدة في “الأهرام”، أن نتائج المفاوضات بين القوى المتصارعة لم تصل إلى شيء.. وفي كل يوم تزداد الأزمة تعقيدا وتدخلت فيها أطراف جديدة.. أخطر ما يحدث أن المعارك انتقلت إلى دارفور وهي من المناطق التي شهدت في سنوات مضت مواجهات ومعارك طالت.. هناك أزمة الأطفال في السودان وهم مهددون بالموت جوعا لعدم توافر الأغذية لهم وفي كل يوم يزداد عدد الهاربين من الموت إلى دول الجوار.. إلا أن التحول الأكبر في الأيام الأخيرة هو دخول إثيوبيا طرفا في محاولات المصالحة بين الأطراف المتصارعة، ونحن نعلم حجم الأزمات والقضايا بين السودان وإثيوبيا بداية من سد النهضة وانتهاء بالأراضى المتنازع عليها، ولا شك أن إثيوبيا ليست الطرف المناسب للتصالح مع الجيش السوداني.. لقد دخلت المعارك في السودان شهرها الثالث، وهناك أطراف كثيرة فشلت في إتمام المصالحة، وهناك أطراف أخرى انسحبت لأسباب غامضة، رغم أن العالم يراقب ما يجرى في السودان ويشاهد كيف تمتد الحرائق وتدمر المدن وتزداد أعداد الهاربين مع كارثة نقص الغذاء والأدوية والمستشفيات والأطفال، ولا يعقل أن يقف العالم العربي متفرجا والسودان مهدد في شعبه وأرضه وحياته وموارده.. هناك حالة من الصمت المريب والغموض تحيط بما يجري في السودان.. ولا أدرى ماذا ننتظر وهناك كارثة تهدد حياة شعب شقيق هو أقرب شعوب الأرض لنا؟ إن استمرار المعارك وانتقالها إلى أكثر من مدينة، يمثل تهديدا لوجود الدولة السودانية وأمامنا دول كثيرة ما زالت تعاني كارثة الحرب الأهلية، ولا تعلم متى تخرج منها.. السودان الآن يواجه تحديا في وجوده وأمنه وحياة شعبه، وأخشى أن تزداد الأحوال سوءا أمام فشل كل محاولات المصالحة.. أنقذوا السودان قبل فوات الأوان.
لا تزعجوهم
عندما أثير موضوع نقل بعض المقابر من أماكنها التاريخية إلى غيرها سعيا نحو تطوير محاور القاهرة، وإعادة تنظيم بعض المناطق القديمة فيها تحركت على الفور أصوات تطالب بإعادة النظر في الأمر برمته، ولما كان الناس يقولون دائما في عفوية ودون وعي (إن الحي أبقى من الميت) فإن الكثيرين تحمسوا للتغيرات المطلوبة، ولكن بقيت أعداد كبيرة تابعها الدكتور مصطفى الفقي في “الأهرام”، تشير إلى قدسية الموت وحرمة الموتى وضرورة إعطاء من رحلوا ما يستحقون من توقير واحترام، وكنا قد تحدثنا في هذا الشأن في خريف عام 2022 في حديث متلفز بالصوت والصورة جرت إذاعته مؤخرا لتأكيد صدق ما نقول، وقد يكون هناك توارد في الأفكار بيننا وبين غيرنا في الدعوة إلى هذا الأمر، لأنه يمثل قضية عامة، ولي مع صديقى العزيز الكاتب محمد سلماوي احتمال حدوث توارد أفكار في مناسبتين كبيرتين الأولى، عندما كنت في بيروت أتحدث أمام وزير الثقافة اللبناني تمام سلام بحضور الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي في مؤتمرها في العاصمة اللبنانية فدعوت يومها إلى تبني اقتراح من جامعة الدول العربية بعقد قمة ثقافية يناقش فيها الملوك والرؤساء والأمراء وضع الثقافة العربية، باعتبارها مفتاح الطريق نحو الأفضل، وفي الوقت ذاته كان صديقي العزيز أ. سلماوى يترأس اجتماع اتحاد الكتاب العرب المنعقد في ليبيا، وأبدى اهتماما بالفكرة ذاتها، وهو توارد أفكار لست أنا ولا هو مسؤولين عنه، ولكنه تقارب الاهتمامات عند التفكير في الشأن العام، أما بالنسبة لموضوع (مقبرة الخالدين) فقد أيد ما ذهبنا إليه وقتها الشاعر والكاتب فاروق جويدة في عموده في “الأهرام” وساندنا في ذلك أيضا الكاتب الصحافي أ. سليمان جودة في عموده اليومي وبدأ الرأي العام يتحرك مطالبا بإنشاء مقبرة للخالدين أسوة بدول كثيرة في الغرب، وفي مقدمتها فرنسا على اعتبار أن تلك المقابر الجماعية للشخصيات المرموقة مفكرين وأدباء وعلماء وفنانين سوف تتحول في النهاية إلى مزار سياحي ومنطقة جذب أثري لكثير من القادمين إلى أرض الكنانة، التي يحتوي ثراها شخصيات تاريخية وأضرحة شهيرة يعرفها الداني والقاصي، ولكن بقي السؤال الذي يلح على خاطري في الأسابيع الأخيرة هو هل استخدام لفظ الخالدين يبدو أمرا مقبولا؟ يرى الدكتور مصطفى الفقي أنه كان أولى بنا أن نقول إننا نطالب بإقامة مقبرة (لأصحاب المواقف الخالدة) وهنا يتم ضبط المصطلح ليكون التعبير أكثر دقة لغويا وأخلاقيا، ولنا هنا عدة ملاحظات هي: أولا: إن البحث في هذا الأمر ليس جديدا كما أن نقل بعض المقابر هو الآخر ليس أسلوبا مستحدثا، فعندما جرى إنشاء الطريق الدائري نقلت رفات من أماكنها التي تقاطعت مع الطريق الجديد، وكان من بينها عدد من مقابر اليهود المصريين، وجرت مشاورات ومحادثات، ولكن المصلحة العامة تغلبت على الجميع، لذلك عندما أثير الأمر العام الماضي كان الحديث يدور حول شائعات تتصل باحتمال نقل رفات طه حسين ويحيى حقي، حتى وصل الأمر إلى ملكة مصر السابقة فريدة الزوجة الأولى للملك فاروق، وصرحت مصادر فرنسية تدرك مكانة الدكتور طه حسين لدى الفرنسيين قائلة إنهم على استعداد لاستقبال رفاته إذا كانت سوف تتعرض للنقل من مكانها، كما تحدث محمد عبدالقدوس عن رفات والده أشهر روائي في تاريخنا المعاصر، وتواترت أحاديث كثيرة حول ذلك الشأن، وكنت أسأل نفسي إذا كان الاقتراح لا بأس منه ولا غبار عليه، فالأهم هو تعريف الخالدين بالدرجة الأولى حتى لا يكون الأمر ضبابيا، ولا العمل دعائيا. ثانيا: الأخذ باقتراح إقامة مقبرة للخالدين، ولكن دعنا نسميها (مقبرة العظماء) هو أمر يبدأ من الآن تحركا نحو المستقبل، ولا يمكن تكريم كل الراحلين عبر القرون الماضية، أو حتى العقود التي مضت على نحو يغير من طبيعة المقابر القديمة ويهز مكانة أصحابها، لأن قدسية الموت تحول دون ذلك، كما أن الحضارات والثقافات والديانات كلها تحترم أجساد الموتى وتحفظ لهم كل ألوان التوقير والاحترام، وذلك تقليد بارز عرفه المصري القديم باني الأهرامات. ثالثا: الذي دفعنا إلى اقتراح مقبرة العظماء وتبني إقامتها إنما هم أولئك الذين يتصورون أن الأمر سوف يبدأ غدا، وأننا سوف نقوم بنقل رفات مئات الراحلين، لذلك قلنا ونقول إن مقابر العظماء يجب أن تكون موزعة على محافظات الجمهورية ولا تخضع للعبث.
الملك والشيخ
ما زال الرحيل الغامض لأحد أبرز مشايخ الأزهر يثير اهتمام الكثيرين من بينهم أحمد رفعت في “فيتو”: يروي العالم الجليل الشيخ علي عبد العظيم في موسوعته الرائعة ذات الأجزاء الثلاثة “مشيخة الأزهر منذ إنشائها إلى الآن” رفض شيخ الأزهر الأسبق الراحل محمد مصطفي المراغي منح فتوى للملك فاروق تقضي بعدم أحقية الملكة فريدة بالزواج من غيره إذا طلقها! يقول الرجل: “إن الشيخ مصطفى المراغي، شيخ الجامع الأزهر رحمه الله، قبيل وفاته بأيام أصيب بإنفلونزا خفيفة فنقل على إثرها إلى مستشفى المواساة في الإسكندرية في رمضان وكان وقتئذ في أغسطس/آب 1945. “حدث أن زاره الملك فاروق في المستشفى فأحدثت هذه الزيارة انقلابا في حالته الصحية، وكان الملك قد طلق زوجته الملكة فريدة وطلب من الشيخ المراغي إصدار فتوى بتحريم زواجها من أحد غيره، فرفض الشيخ الاستجابة لطلب الملك بإصدار فتوى، فضاق الملك ذرعا بهذا الرفض وتعصب للغاية واحتدم بينهما النقاش، فقال المراغي للملك: أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه، ثم صاح بأعلى صوته وقال: إن المراغي لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله! عقب هذا اللقاء العاصف ساءت صحة الشيخ المراغى فانتقل إلى رحاب ربه شهيدا من شهداء الحق”!
غيرة فاروق
الرواية التي بحث في حقيقتها أحمد رفعت منتشرة جدا.. ووردت في موسوعة “من المواقف الخالدة لعلماء الأزهر” لمؤلفها الشيخ أحمد ربيع الأزهري، ووردت بأقلام كتاب كبار، لكن استوقفنا ونحن ندقق – ولا نفعل مثل الآخرين في النشر دون منطق – في كل ما يمر علينا أن الشيخ المراغي رحل إلى جوار ربه عام 1945 بينما طلاق الملك من فريدة تم عام 1948 فكيف ذلك؟ وبالبحث اكتشفنا أن أصول الخلاف بين الملك والملكة امتدت لسنوات وفيها اتهامات مخجلة يروي عنها مصطفى أمين -وفقا لموسوعة أخبار اليوم – أن أحمد حسانين باشا أرسل له عام 1944 صورة ابنة الملك من فريدة مع صورة جدها الملك فؤاد لينشرها مؤكدا الشبه بينهما سعيا لطمأنة الملك الذي كان يشكك في نسب الابنة له! ويضيف أمين: تسبب الأمر في نتيجة عكسية إذ اتهم الملك أمين بتدبير النشر مجاملة للملكة! بل إن الوثائق البريطانية التي تابعت الملك لحظة للحظة تحوي رسالة من الأمير محمد علي ولي العهد مسجلة بتاريخ 11 ديسمبر/كانون الأول عام 1941 ملخصها أمور تتعلق بالغيرة ومراقبة الملك لتحركات زوجته تحتاج موضوعا مستقلا، لكنها تؤكد أن العلاقة توترت مبكرا بين الملك والملكة، ما دعا الملكة إلى طلب الطلاق مرات عديدة فهمها الملك بالرغبة في الارتباط بشخص آخر، ومن هنا كان السعي للحصول على الفتوى. وبعد رفض الشيخ الجليل تأجل الأمر! الشيخ علي جمعة لا يعتبر الشيخ مصطفى المراغي شهيدا فقط كما قال الشيخ علي عبد العظيم، بل يقول للإعلامي المحترم عمرو خليل في برنامج “والله أعلم” على قناة “سي بي سي” بتاريخ 10 مايو/أيار 2015 أن الشيخ المراغي “قال للملك تزوجت أم لم تتزوج هي صاحبة الشأن في ذلك”، فقام الملك بضربه بطفاية حريق كانت في الغرفة بعد انفعال ومشادة انتهت بوفاة الشيخ على يد الملك! رحم الله العالم الجليل محمد مصطفى المراغي!
أجرؤكم على النار
لدى محمود زاهر في “الوفد” من الأسباب ما يجعله شديد القلق على مستقبل الفتوى في عالمنا العربي: في ظل الأجواء الإيمانية والروحانية، التي تجتاح مِنَصَّات التواصل الاجتماعي هذه الأيام المباركة، من شهر ذي الحجة، بعد «دَوْشة التريندات»، لصاحبة «الفستان الأزرق»، وأغنية «سطلانة».. لا غرابة في أن تجد من يفاجئك عندما يراك عابسا بالقول: «سمعت آخر فتوى؟» للأسف، خلال الفترة الأخيرة، لم تعد تسمع من يُمازحك قائلا: «سمعت آخر نكتة»، بل أصبح الشائع حاليا: «سمعت آخر فتوى»، على اعتبار أن الفتاوى أصبحت مثل النِّكات، ولذلك لن يبدو مفاجئا أن يطالب البعض بإنشاء جائزة أو مسابقة لمن يُطلق أسرع أو أغرب فتوى، شريطة أن تكون تلقائية وجديدة ومبتكرة! قبل أيام، انتشرت «فتوى»، إحدى الإعلاميات، لصديقتها الفنانة، التي أعلنت انفصالها عن زوجها قبل وضع مولودها الأول، لتُفْتي عبر الإنستغرام بأن «الطلاق باطل.. أنا عارفة إنك حامل، والحامل لا تُطلق، ومش عارفة مين الشيخ اللي عمل إجراءات الطلاق، أنا مراجعتش غوغل». مع الأسف الشديد أجدني غير مستوعب لهذه الحالة الصادمة والمتناقضة، التي آلت إليها أمور الإفتاء، بعد أن أصبحت مستباحة ومن دون ضوابط، ما يجعلنا نشعر بالأسف والأسى على «هَيْبَة» الفتاوى، وكأن هؤلاء الذين يتصدّون لها، لم يقرؤوا يوما الحديث النبوي الشريف «أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار»! ما يدعو للدهشة حقا هو أن الأدوار تبدَّلت، ولم تعد الفتاوى مقصورة على «رجال الدين»، بل أصبحت «ساحة اجتهاد» لمشاهير الفن والإعلام والصحافة والسياسة، وبالتالي لم يجد بعض رجال الدين غضاضة في أن يكونوا إعلاميين. بتدقيق النظر في التصريحات المنسوبة إلى بعض المشاهير، تحت شعار «الإسلام الوسطي الجديد»، نلحظ أنهم ببساطة يكشفون عن جهلهم الفاضح، بل أدنى مستويات الجهل، وادِّعاء الثقافة في علوم الفقه والحديث والتفسير! لعل المتابع لتصريحات هؤلاء «المبدعين» سيجد غرائب وعجائب بلا حدود، وما ذاكرة «يوتيوب» ببعيدة، سواء أكان بتحريف آيات من القرآن، أم الاستشهاد بأجزاء من أحاديث نبوية، أو أبيات من الشعر، أو حتى أمثال شعبية، على أنها كلام الله، لنجد أخطاء كارثية فاضحة لبعضهم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن دقة النَّصّ، والتأكد من صحة النقل! أخيرا.. «لا فقر أشد من الجهل»، ولذلك نعتقد أن أكثر شيء يمثل خطورة على الأمن القومي والإنساني هو أن يتحكم الجهل في مناحي الحياة كافة، لنعيش زمانا جاهلا، يزحف فيه المجهول على المعلوم!
سلع مغشوشة
سؤال جدير بالإجابة طرحته ماجدة موريس في “الأهالي”: كيف يقرر الإعلاميون أهمية الشخصيات التي يقدمونها على شاشاتهم؟ وهل يوجد ميثاق شرف إعلامي على القائمين على قنواتنا تنفيذه من خلال ما يقدم لنا عبر مساحة زمنية كبيرة تساوي ساعات اليوم كله «24 ساعة»، وهل يوجد قانون يقرر نوعيات البرامج الضرورية لفئات المجتمع، بالطبع أتحدث عن خرائط يضعها المسؤولون عن قنواتنا، ولكنها تتجاهل الكثير من الضروريات في حياتنا، فلا توجد برامج عن الثقافة والفنون وعن الأسرة والصحة، وأيضا لا توجد برامج خاصة تبحث عن النماذج المضيئة والملهمة بين أبناء الشعب؟ والسؤال الآن ينطبق أيضا على البرامج الرياضية، وهل توجد إلا باستثناء برامج رياضة واحدة هي كرة القدم؟ هل ينتظر الاعلام أخبار البطولات، والأبطال من هنا وهناك، أم أن عليه البحث عن الأبطال في كل مكان، من القاهرة والإسكندرية إلى 27 محافظة مصرية ليقدم ما فيها من نماذج بشرية تستحق المعرفة والانتباه، والتحية، هذه القضية القديمة، المتجددة، أعادتها إليّ كلمات خمسة من أبطال مصر في اللعبات الرياضية الفردية كالچودو والمصارعة ورفع الأثقال والكاراتيه، أبطال كبار حققوا الكثير من البطولات، يمتلكون البطولات الافريقية وبطولات البحر المتوسط، وقارات بعيدة ويتطلعون الآن إلى الدورة الأولمبية المقبلة في فرنسا، أما سبب اجتماعهم معا، وفهمنا كمشاهدين للكثير مما يعانونه، فهو برنامج «كلمة أخيرة» على شاشة قناة «أون» في الأسبوع الماضي، ودأب مقدمة البرنامج لميس الحديدي في دفعهم للتعبير عن أزماتهم بعد هروب لاعب المصارعة بغدودة والقلق الذي أثاره، وحيث بدت المشكلة مادية أساسا، ولكن البرنامج أضاف إليها الكثير ليضعنا في حالة فهم ووعي بما يحدث لأبطال اللعبات الفردية، الذين يرفعون الراية المصرية دائما، ويضعون بلدهم ضمن بلاد العالم المتقدمة، لكنهم يعانون كثيرا من أشياء كثيرة، ومن الإعلام تحديدا، ويكفي أن نرى هذه الأيام صور نور الشربيني بطلة العالم في رياضة الإسكواش في فيديوهات وتقارير إعلامية دولية، ونعرف أنها وغيرها من البطلات المصريات يسيطرن على هذه الرياضة في إنكلترا وأمريكا ومع ذلك، لا يذكر هذا حتى في “فتافيت” نشرات الأخبار اليومية.
رغم إنجازاتهم
ليس الموضوع المادي فقط هو ما يعانيه الأبطال، ولكن كما أوضحت ماجدة موريس، هو النظام الإداري نفسه، وعدم وضوح الرؤية تجاه مسيرة لا يعرف البطل أو البطلة متى تنتهي، سواء مع حمل الأثقال أو المصارعة أو الجري أو الجودو أو الكاراتيه، إنها ألعاب القوة البدنية التي تحتاج إلى استعداد خاص وشاق، تدريبي، وبدني وغذائي، وتحتاج إلى وقت كامل للوصول إلى اللياقة المطلوبة للبطولة، ومن هنا أجمع الأبطال الذين استضافهم البرنامج «سارة سمير وكريم كحلة في رفع الاثقال، هيثم فهمي في المصارعة، وعلي الصاوي في الكاراتيه ومحمد عبد الموجود في الچودو» اجمعوا علي أمور عديدة لعل أغربها، ضرورة وجود طبيب معهم في البطولات التي يذهبون اليها خارج مصر، وضرورة الشعور بالأمان لمن يقضي وقته كاملا لأجل التفوق والميدالية، وحيث ردد أغلبهم كلمات مهمة «أضحي بوقتي كله الذي هو أغلى ما أملكه الآن» و«محتاج للشعور بالأمان» و«حياتي غير مستقرة»، وليكشف أحدهم أن مكافآت اليوم لم تتغير منذ دورة ألعاب البحر المتوسط من عشرين عاما، أما الأصعب فهو المستقبل، فماذا يفعلون بعد فترة اللعب والبطولات؟ وكيف يبدأ كل منهم البحث عن وظيفة، وشقة، ودخل، ولماذا لا يقبل الرعاة على دعم الأبطال، باستثناء راع واحد، ولماذا لا تكون الرعاية إجبارية كما حكت سارة سمير عن الصين «حيث يجد اللاعب الوظيفة والشقة والسيارة وكل ما يتمناه كواجب إلزامي على الشركات الكبرى بأمر الدولة»، أما الأغرب، والأكثر تأثيرا كما قال الأبطال فهو موقف الإعلام منهم، «لماذا لا يرانا الإعلام، وليه مش بيقدمنا للناس مع أن كل حياتنا ووقتنا رايحة لهدف واحد هو التفوق والبطولات، واسم مصر»، هل يعرف أحد الإجابة؟ لكننا على الأقل نعرف الأسباب التي تدعو البعض للهروب إلى بلاد تبحث عن أبطال يلعبون باسمها، فقط لأنهم لا يشعرون بالأمن في وطنهم.
ضيوف الرحمن
تتساءل هدى زكريا في “الشروق”: من الذي لا تسيل دموعه وهو يرقُب الجحافل البيضاء وهي تتدافع مردِّدة: «لبيك اللهم لبَّيْك.. لبَّيْك لا شريك لك لبيك.. أن الحمد والنعمة لك والمُلْك لا شريك لك». ومِن خلف نافذتها تشدو شجيَّة الصوت ليلى مراد والشَجَن يغلِّف نَبَرات صوتها: «يا رايحين للنبي الغالى هنيالكم وعقبالي». نعم. فمنذ مئات السنين، استطاعت مصر المحروسة أن تحوِّل رحلة الحَج إلى البيت المعمور من مجرَّد رحلة دينية للأراضي المقدسة، أياما معدودة يُكمِل فيها المسلم الفرائض الدينية، إلى حالة روحية وفنية وعملية تنتاب مصر كلها طول العام. فصنَّاع النسيج الثمين من الحرير والقطيفة ينكبَّون على أدواتهم الدقيقة، والمطرِّزون يزخرفون النسيج بخيوط الذهب والفضة، لكي تليق بكسوة الكعبة الشريفة، التي يتوجَّب أن ينتهي العمل بها قبل موعد الحَج بثلاثة شهور حتى يتهيأ (المَحْمَل) للرحيل إلى مكة مصحوبا بقوافل المؤَن والأغذية والثياب التي كانت توزَّع على فقراء المسلمين في أراضي الحجاز التي كانت تشرِف عليها المحروسة، والتي لم تكن قد أصبحت في رعاية دولة المملكة العربية السعودية آنذاك. وعند الإذن بالرحيل يتجمَّع الحُجاج المصريون الذين تأهَّبوا للرحلة عند «باب الفُتوح» في قلب القاهرة القديمة. ولا يقتصر الجَمْع على حُجاج مصر وحدهم، وإنما تنضم إليهم لتحتمى بهم وتتدفَّأ بصحبتهم أفواج الحجاج المسلمين القادمين من شمال افريقيا كالمغرب وتونس وليبيا والجزائر وغيرها من دول جنوب أوروبا، تحيط بهم وتحميهم فرقة من الجيش المصري التي يحتمي بها الموكب المَهيب فيتهادى في المقدمة «هَودَج» المَحْمَل الذي يتشرف بحمل الكسوة المشرفة. وتتجمع الجماهير الغفيرة لوداع الموعودين بزيارة الحبيب. والجمع يجهر بالدعاء وعلى رأس المودِّعين يقف الحاكم المصري ليحييهم ويتأكد من تمام إجراءات السلامة. بعد أن تنتهي الإجراءات «اللوجستية» بإنشاء «التَكَايا» على طول الطريق داخل حدود البلاد وعلى طول الطريق داخل الأراضي الحجازية، «والتكية»، لمن لا يعرف، هي استراحات وفنادق مجانية ينزل فيها المسافرون على مراحل الطريق حتى يصلوا إلى مَكَّة سالمين تحيط بهم فِرَق الجيش لتحميهم من عُدوان العصابات التي كانت تغير على القوافل المسافرة آنذاك.
غاب شمسها
نعم والكلام ما زال لهدى زكريا مارست المحروسة دورها الحضاري وواجبها الذي لم يكلِّفها أحد بأدائه فأدت باقتدار مسؤوليتها باعتبارها منارة الإسلام وقِبلة أنظار المسلمين، فأخذت على عاتقها حماية ورعاية الأراضي المقدسة التي لم يكن لها من يحميها. فلم تكن أراضي الحجاز قد حملت اسم السعودية بعد. ولم يكن البترول قد طفر من آبارها. فكان الفقر وقسوة الصحراء والبداوة سِمَة الحياة آنذاك. وكان موسم الحَج هو الانفراجة التي تهوِّن على الناس جفاف أيامهم. أجل كانت رحلة الحَج صعبة قاسية، حملت المحروسة هَـمّ تخفيف صعوبتها وترطيب قسوتها لتضمن الأمان لكل من أتى على كل ضامر من كل فَجٍّ عميق. وكان الفولكلور المصري يعج بأغاني وداع الحجاج واستقبالهم وفرحتهم بلَمس الحجر الأسود والصلاة بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلا تزال قُرى مصر تردِّد تلك الأغنية التي ترددها نساء جيران السيدة الموعودة بالحَج قائلات: «رايحة فين يا حاجة يا أم الشال قطيفة؟» فترد السيدة الحاجة على جاراتها مزهوَّة «رايحة أزور النبى محمد والكعبة الشريفة». والآن فيا سيدي يا رسول الله عليك أفضل صلاة وسلام، اسمح لي بأن أطلب حُكمك وأستغيث بحكمتك في ما شجر بيننا! بعد أن تغيرت الأحوال وذهبت أيام المَحْمَل ورحلة البعير. وجاءت أيام صارت فيها الطائرة تحمل الحُجاج إلى أعتابك المقدسة في ساعات قليلة، وبعد أن كان الناس يحلمون بزيارتك مرة واحدة في العمر، صاروا يستسهلون الرحلة، فيكررونها مرات ومرات وصار الازدحام بالملايين، ورغم نُبْل الهدف من الرحلة بغسل الذنوب وطلب المغفرة واكتمال الفرائض، إلا أن الأمر صار، بصورته الراهنة، يمثِّل مشكلة حقيقية للاقتصاد القومي للمحروسة التي صارت تضخ سنويا المليارات من الدولارات، بعد أن صار حُجّاج مصر يمثِّلون الرافد الأكبر لدخل المملكة السعودية من الموسم. ولم يقتصر الأمر على القادرين، وإنما صار فقراؤنا قبل الأغنياء يقتِّرون على أنفسهم وذويهم في الطعام والدواء ليوفِّروا ثَمَن الرحلة على سطح سفينة أو بالأتوبيسات المجهِدة تحركهم الدوافع الدينية البريئة.