باسل ابو حمدة لاجئون ثم نازحون ثم مهجرون ثم ماذا؟ سؤال يطرحه اللاجئون الفلسطينيون على أنفسهم في كل مرة يتعرضون فيها للتهجير من مخيمات النزوح أو اللجوء في دول الطوق وغيرها كلما توغلت قوات الكيان الصهيوني في هذا البلد العربي أو ذاك أو كلما اشتدت أوزار حرب أهلية في بلد عربي ما يستضيف جزءا منهم على أراضيه، بحيث أصبحت هذه الكتلة البشرية المعجونة بالمعاناة تدرك أن ثمة فرقا بين لاجئ ولاجئ مثلما لاحظ غسان كنافي وجود فارق بين خيمة وأخرى، مع فارق أن الاختلاف بين خيمتي غسان جاء محملا بالأمل بتحقيق حلم العودة مع بشائر انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، بينما يجيء الفارق بين لاجئ ولاجئ هذه المرة مشبع بمرارة مزيد من التشرذم والشتات وضياع البوصلة.
تشي نظرة سريعة على واقع اللاجئين الفلسطينيين على مدى أكثر من ستين عاما بكثير من الحقائق المخيبة للآمال والمحبطة لا بل والموجعة ايضا أولها تلك المتعلقة بحرص الدولة العبرية والدول العربية وخاصة دول الطوق منها على تقنين حركة اللاجئين الفلسطينين وجعل مساراتها معروفة مسبقا وفي أحسن الأحوال فتحها لكن باتجاه واحد، بحيث لا يسمح للاجئ الفلسطيني إلا بشراء تذكرة سفر باتجاه واحد ووجهة واحدة يختار فيها أحد المنافي البعيدة في أوربا وأميركا في مشهد يتماهى مع المقولة الصهيونية بأن الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت حيث ينعدم الفارق بين الفلسطيني المقيم في المنافي البعيدة والفلسطيني الميت لأنه مشلول في كلا الحالتين.
الجميع يمارس سياسة إبعاد الفلسطيني عن دائرة الحدث، حدثه هو دون غيره، أمر بات طبيعيا في زحمة تكرار النهج ذاته في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين، حتى الدول العربية التي تدعي التقدمية والقومية والممانعة لم تتحمل بضع آلاف منهم وحجزتهم في مخيمات صحرواية حقيرة إذا ربطت القرد فيها هرب، مخيمات هي في واقع الأمر معسكرات اعتقال حقيقية لا تفتح أبوابها إلا للعودة إلى أتون حروب أهلية وغير أهلية طاحنة أو عندما تمن المنظمات الانسانية الدولية على بعضهم وتسمح لهم باللجوء إلى دولة ثالثة أو رابعة مثلما حصل لفلسطينيي العراق الذين توزعتهم المنافي بين الأميركيتين وأستراليا.
بعد الأردن مطلع سبعينيات القرن الماضي ولبنان منتصف السبيعينيات والثمانيات وحتى الألفية الجديدة في مخيم نهر البارد والكويت مطلع التسعينيات وليبيا في مناسبتين أو أكثر حدثت في القرن الماضي والثورة الليبية الحديثة، جاء الدور على اللاجئين الفلسطينيين السوريين الذين يفرون طلبا للنجاة من بطش النظام الحاكم في سوريا نحو مناف قديمة وجديدة، مناف خبروها وأخرى تنتظر، مناف قادتهم في جانب منها إلى رحلة تشبه رحلة العودة في جانبها المتعلق بالهرب عبر الحدود السورية الأردنية لتستقبلهم قوى الأمن الأردنية وتضعهم في منعزلات أسوارها العالية إلى درجة لا تسمح بمعرفة ما يجري خلفها وتحول دون طرح السؤال الكبير على السلطات الأردنية حول اسباب هذا الاعتقال الجماعي وعما إذا كان يجري ضمن استراتيجيات وطنية تماهيا مع أجندات خارجية تمعن في تعميق قنوات تحرك اللاجيء الفلسطيني.
لنعد إلى الحالة العراقية قليلا ونعقد مقارنة بسيطة بين أعداد اللاجئين العراقيين عموما الذين لجأوا إلى سوريا والأردن وغيرهما من الدول العربية والعالمية والذين يقدرون بالملايين من جهة وبين أعداد اللاجئين الفلسطينيين الذين حاولوا اللجوء إلى سوريا أو الأردن والذين لم يتجاوز عددهم بضعة آلاف من جهة أخرى، ومع ذلك غصت بهم أرض العروبة ولفظتهم إلى مناف بعيدة لا يتكلم أهلها لغة الضاد، أما إذا أردنا التوغل قليلا في عقد المقارنات، فلنعقد مقارنة بسيطة ايضا بين أعداد اللاجئين السوريين الفارين من بطش عصابة النظام الحاكم في سوريا إلى دول الجوار ومن بينها الأردن، فإننا سنلحظ بسهولة أن هذه المقارنة غير متكافئة، حيث تقدر أعداد اللاجئين السوريين بمئات الآلاف إذا لم نقل بالملايين بينما لا يتجاوز عدد اللاجئين الفلسطينيين الفارين من بطش النظام عينه الآلاف، أما فيما يتعلق بالحالة الأردنية، فإن الحديث يطول والمقارنات تصبح بلا معنى.
أحد المؤشرات التي تشي بحرمة تناول موضوع اللاجئين الفلسطينيين الفارين من بطش الأنظمة السياسية العربية عموما والنسخة السورية منه يأتينا على متن الطريقة التي تم التعامل من خلالها مع خبر فرار عائلتين فلسطينيتين سوريتين من أحد ‘معسكرات الاعتقال’ في مدينة الرمثا الأردنية، والذي ما كاد يظهر حتى عاد ليختفي من جديد وكأن شيئا لم يكن، حيث لم يسمح على ما يبدو لوسائل الاعلام العرجاء من مقاربة الموضوع مع أن فيه من المسوغات والإثارة ما يكفي ويزيد لجعله قضية صفحة أولى. الأدهى من كل ذلك أن على إختلاف الأنظمة السياسية الطاردة للفلسطينيين، إلا أنهاجميعا تتفق على تقنين مجرى حياتهم وعلى تحديد مسار حركتهم، حيث قد يختلف الكل على كل شيء إلا على مسألة اللاجئين الفلسطينين بغض النظر عن مكان إقامتهم المؤقتة، فهم مستثنون من كافة المعادلات الديمغرافية والسياسية والاجتماعية وكأن لسان حال الدول العربية المستضيفة لهم يخاطبهم ويقول لهم: ‘ابق بعيدا أيها الوحش الصغير، ابق صغير وواهنا، ابق هناك في الشتات البعيد البارد رغم المناخ الاستوائي الحار لحوض الأمازون في جزئه البرازيلي أو التشيلي المترامي الأطراف.
بين ليلة وضحاها يهجر نحو 400 ألف فلسطيني من الكويت إلى الأردن ولا يحدث شيء، بين ليلة وضحاها يمحى مخيم يغص بسكانه عن الخارطة في تل الزعتر ونهر البارد، بين ليلة وضحاها تفرغ بغداد من لاجئيها الفلسطينيين، بين ليلة وضحاها تفرغ ليبيا منهم لأن العقيد حلم حلما مزعجا، ما أسرع أن تنصب لهم الخيم وما ابطأ أن تجترع الحلول لأوضاعهم المأساوية.
في بلد مثل كندا، الذي يشك في أنه يساهم في عملية سلخ الفلسطينيين عن قضيتهم الوطنية والقضايا العربية المحيطة بهم والتي باتوا يشكلون جزءا لا يتجزأ منها، من خلال تسهيل هجرتهم إليها، يكفي أن يعيش المرء فيها ثلاث سنوات فقط حتى يحصل على جنسيتها ويصبح مواطنا كامل الحقوق والواجبات، مع ملاحظة أن مصطلح الجنسية لا يقتصر على حمل جواز السفر، بل المقصود منه هو المشاركة الاجتماعية والسياسية والمساهمة الاقتصادية وحتى الدفاع عن الوطن، ما يجعل السؤال مشروعا حول أكثر من ستة عقود من الزمن قضاها اللاجئون الفلسطينيون في أماكن تسمى مجازا أو من منطلقات سياسية بأنها مناطق لجوء مؤقتة.
نعم، لا اختلاف، في الحالة السورية، على أن جميع البنادق يجب أن توجه إلى صدر عصابة النظام المستبد الحاكم بالحديد والنار في هذه اللحظة التاريخية الفارقة من عمر سوريا.. نعم، يجب ألا يسمح بالتشويش على هذه القضية المركزية، التي تعتبر قضية القضايا لما لها من تأثير سلبي أو إيجابي على المنطقة وشعوبها، حيث لا يختلف عاقلان على أن رحيل سلطة الفرد والعائلة عن السلطة من شأنه أن يشكل نقطة تحول في حياة الشعب السوري، إلا أن هذا التحول يجب أن يكون نحو الأفضل وليس العكس مع ملاحظة أن شرط هذا التحول الايجابي أو شروطه معروفة وهي لا تمت بصلة لسياسات الابعاد والاقصاء التي تمارس ضد مكونات المجتمع بما فيهم اللاجئين الفلسطينيين وبغض النظر عن الجهة التي تمارس هذا الاقصاء.
بئس من يدعو إلى النأي بالنفس عن القضية الفلسطينية واللاجئين الفلسطينيين في بلدان الطوق تحديدا، خاصة إذا أتت تلك الدعوة تحت شعارات بائسة من نوع أن شعوب هذه البلدان قد دفعت أثمانا باهظة ثمنا لتبنيها قضية العرب المركزية، فمن قال لأصحاب هذه الأصوات الخشبية أن هناك قضية فلسطينية وأخرى سورية وأخرى أردنية أو لبنانية أو مصرية بمفردها أصلا؟’ كاتب فلسطيني