مع “غزوه” كييف وانقلاب فاغنر عليه.. هل باستطاعة بوتين الإمساك بطرفي العصا؟

حجم الخط
0

اللحظة التي اضطر فيها الرئيس الروسي، فلادمير بوتين، إلى إبلاغ مواطني الدولة عن “ضربة لروسيا ولشعبنا” في إعلان مسجل صباح السبت، كانت الأصعب منذ أمر بغزو أوكرانيا قبل 16 شهراً. بوجه متكدر، اضطر بوتين للاعتراف بأنه فقد السيطرة على قادة الجيش. خلال عشرين سنة، تعهد بوتين يفغيني بريغوجين، الأزعر العنيف الذي يبيع النقانق ولديه عدة مطاعم، تعهده كمقاول لمهمات قذرة في أرجاء العالم، وكافأه بمناقصة كبيرة وهي تزويد الجيش بالغذاء، وسمح له بإقامة جيش خاص، “قوات فاغنر”، وهي شركة المرتزقة الأكبر في العالم. وقف بوتين معارضاً في الأشهر الأخيرة عندما أدار بريغوجين حرب شتائم علنية مع الشخص الآخر الذي تعهده، وزير الدفاع سيرجي شويغو، على الطريقة التي جرت فيها الحرب في أوكرانيا.

منذ صعوده إلى الحكم، ارتكزت قوة بوتين على قدرته على توزيع السيطرة على الأجهزة الفيدرالية في روسيا، بين مجموعة الأوليغاركيين الذين يكافئونه بالإخلاص المطلق والتمويل. وعندما خرج بريغوجين مساء الجمعة بسلسلة أفلام كشف فيها الحقيقة حسب رأيه، عن سبب الحرب الزائدة، وبدأ في قيادة رجاله لحملة مسلحة ضد قادة الجيش الروسي، لم يتهم بوتين بشكل مباشر. وكما هو التقليد الروسي، أرسل بريغوجين رسالة جاء فيها: “القيصر جيد، لكن المستشارين يضللونه”. ولكن بوتين، الذي أخطأ في الاعتقاد بأنه يمكنه مواصلة الإمساك بالطرفين أدرك، بتأخير كبير، أن عليه اختيار أحد الطرفين.

بعد يوم تقريباً، ألغى بريغوجين التهديد بالخروج على رأس “مسيرة الحرية” في موسكو. وقد توصل إلى استنتاج، كما يبدو، بأن احتمالية وصوله على قيد الحياة إلى وزارة الدفاع وإجراء محاكمة صورية لشويغو، ضعيفة. ومثلما في كل دولة ديكتاتورية، ففي روسيا قوات هي الأقوى والأكثر إخلاصاً للنظام تم وضعها حول العاصمة.

لكن حتى لو لم تكن لبريغوجين خطة منظمة للسيطرة على موسكو، فإنه تسبب بضرر كبير لبوتين في مدينة روستوف، وهي المدينة التي يعيش فيها مليون نسمة جنوبي روسيا، والتي احتلها مقاتلو فاغنر خلال بضع ساعات، وهم يتوقفون خلال ذلك لشراء القهوة من المطاعم المحلية. لا يجب أن يكون هذا مفاجئاً. فروستوف هي المركز العسكري – اللوجستي الأساسي لقوات الغزو الروسي في أوكرانيا. تمر فيها وحدات فاغنر بشكل دائم كجزء من تشكيلة القوات الروسية التي أرسلت إلى الجبهة وكمزودين لغذاء الجيش. سكان المدينة يعتبرونهم جنوداً روساً بالضبط. وكثير من جنود الجيش وبعض الضباط الكبار في القيادة المحلية لديهم صداقة معهم.

