أوبزيرفر: تمرد بريغوجين كشف عن ضعف بوتين.. والأيام المقبلة ستكشف عن تداعيات اليوم الدرامي

إبراهيم درويش
حجم الخط
14

لندن- “القدس العربي”:

تناولت صحيفة “أوبزيرفر” الأحداث الدرامية التي شهدتها روسيا في الـ24 ساعة الماضية، وتمرد زعيم شركة المرتزقة “فاغنر”، يفغيني بريغوجين.

وفي تقرير أعده لورد هاردينغ، قال فيه إن التمرد قد انتهى، ولكنه كشف عن ضعف بوتين. وقال إن بريغوجين ظل ولأشهر طويلة، يقوم بهجمات مسرحية ضد القادة العسكريين، وشجب وسبّ وزير الدفاع سيرغي شويغو، وقائد القوات الروسية للعملية في أوكرانيا، فاليري غيراسيموف، واتهمهما بالتلاعب وعدم الكفاءة.

واتهم بريغوجين في فيديو، موسكو بأنها وراء مقتل جنود من فاغنر حيث كانت جثثهم تظهر خلفه في الفيديو. وفي مرة ثانية، تحدى شويغو بأن يزور الجبهة في أوكرانيا، حيث كانت قواته تقاتل في معركة حامية بمدينة باخموت.

التمرد في روسيا قد انتهى، ولكنه كشف عن ضعف بوتين الذي ظل على مدى عقدين يلعب دور المحكم الأعلى

وبدا العداء بين شويغو وبريغوجين حقيقيا، لكن النظام الغامض لبوتين جعل من الصعب فهم الوضع، لأن الرئيس ظل وعلى مدى عقدين يلعب دور المحكم الأعلى، ويلعّب أي طامح في الكرملين ضد آخر، وهي الطرق القديمة في “فرّق تسد”. وأثبت بريغوجين في الماضي بأنه حليف موال لبوتين ورجل المهام الخاصة، مثل محاولة تخريب الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016.

وبحسب بعض التفسيرات، فإن الهجمات المرّة لبريغوجين ضد شويغو كانت مرخصة من الرجل الذي يقف على القمة. ولكن الأحداث التي  شهدتها روسيا خلال 24 ساعة، تعطي صورة أن الصفقة هذه، لو وجدت، قد انتهت. فقد كان مطلب بريغوجين عزل وزير الدفاع وكامل القيادة العسكرية، وانتهى مساء السبت داعيا مقاتليه للعودة إلى ثكناتهم في أوكرانيا بذريعة “حقن الدماء”.

وأعلن بريغوجين حملته التي أسماها المسيرة من أجل العدالة، ودعاه الجنرالات الفزعون للتخلي عن “انقلابه”، ولكنه أرسل الدبابات نحو موسكو لحماية وزارة الدفاع والمراكز البيروقراطية تحسبا لهجوم داخلي. وأعادت صور الدبابات باتجاه موسكو، مشاهد مماثلة في عام 1991، عندما حاول المتطرفون في “كي جي بي” حماية النظام الشيوعي المترنح.

ومن المبكر الحديث عن إعادة تكرار التاريخ. فبريغوجين ليس رجل سلام، وشعاره هو الدخول في حرب بأوكرانيا بطريقة أكثر تنظيما وبتسلسل قيادي أفضل. ويتهم بريغوجين، شويغو بأنه تستر على حجم الخسائر الروسية في أوكرانيا، ولم يكن راضيا عن التراجع الروسي في العام الماضي عندما أجبر الجيش الروسي على التخلي عن خيرسون في شمال- شرق أوكرانيا.

ومهما كانت نتيجة الأحداث الأخيرة، فقد كشفت عن ضعف بوتين لأول مرة منذ توليه السلطة عام 2000، وثبت أن قراره غزو أوكرانيا كان كارثة، وأكبر خطأ في تاريخه السياسي، وسيجبره عاجلا أم آجلا على الخروج من السلطة.

وقالت الصحيفة إن انتهاء التمرد لا يعني تلاشي أثره الذي سيظل لشهور قادمة، حتى بعد إعلان بوتين عن قوانين مكافحة الإرهاب، واتهامه المتمردين بالخيانة. كما سيترك التمرد تأثيره على الحرب في أوكرانيا، حيث ترك عدد من المقاتلين أماكنهم في لوغانسك ودونتسيك، وهناك تقارير عن انتهاز الأوكرانيين الفرصة، وسيطرتهم على عدد من الشوارع المدمرة في باخموت.

مهما كانت نتيجة الأحداث الأخيرة، فقد كشفت عن ضعف بوتين، وثبت أن قراره غزو أوكرانيا كان كارثة، وأكبر خطأ في تاريخه السياسي، وسيجبره عاجلا أم آجلا على الخروج من السلطة

وأثبتت قوات فاغنر والمجرمون الذين تم الإفراج عنهم من السجون الروسية، أنهم قوة أفضل من الجيش الروسي، وقد اختفوا من المشهد وذهبوا إلى روسيا، على الأقل في الوقت الحالي. وبدأ الهجوم الأوكراني المضاد على أمل فتح ممر بين دونباس وشبه جزيرة القرم، وكان بطيئا لدرجة جعلت الكثير من المحللين يتحدثون عن جمود في ساحة الحرب، وظهور حدود فعلية على طول 600 ميل.

إلا أن تمرد بريغوجين غيّر المعادلة. ومن الحماقة التقليل من قدرة القوات الروسية، لكن فرص اختراق أوكرانيا هذا الصيف، زادت بشرط حدوث تشتت داخل القوات الروسية وتراجع المعنويات بين الجنود الروس.

وتوقف حلم بوتين في احتلال أوكرانيا وتوحيدها مع روسيا، وبدا وكأنه فانتازيا قامت على معلومات استخباراتية فقيرة، وتفكير قيامي وعزلة بوتين المتطرفة بسبب كوفيد، وروسيا تواجه اضطرابات مدنية والنصر في كييف بات بعيدا.

ولاحظ كير غايلز في نفس الصحيفة أن بريغوجين لم يكن قادرا على تحدي سلطة بوتين مباشرة، لكنه كشف عن ضعف سيطرة الأخير على الحكم. وقال إن الحرب في أوكرانيا اتخذت منعطفا غير متوقع.

وخطاب بوتين الذي شجب فيه بريغوجين، كشف عن الوضع الخطير الذي يواجهه. وشبّه الرئيس تمرد بريغوجين بالمؤامرات التي أسقطت الجيش الروسي ثم الدولة عام 1917. إلا أن لهجة بوتين المتحدية جاءت بعد صمت لعدة أسابيع بشأن المواجهة بين بريغوجين والجيش النظامي.

وكانت العودة لتاريخ الثورات في روسيا بمثابة اعتراف من الزعيم الروسي بطبيعة الثورات التي جلبت عدم الاستقرار على البلاد وإن بشكل متأخر. ولم يكن بريغوجين قادرا على مواجهة بوتين مباشرة، ولكنه كشف عن ضعف سلطته، فقوة من المسلحين تتجول في مدينة جنوبية تتناقض مع الوحدة التي تحدث عنها بوتين.

ولدى بريغوجين علاقة مع قادة عسكريين ورجال استخبارات، ولا يعرف أي منهم سيقفز وينتهز الفرصة لكي يسيطر على القواعد التي وقعت تحت سيطرة فاغنر. والأخبار الجيدة لأوكرانيا هي أن الاقتتال بين النخب الروسية يمنحها فرصة للتحرك، مع أن هذا لن يخفف الخطر، فهو قتال بين أشرار حول كيفية التحكم ببلد جار.

وحتى بعد توقف تمرد بريغوجين، فإنه سيزرع التشوش والخلافات في صفوف الروس. وكان تحدي بريغوجين لموسكو هو مواجهة بين شخص مجنون يقود مجموعة من المجرمين القتلة، وزعيم مافيا يجلس في الكرملين يوزع ثروات روسيا بين محاسيبه.

التمرد الذي قاده رجل كان يعده بوتين من أكثر الموالين له، تركه مصعوقا ولا يصدق ما يجري أمام عينيه

وقالت صحيفة “أوبزيرفر” في افتتاحيتها، إن التمرد الذي قاده رجل كان يعده بوتين من أكثر الموالين له، تركه مصعوقا ولا يصدق ما يجري أمام عينيه. وكان خطابه المتعجل على التلفزيون ولغة التهديد التي استخدمها، انعكاسا للصدمة التي يعاني منها. فكيف يتحدى بريغوجين الذي عرف مرة بـ”طباخ بوتين” وبطريقة أساسية؟

وقالت الصحيفة إن قرار بوتين وصف التمرد بالانقلاب وأنه طعنة بالظهر، ويهدد مصير بلادنا، حوّل تطورا خطيرا إلى أزمة واسعة. وبعد الطريقة السيئة للرد على الأزمة، فإن بوتين سيكون محلا للتدقيق من الداخل والخارج، وعليه التأكد من ولاء الجنرالات والقوات النظامية والمجندين الأقل ترددا، فقد طالب بريغوجين باستسلام كل من غيراسيموف وشويغو له، ولو تمت الاستجابة لمطالبه، فسيكشف هذا عن ضعف كبير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية