المنافسات الإسرائيلية الداخلية والصراع مع الشعب الفلسطيني: حالة تفاعل مستمرة ونتنياهو يقود سفينة في بحر هائج

مجدي محمود كرّيم
حجم الخط
0

يسدد الفلسطينيون أحيانا ثمن النزاعات والمزاودات داخل دولة الاحتلال كما يتجلى بالمزيد من الحملات والاعتقالات وجرائم القتل والتهويد والسلب والنهب، لكن هذه الأوضاع المتوترة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة تعود كيدا مرتدا على استقرار حكومة نتنياهو السادسة ضمن تأثير متبادل بسبب الاختلاف في التوجهات وطريقة إدارة الصراع رغم التوافق على الأهداف والمآرب النهائية لدى جميع مكونات الائتلاف الحاكم.
منذ تشكيله ائتلافه الحاكم في بداية هذا العام الجاري وجد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو نفسه أمام مسلسل متتالي من الأزمات الداخلية والخارجية، بعضها ما زال يتهدد مستقبله السياسي. وقد عصفت في إسرائيل صراعات داخلية متواصلة حتى اليوم ومرشحة للتصعيد بين معسكرين متصارعين على استقلالية السلطة التشريعية ومكانة محكمة العدل العليا فيها. وأصل الخلافات الداخلية الحادة رغبة مكونّات الائتلاف الحاكم برئاسة نتنياهو بتطبيق «إصلاحات قضائية» تعتبرها المعارضة محاولة انقلاب على النظامين السياسي والقضائي وتقزيم السلطة القضائية وذلك بهدف تحقيق عدة مآرب خطيرة ترتبط بالشؤون الإسرائيلية الداخلية وبالصراع مع الشعب الفلسطيني. تسعى كتلة «الليكود» وغيرها لإضعاف السلطة القضائية لحماية عدد غير قليل من القيادات السياسية في اليمين الصهيوني المتهمة بالفساد وعلى رأسهم نتنياهو وقسم منهم متهم رسميا بتلقي رشوة وخيانة الأمانة وغيرها. أما اليهود الأورثوذوكس المتشددين دينيا واجتماعيا المعروفين بـ»الحريديم» وهم ممثلون بحزبي «يهدوت هتوراة» و»شاس» فيتطلعون من خلال هذه «الإصلاحات القضائية» لمنع الفصل بين الدين وبين الدولة وتقليص مساحة الحريات والحقوق الليبرالية. أما أحزاب الصهيونية المتدينة مثل حزب «الصهيونية الدينية» وحزب «القوة اليهودية» وبعض أوساط الحزب الأكبر «الليكود» فتهدف من خلال هذه «الإصلاحات القضائية» التغلب على المحكمة العليا وعلى الجهاز القضائي وعلى أي عائق يحول دون ضمّ الضفة الغربية المحتلة وحسم الصراع مع الشعب الفلسطيني بدلا من إدارته. في ظل هذه المآرب وعلى خلفية «الإصلاحات القضائية» التي رفض أغلبيتها معظم الإسرائيليون بسبب سرعة تنفيذها وكثرتها وعمقها، تزعزت شعبية نتنياهو وفق عشرات الاستطلاعات، بل إنه فقد الريادة كأفضل مرشح لإدارة الحكومة مثلما فقد حزبه «الليكود» الريادة لصالح الحزب المعارض برئاسة النائب بيني غانتس. نتنياهو وهو اليوم رئيس حكومة سادس بلغ سدة الحكم للمرة الأولى عام 1996 يدرك خطورة «الإصلاحات القضائية» بصيغتها الحالية بالنسبة للاقتصاد ولصورة إسرائيل وعلاقاتها مع العالم الغربي وبالنسبة للحمة الإسرائيليين، لكنه لا يقوى على مواجهة شركائه المتشددين ممن يدفعون بقوة نحو تطبيق هذه الإصلاحات ويهددونه بإسقاط الائتلاف الحاكم بحال تراجع عن الإصلاحات القضائية ولذلك هناك معلقون ومحللون إسرائيليون يعتبرونه «أسيرا بيد المتطرفين».

محدودية القوة

لكن نتنياهو المجرّب يدرك محدودية القوة أيضا في التعامل مع الشعب الفلسطيني ولذا يحاول إدارة الصراع معهم وكسب الوقت وتحاشي انفجار كبير فيما يدفع عدد من شركائه في الائتلاف للمزيد من القوة والبطش في التعامل مع الفلسطينيين ومحاولة كسر إرادتهم وكيّ وعيهم بالحديد والنار وحسم الصراع وضمّ الضفة الغربية. ولا يخفي عدد من وزراء الاحتلال ذلك، فتارة يدعون لحرق حوارة وتارة يدعون المستوطنين للإسراع لقمم الجبال والتلال وزرع الأراضي الفلسطينية بالمزيد من المستوطنات كما قال وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير الجمعة خلال محادثته مع مجموعة مستوطنين. ونقلت القناة العبرية 12 عن مصادر داخل الحكومة تحفظها من تصريحات بن غفير الداعية لانتهاك حتى القانون الإسرائيلي وكذلك نقلت سخريتها من أدائه حيث قال بعضهم إن بن غفير وزير التكتوك وكلب ينبح ولا يعض وغيره. لكن نتنياهو يصمت والصمت علامة الرضا وهو عاجز عن فرملة بن غفير الذي يهدد كل إثنين وخميس بتفكيك الائتلاف الحاكم الذي يرغب نتنياهو باستمراره بطبيعة الحال بعد خمس جولات انتخابية متتالية.

تراجع شعبية الليكود ونتنياهو

الخلافات الداخلية وأزمة التوتر بين نتنياهو وبن غفير تنبع من الاختلاف في طريقة إدارة الشؤون السياسية، وفي هذا الإطار أيضا ترتبط بالمطالب المباشرة والخفية التي توجه إلى نتنياهو من قبل دول الغرب وتدعوه للجم بن غفير أو استبداله، بإدخال المعسكر الوطني برئاسة بيني غانتس والقائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس. وأظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة «معاريف» يوم الجمعة الأخير أن رئيس حزب «المعسكر الدولاني» بيني غانتس، يتقدم على بنيامين نتنياهو رئيس حزب «الليكود» الحاكم ويستطيع تشكيل حكومة في حال اجريت انتخابات اليوم. وبيَّن الاستطلاع أن حزب «المعسكر الوطني» سيحصل على 30 مقعدا في الكنيست، في وقت يحصل حزب «الليكود» 26 مقعدا فقط، وفيه يتراجع حزب غانتس بمقعدين كاملين عن الاستطلاع الأخير. وأظهر الاستطلاع أيضا انكماش قوة ائتلاف نتنياهو حال إجراء انتخابات برلمانية للكنيست الآن وزيادة شعبية بيني غانتس بأنه أكثر ملائمة لرئاسة الحكومة. في هذا الاستطلاع، سيحصل حزب يش عتيد على 17 مقعدًا، شاس 9 ، يهدوت هتوراة 7 ، يسرائيل بيتنو 6، الجبهة-العربية للتغيير 6، الصهيونية الدينية 5، القائمة العربية الموحدة 5، وميرتس – غير الموجود حاليا في الكنيست – سيحصل على 5، أمّا حزب عوتسما يهوديت بقيادة بن غفير سيحصل على 4 مقاعد ويقترب من نسبة الحسم. ويفشل كل من حزبي «لعمل» و»التجمع الوطني الديمقراطي» في تجاوز نسبة الحسم اللازمة لدخول الكنيست. كما سُئل المشاركون في الاستطلاع عما إذا كانوا يؤيدون إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق في الضفة الغربية، في ظل الأحداث الراهنة. فقال ما يقارب النصف، 48 في المئة إنهم يؤيدون ذلك مقابل 26 في المئة يعارضون و 26 في المئة لا رأي لهم في الأمر. كما تظهر استطلاعات متتالية إن استطلاعات الرأي أظهرت أن شعبية نتنياهو وحكومته في تراجع، كما يلاحظ تراجع القوة البرلمانية لليكود وحزب «عظمة يهودية» حيث يشير أحد الاستطلاعات إلى أن حزب الليكود سيفقد عشرة مقاعد في الكنيست حال تفككت الحكومة.

من أزمة إلى أزمة

وتدفع هذه الاستطلاعات نتنياهو لتجاوز الأزمات وتبديد التوتر في الائتلاف الحكومي وعدم التوجه لانتخابات مبكرة، كونه سيخسر رئاسة الوزراء لصالح أحزاب المعارضة. وتبقى هذه التوترات قائمة بسبب وجود ضغوط مضادة: ينفجر التوتر بين نتنياهو وبين شركائه المتشددين الغيبيين أمثال سموتريتش وبن غفير بسبب الضغوطات التي تمارس عليهم من أنصارهم الذين يطالبون بإشراك حزب «عظمة يهودية» في القضايا الأمنية، وأيضا أن تعتمد الحكومة القبضة الحديدية ضد الفلسطينيين. هذا التوتر داخل الحكومة يعكس أولا أزمة الثقة بين نتنياهو وبن غفير، حيث يظهر واضحا أن الأول لا يصدق بن غفير ولا يثق به، وليس من قبيل المصادفة أنه لم تتم دعوته إلى المناقشات الأمنية، رغم منصبه وزيرا للأمن القومي، فهو ببساطة لا يريده هناك خاصة أن البيت الأبيض لم يدعه لزيارته بخلاف التقاليد الأمريكية حتى الآن وهذا نتيجة الخلافات الداخلية في إسرائيل حول «الإصلاحات القضائية» واحتجاجا على وجود وزراء مدانين بالإرهاب أمثال بن غفير في حكومته. وطبقا لما يقال في التسريبات ويقرأ بين الكلمات يرى نتنياهو بن غفير متطرفا وليس لديه نية لمشاركة القضايا الحساسة معه، وفي ظل هذا النهج في الحكومة، يطرح السؤال حول مدى قدرة الاثنين على التعاون؟ قائلا إن «ما يجمع نتنياهو وبن غفير التقاء المصالح للبقاء في الحكم مهما كان الثمن، وبالتالي سيعودان للتعاون حتى الانفجار المقبل وتراكم الأزمات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية