المكان الذي استهدفته المسيرة الإسرائيلية أمس
جنين- “القدس العربي”:
يقرّ جميع المراقبين الفلسطينيين أن الاحتلال الإسرائيلي لم يكن بحاجة إلى أن يستهدف المقاومين الثلاثة، مساء أمس الأربعاء، بطائرة إسرائيليّة مسيّرة، بصاروخين على الأقل، أثناء قيادتهم مركبة مدنية، قرب حاجز الجلمة شمال جنين، وهم يرون أن ذلك الفعل الاستعراضي جاء من أجل إرسال مجموعة من الرسائل أبرزها استرداد هيبة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
وكانت طائرة مسيرة استهدفت، لأول مرة منذ عام 2006، ثلاثة مقاتلين، ينتمي اثنان منهم إلى كتيبة جنين، وثالث إلى كتائب شهداء الأقصى، التابعة لحركة “فتح”، حيث جاء في بيان مشترك لجيش الاحتلال وجهاز “الشاباك” أنّه، وبتوجيهات استخبارية دقيقة، تم رصد مركبة، قبل وقت قصير، أقلّت مسلّحين أطلقوا النار قرب الجلمة، وقد تم استهدافهم بصاروخ من طائرة مسيّرة.
وأضاف البيان أن الخلية التي جرى استهدافها نفذت سابقًا عدة عمليات إطلاق نار على مستوطنات في الضفة الغربية.
دراغمة: عودة الاغتيالات رسالة في ظل فشل “الشاباك” مرتين، الأولى في مخيم جنين، حيث ظهر سلاح العبوات الناسفة، والثانية فشل الاحتلال في منع عملية عيلي.
وتعتبر هذه الحادثة الأولى التي يستخدم فيها الاحتلال طائرة مسيرة لتنفيذ اغتيالات منذ الانتفاضة الثانية.
وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إنه استهدف “الخلية بطائرة مسيرة بعد قيام أفرادها بإطلاق النار عند منطقة الجلمة”.
وبحسب قناة “كان” العبرية، فإنّ التقديرات الأولية تشير إلى أن الخلية المستهدفة قد تكون هي من نفّذ عملية مستوطنة “حرميش”، التي قتل فيها مستوطن قبل أسابيع، وأشارت إلى أنه تم استهداف المركبة بعدة صواريخ من طائرة “هيرمز 450”.
وبحسب المحلل في الشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة، فإن عودة الاغتيالات بهذه الطريقة رسالة في ظل فشل جهاز “الشاباك” مرتين، الأولى في مخيم جنين، حيث ظهر سلاح العبوات الناسفة بشكل مفاجئ، والثانية فشل الاحتلال في منع عملية عيلي، وهو ما عرض المعنويات والشعور العام في إسرائيل إلى تلقي ضربة وانتكاسة، إنها “رسالة استرداد الهيبة”.
وبرأي المحلل دراغمة، فإن المسألة لم تعد إذا كان الاحتلال بحاجة لتنفيذ عملية من الجو وعبر طائرة مسيرة إنما السؤال الأجدر بنا أن نطرحه هو لماذا قام بهذه العملية رغم أنه يمتلك السيطرة على الأرض بشكل كامل في جنين وغيرها؟
ويجيب مضيفاً: “باعتقادي لجأ الاحتلال لتنفيذ عملية اغتيال المقاومين الثلاثة لأسباب معنوية أكثر من كونها أسباباً عملياتية ميدانية، لقد أراد الجيش أن يسترد هيبة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بعدما تعرّضت لهزة كبيرة في مخيم جنين بوقوعها في الكمين المحكم الذي نصبته المقاومة الفلسطينية”.
وشدد على أن الكمين هزّ صورة المؤسسة العسكرية بكاملها، فيما جاءت عملية عيلي وضاعفت الهزة الأمنية، معتبراً أن ذلك هو السبب الأول لتنفيذ الاغتيال جوا.
فجيش الاحتلال، بحسب المحلل السياسي كان بإمكانه ملاحقة الخلية العسكرية، “فهي في منطقة خارج المخيم وفي منطقة مفتوحة، وهو ما يجعل من استخدامه للطائرة رسالة للمقاومة لما هو قادم، رسالة للمقاومين بأن قواعد اللعبة تغيرت، وهو ما يجعل هذا النوع من الهجمات مستخدَماً داخل المخيم أيضاً.
ويرى المحلل السياسي دراغمة أن الشكل الجديد يعكس اعترافاً من الاحتلال، وإن كان بشكل غير مباشر، بتطور قدرات المقاومة، وهي نتيجة ترتب عليها أن تصبح عمليات الاقتحام للمدن الفلسطينية بالمسألة الصعبة والمعقدة، وهو ما كرره ضباط سابقون، حيث أكدوا أن قواعد اللعبة تغيرت.
وتوقع أن يتكرر ذات نموذج الاستهداف، حيث إن المستويات السياسية والأمنية قالت إن كل الخيارات مفتوحة، وهم مستعدون لكل السيناريوهات، حيث قالوا: “سنستمر في العمليات الاستباقية والهجومية ضد المقاومة في شمال الضفة، ولن نتردد باستخدام كل الأدوات الموجودة بين أيدينا”.
ونسب للناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال قوله إن الجيش “خصص مجموعة من الطائرات المسيرة للتعامل مع المقاومة”.
وأكمل دراغمة قوله إنه في معرض تأكيد الجيش على أنه لن يتوانى عن استخدام كل الأساليب لا يعني أنه سيترك الاقتحامات، بل ذلك يعني أن كل عملية ضد المقاومة ستكون محسوبة حسب معطيات الميدان، وهو الذي سيكون الدافع للجيش لاستخدام أي من الأساليب التي في يديه، سواء من الجو أو عبر القوات الخاصة أو الاقتحامات المعززة بالآليات.
وأضاف أن المقاومة أيضاً سيكون لديها ردها على هذا التحول، فحتماً سيكون لها نقلة نوعية في شكل الرد على دولة الاحتلال، بعد العملية الأخيرة، في ظل أن الإعلام الإسرائيلي نقل بيانات المقاومة التي توعدت بالرد السريع.
وأضاف: “عملية المقاومة في مخيم جنين وجرأة الفعل المقاوم في عيلي، وحجم الخسائر التي مني بها المستوطنون، وما رافق كل ذلك من فشل عملياتي، دفع لاستخدام رد مختلف من أجل إرضاء المستوطنين وإرضاء اليمين في الحكومة الإسرائيلية، “فنتنياهو لا يرغب في انهيار حكومته، حيث قام بعملية لاقت الترحيب من كل المستويات، وهي تحمل العديد من الرسائل للداخل الإسرائيلي وللمقاومة في الضفة وغزة أيضاً”.
ونقل دراغمة عن القناة الـ13 أن حالة من الاستنفار أعلنتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، تضمنت تعزيزاً للقوات في الضفة الغربية. وأضاف أنه وبعد عملية الاغتيال بطائرة مسيرة إسرائيلية في جنين، وبعد أعمال العنف للمستوطنين في ترمسعيا، فإن الجيش الإسرائيلي قرر تعزيز قواته في الضفة الغربية بثلاث كتائب اعتباراً من صباح الخميس.
ويتفق المحلل السياسي عصمت منصور مع رؤية دراغمة، في أن الاغتيالات هي محاولة لرد الاعتبار لصورة الجيش واسترضاء المستوطنين وإنقاذ الائتلاف، بسبب المزايدات الداخلية واستعراض لقوة الشاباك، الذي فشل مرتين في مخيم جنين وعيلي، وهو يضيف أن عودة سياسة الاغتيالات تغير في المعادلة، وهي بمثابة تصعيد جديد يدفع نحو اتساع دائرة المواجهة، وربما عودة وسائل فلسطينية، هي الأخرى توقفت منذ سنوات طويلة.
ونشرت وسائل إعلام عبرية أنه، وبحسب الدوائر العسكرية في إسرائيل، فإنها وصلت إلى استنتاج مفاده أن المداهمات والاعتقالات في محافظات الضفة أصبحت غير مجدية، ويجب البحث عن طرق أخرى للقضاء على المطلوبين والمسلحين.
دراغمة: سيكون للمقاومة نقلة نوعية في شكل الرد على الاحتلال، بعد العملية الأخيرة.
وبحسب “يديعوت أحرنوت”، فإنه “تم اتباع سياسة جديدة لاستهداف المقاومين، وتحديداً في جنين ونابلس”. وبحسب مواقع الصحيفة، فإن “تصعيد الجيش الإسرائيلي، واستخدام الجو لاستهداف المقاومين في الضفة سيتركز على جنين ونابلس في هذه المرحلة”.
وبحسب الصحيفة، فإنه، وخلال المحادثات مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ووزير الجيش، أوضح مسؤولون عسكريون أن الانتقال إلى عملية عسكرية واسعة، بما في ذلك الدخول الطويل إلى جنين، سيؤدي إلى تصعيد في ساحات أخرى مثل غزة، وحتى لبنان.
وفي جنين شارك المئات من محافظة جنين، مساء أمس، وحتى ساعة متأخرة من الليل في مسيرة حاشدة بمخيم جنين، بدعوة من فصائل العمل الوطني والإسلامي، وذلك تنديداً بجرائم الاحتلال المستمرة، والتي كان آخرها اغتيال الشهداء الثلاثة بصاروخ طائرة مسيرة.
وانطلقت المسيرة تجاه منازل أسر الشهداء، وجابت شوارع المخيم، ورفع المشاركون علم فلسطين وأعلام فصائل العمل الوطني، وسط هتافات تطالب بالوحدة الوطنية ورصّ الصفوف لمواجهة انتهاكات الاحتلال المستمرة.
وندد المشاركون بالصمت الدولي على جرائم الاحتلال المستمرة، وخاصة استهداف جنين ومخيمها وقرى وبلدات المحافظة، مؤكدين أن إرهاب الاحتلال وجرائمه لن تثني شعبنا عن الاستمرار في التصدي لإرهاب الاحتلال ومستوطنيه.
وطالب المشاركون بضرورة “توفير الحماية لشعبنا الأعزل الذي يواجه عمليات القتل يومياً، باستخدام الطائرات وغيرها من آليات الحرب الإسرائيلية”.
وأعلنت القوى الوطنية والإسلامية في محافظة جنين الإضراب الشامل حداداً على أرواح الشهداء: صهيب الغول، ومحمد العويس، وأشرف السعدي.