في السنة المالية الأخيرة بلغت إيرادات مصر الدولارية، حسب بيان ميزان المدفوعات الصادر عن البنك المركزي أكثر من 121 مليار دولار، أهمها حصيلة الصادرات السلعية بقيمة 44 مليار دولار تقريبا، تشمل الصادرات البترولية بقيمة حوالي 18 مليار دولار، وغير البترولية مثل الذهب والقطن والملابس والبرتقال بقيمة 26 مليار دولار. وجاءت تحويلات المصريين العاملين في الخارج بعد القيمة الكلية للصادرات بقيمة 31.4 مليار دولار، أي بنسبة 26 في المئة تقريبا من مجموع الإيرادات بالدولار، وأكبر من قيمة الصادرات البترولية، وغير البترولية كل منها على حدة. وتتميز تحويلات العاملين بأن ميزان المدفوعات لا يتحمل تكلفة مقابلها، إذ إنها تعتبر إيرادات صافية، في حين أن قيمة الصادرات السلعية تقابلها في الجانب الآخر مدفوعات الواردات، التي بلغت في السنة نفسها 87.3 مليار دولار. هذا يعني أن ميزان التجارة السلعية حقق في السنة المذكورة عجزا بقيمة تزيد عن 43 مليار دولار في حين أضافت التحويلات تدفقات صافية بقيمة 31.4 مليار دولار. ولهذا فإننا نعتبرها أهم مصادر الإيرادات الدولارية على الإطلاق، ومن الضروري العمل على تنميتها. وقد أسهمت تحويلات العاملين في تغطية ما يقرب من ثلاثة أرباع العجز في التجارة السلعية.
الصورة الكاملة
وخلال السنة نفسها بلغت قيمة المطلوبات بالدولار لتمويل التجارة وسداد الديون والفوائد وتحويلات المستثمرين الأجانب العاملين في مصر إلى بلدانهم وغيرها من الالتزامات الخارجية حوالي 140 مليار دولار. وبمقارنة إجمالي الحصيلة الدولارية مع الإيرادات، فإن العجز الكلي في الإيرادات عن المتحصلات الدولارية بلغ 18.8 مليار دولار أي ما يعادل 15.5 في المئة من المتحصلات الدولارية، وهو ما يتراوح بين 4.5 إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا علمنا أن خدمة الديون تبتلع سنويا ما يقرب من 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، سندرك أنها المرض الرئيسي الذي يعاني منه الاقتصاد.
ومن الضروري دائما رسم الصورة الكلية التي تحدد ملامح صافي التدفقات النقدية بين أي دولة وبين العالم الخارجي. فلا ينفع مثلا أن نقول أن متحصلاتنا من العالم الخارجي بلغت 120 مليار دولار، بدون أن نذكر أن مدفوعاتنا بلغت 140 مليار دولار. ومن أجل أن يفهم المواطن أهمية دوره في زيادة الادخار والاستثمار، ومن أجل ان تدرك الحكومة خطورة الإسراف في الإنفاق، من الضروري عدم الاقتصاد في بيان الحقيقة، لأن ذلك يعبر عن قدر كبير من الاستهتار وعدم المسؤولية. وبافتراض أن الواردات تنمو بنفس معدل النمو الاقتصادي، فإن المستوى الطبيعي لقيمة تمويل الواردات في السنة المالية الحالية يكون في حدود 90.8 مليار دولار. لكننا نعرف أن الحكومة تفرض قيودا ثقيلة على الاستيراد، بما يوفر قدرا كافيا من السيولة لتمويل أعباء خدمة الديون، وتحويلات رؤوس الأموال للخارج بواسطة المستثمرين الأجانب. المشكلة الأكبر هي أن الدولة مطالبة بسداد ما يزيد من 17 مليار دولار للدائنين فقط حتى نهاية العام الحالي، هذا إلى جانب توفير الموارد المالية الكافية لتمويل الاستيراد وتحويلات المستثمرين الأجانب إلى الخارج.
كيف ننفق الدولار؟
من الضروري أن نعلم كيف يتم إنفاق الحصيلة الدولارية التي تتدفق إلى مصر من مصادر التمويل الرئيسية مثل الصادرات السلعية والخدمية وتحويلات العاملين والاستثمارات المباشرة وحيازة الأجانب من الأوراق المالية الحكومية والخاصة والأرصدة في حوزة البنوك من النقد الاجنبي، إضافة إلى القروض والتسهيلات المالية.
وطبقا لبيانات ميزان المدفوعات للسنة المالية الأخيرة، فإن المدفوعات الكلية للخارج بالدولار بلغت 140.1 مليار دولار، وتضمنت مدفوعات الواردات بقيمة 87.3 مليار دولار، ومدفوعات مقابل الخدمات مثل السفر والنقل، ومصروفات أخرى منها تغطية احتياجات السفارات والاتصالات والمكاتب الحكومية الخارجية بقيمة 15.6 مليار دولار، ومدفوعات ميزان دخل الاستثمار بقيمة 16.7 مليار دولار، وفوائد مسددة للخارج بالدولار بقيمة 2.8 مليار دولار تقريبا. ويلاحظ أن قيمة مدفوعات دخل الاستثمار المحولة للمستثمرين الأجانب قفزت في العام الماضي بنسبة 29.5 في المئة تقريبا. ومن المتوقع مع زيادة الوزن النسبي لملكية الأجانب في الاقتصاد المحلي أن تزيد قيمة تحويلات الأرباح ورؤوس الأموال للخارج اعتبارا من السنة المالية الجديدة.
تكلفة الاستثمار الأجنبي
ونظرا لأن القطاع النفطي هو أكبر القطاعات المستقبلة للاستثمار الأجنبي في مصر، فقد يكون من الملائم أن نضرب مثالا بهذا القطاع لشرح كيفية تحويل دخل الاستثمار إلى الخارج لصالح المستثمرين الأجانب. ويجب أن نعرف أن الشريك الأجنبي في قطاع البترول والغاز يحصل أولا على نصيبه في الإنتاج حسب نسبة المشاركة مع الحكومة، اقتطاعا من إيرادات التصدير. لكن الشريك الأجنبي يحصل كذلك على نصيبه من أرباح التشغيل، كما يسترد كل سنة بعد بدء الإنتاج، ولمدة متفق عليها، نسبة من المبلغ الذي أنفقه في أعمال التنقيب والتطوير والتشغيل. هذا الجزء من استرداد النفقات خلال المدة المتفق عليها، يدخل في صافي حساب دخل الاستثمارات الأجنبية. وقد ارتفعت قيمته في السنة المالية الأخيرة 21/22 إلى نحو 2.6 مليار دولار، مقابل 1.2 مليار في السنة السابقة، أي بزيادة تتجاوز 100 في المئة. وقد نتج ذلك عن ارتفاع التحويلات الكلية للخارج بواسطة الشركاء الأجانب في قطاع البترول (مقابل استرداد التكاليف) إلى 7.3 مليار دولار، مقابل 6.3 مليار في السنة المالية السابقة. وفي الوقت نفسه فقد تراجعت قيمة التدفقات من الخارج إلى الداخل بواسطة الشركاء الأجانب إلى 4.7 مليار دولار، مقابل 5.1 مليار دولار في السنة السابقة. ولهذا فإن زيادة قيمة التحويلات للخارج، وانخفاض قيمة التحويلات من الخارج للداخل، أسفرت عن مضاعفة قيمة صافي مدفوعات دخل الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر.
هذا المثال يفيدنا في شرح حقيقة ربما تغيب عن أذهان البعض، وهي أن الاستثمار الأجنبي في مشروع معين، قد يأتي لمرة واحدة فقط في صورة زيادة في رأس المال مثلا، لكنه بعد ذلك يكتسب حقا سنويا لتحويل الأرباح، وربما بعض رأس المال إلى الخارج، طالما استمرت مساهمته في المنشأة موضع الاستثمار. هذه الحقيقة تكشف خطورة بيع أصول استثمارية لغرض جمع أموال يتم استخدامها في سداد الديون. سبب الخطورة هنا ينبع من طريقين، الأول هو خسارة الدخل الذي كان صاحب المشروع الأصلي يحصل عليه، والثاني هو أن السوق المحلية تكون ملزمة بتوفير النقد الأجنبي اللازم للمستثمر الأجنبي لكي يحوله إلى بلده الأصلي. ويخطئ من يعتقد أن الاستثمار الأجنبي هو قناة من قنوات الدعم بلا مقابل. ذلك أن المستثمر نفسه قد أنفق جهدا ومالا في تكوين ثروته التي يستخدم جزءا منها في التوسع الخارجي، وهو لن يقبل بان تتحول استثماراته في الخارج إلى قناة لتقديم الدعم بلا مقابل.
التدخل الإداري وتشوهات السوق
في حال شحة الدولار في السوق فإن الدولة تكون مسؤولة عن استخدام السياسات النقدية والمالية والتجارية والاستثمارية، التي تقود إلى توفير الدولار بالقدر الكافي لتحقيق المرونة وتلبية احتياجات الاستهلاك والاستثمار وتمويل المدفوعات المطلوب سدادها بالدولار. وتلجأ بعض الحكومات إلى تحديد سعر إداري للدولار مقابل عملتها المحلية، ويؤدي هذا في العادة إلى تشويه السوق، خصوصا عندما تقوم الحكومة باحتكار الدولار، ووضع قواعد إدارية لتداوله. وفي العادة تواجه السوق أزمات متكررة وصدمات حادة بسبب اتساع الفجوة بين السعر الإداري للدولار وبين سعر السوق. أخطر المظاهر التي تنتج عن ذلك هي ظهور سوق سوداء للدولار، لا تعجز أبدا عن إيجاد مصادر للتمويل. ويعتبر انخفاض تحويلات المصريين العاملين في الخارج بنسبة 30 في المئة في النصف الأول من السنة المالية الحالية مقارنة بالسنة السابقة واحدا من نتائج فرض سعر إداري للدولار مقابل العملة المحلية، وهو ما أدى إلى اتساع فجوة عرض الدولار في السوق، وحرمان الجهاز المصرفي من أحد مصادر تمويله الرئيسية. ويجب التأكيد هنا على أن السوق الطبيعي للدولار في أي دولة يعتمد على مؤشرات لا تخطئ، مثل معدل التضخم، والعجز في الحساب الجاري، وصافي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي، ونسبة الديون قصيرة الأجل إلى الاحتياطي، وقيمة الاحتياطي وطبيعة الهيكل التمويلي له سواء من مصادر دائنة مثل الفائض التجاري، أو مصادر مدينة مثل الودائع والقروض المستحقة للغير.
وفي حالة السوق الطبيعية تتغير أسعار التبادل بين العملة المحلية والعملات الأجنبية يوميا في حدود ضيقة تعكس حركة المتغيرات الاقتصادية. أما في حالة نظام سعر الصرف الاداري، فيكون جامدا، لا علاقة له بحركة قوى السوق، ويساعد على إتاحة توفير تمويل رخيص للدولة، وهو ما يكون إغراء للاستمرار في الإسراف والفساد.
وفي مقابل النظام الإداري لأسعار الصرف، فإن السوق السوداء للعملة، تتميز بالمضاربات وانعدام الشفافية، ولذلك فإن التغيرات في الأسعار تكون حادة ومفاجئة، ولا تعكس حركة قوى السوق، وهو ما يسبب أضرارا شديدة للاقتصاد ككل، ولجانب العرض (الإنتاج) على وجه الخصوص. ورغم أن البعض يحلو له الحديث عما يسمى «السعر العادل» خارج السوق الطبيعية، فإن مثل هذا الحديث يعادل افتراض سعر غير حقيقي لأي سلعة غير متوفرة في السوق، بل لا توجد لها سوق طبيعية. البنوك والبورصات والمستثمرون لا يعرفون شيئا اسمه «السعر العادل» غير سعر السوق الطبيعية الخالية من التدخل والقيود الإدارية. ببساطة السوق تعمل بأوامر البيع والشراء وليس بالتعليمات والأوامر الإدارية.
كذلك من الصعب وضع سياسة سعر الصرف داخل خندق ضيق ومغلق لا علاقة لها بالسياسة المالية والتجارية والاستثمارية. في حديثها الأخير عن الاقتصاد المصري قالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، إن استخدام الاحتياطي النقدي في دعم قيمة الجنيه هو مثل صب الماء في دلو مثقوب. وتقدر بعض بيوت الاستشارات المالية ان الحكومة سحبت ما يقرب من 40 مليار دولار من الجهاز المصرفي في العامين الأخيرين، وأنه تم توجيه جزء من هذا المبلغ لدعم قيمة الجنيه مقابل الدولار. وطالبت مدير صندوق النقد الدولي بإجراء إصلاحات جوهرية، ترتبط بتحرير السوق من احتكار الدولة، ومساندة الفئات الضعيفة اجتماعيا، وتعزيز احتياطي النقد الأجنبي بموارد غير مدينة.
ويعتقد بعض صانعي السياسة الاقتصادية في الدولة المأزومة ماليا أن الانضمام إلى مجموعة «بريكس» التي تضم الصين والهند والبرازيل وروسيا وجنوب أفريقيا، يمكن أن يكون مخرجا من أزمة شحة الدولار، من حيث انه يساعد على تقليل الاحتياج للدولار من أجل تمويل الصفقات التجارية والمالية. لكننا نقول إنه من المبكر جدا أن تتمكن «بريكس» من لعب هذا الدور، وأن هذا التجمع الذي تمثل الصين حصنه الحصين، يمكن أن يتعرض لمشاكل اقتصادية هيكلية إذا تصور بعض أعضائه أو بعض الراغبين في الانضمام إليه انه يمكن أن يستمر إذا لعب دور «الجمعية الخيرية» لإنقاذ الدول المتعثرة ماليا في النظام الاقتصادي الدولي. دول بريكس ما يزال أمامها طريق طويل لخلق عملة مقبولة للتداول في معاملات متعددة الأطراف. ونحن نرى الآن مشكلة تفاهم بين الهند وروسيا بسبب عدم توازن التجارة بين الطرفين، وهو ما يمكن أن ينشأ أيضا بين الصين وباكستان إذا انضمت الأخيرة إلى المجموعة على حالها الراهن.