إن سيطرة بريغوجين على القيادة في روستوف أوجدت معضلة كبيرة أمام بوتين وقادة الجيش. أي هجوم جوي أو بري أو محاصرة القاعدة في المدينة، سيؤدي بالضرورة إلى شلل الجهود العسكرية لصد هجوم أوكرانيا الكبير الذي يستمر منذ أسابيع. بريغوجين منع خروج الجنود من القاعدة ووعد بالسماح لهم بإدارة القتال من هناك. لا يمكن إقامة قيادة بديلة. وما دام بريغوجين هناك هناك سيبقى محصناً. من غير الواضح حتى الآن إذا كان ينوي الخروج من هناك وتعريض نفسه للاغتيال. وحتى الآن في كل فيلم نشره في قناة التلغرام التابعة له، فتح ثغرة عميقة أخرى في رواية “العملية العسكرية الخاصة” التي بناها الكرملين منذ بداية الغزو، وبذلك فقد قوض سيطرة بوتين على الحكم.

خلال أشهر يصعد بريغوجين اتهاماته ضد شويغو لأنه يدير الحرب بشكل غبي ويمنع التموين والتسليح عن مقاتلي فاغنر الذين يقومون، حسب قوله، بمعظم العمل الصعب في الجبهة. في الأسبوع الماضي انتقل إلى اتهامه بأنه أمر الجيش الروسي بمهاجمة رجاله. والجمعة، حطم كل البدهيات عندما قال إن “وزارة الدفاع تحاول تضليل الشعب والرئيس. كان هناك هجوم هستيري من جهة أوكرانيا، وأنها خططت لمهاجمتنا مع حلف الناتو. العملية العسكرية الخاصة التي بدأت في 24 شباط الماضي كانت لأسباب مختلفة تماماً”، قال.

قال بريغوجين إن طائفة الأوليغاركيين هم الذين بادروا إلى الحرب في أوكرانيا من أجل سرقتها وتوزيع مواردها فيما بينهم. وقال إن ادعاء هدف العملية لـ”منع نازية” أوكرانيا، هو “رواية محببة”.

إذا كانت هذه هي الحال، يمكن التساؤل: لماذا شارك بريغوجين نفسه في الحرب، وقام بعملية تجنيد سجناء للجبهة في سجون روسيا وأرسل عشرات آلاف المقاتلين ليموتوا في ساحة الحرب. هو يتهم الجنرالات الفاشلين بأنهم رموا 100 ألف شاب روسي في “مفرمة اللحم”، لكنه لم يدس يده في الصحن.

لكن السؤال الأكبر هو: من الذي سيصدق الروس الآن؟ بريغوجين لا يعارض نظام شخص في المنفى مثل أليكسي نافالني. هو معروض منذ بداية الحرب ويتم تفخيمه في دعاية الكرملين كوطني روسي شجاع، ومستعد للتضحية بكل شيء في ساحة الحرب.

حتى قبل أن يتضح إذا كانت لبريغوجين والفاغنر قوة وقدرة على السيطرة على مناطق أخرى في روسيا، قام بتوجيه ضربة شديدة لجهاز دعاية بوتين. سيستمر في ذلك ما دام على قيد الحياة ولديه هاتف ذكي.

في الوقت الذي تشخص فيه أنظار العالم نحو ما كان يبدو خلال ساعات كحرب أهلية في روسيا، ما زالت الحرب في أوكرانيا مستمرة. وحدات قوة فاغنر في الحقيقة لم تشكل سوى جزء صغير من المنظومة الروسية في الجبهة. ولكنهم يعتبرون جنوداً مميزين. والآن تم حذفهم من تشكيلة القوات. في الوقت نفسه، ليس واضحاً كيف سيواصل جهاز تموين الجيش الروسي إطعام جنوده بدون خدمات هذه الشركة، ومتى ستعود القيادة في ريستوف التي هي الآن تحت سيطرة بريغوجين إلى يد الكرملين.

ربما يتسع هجوم أوكرانيا، الذي كان حتى الآن بطيئاً وبالتدريج، ويصبح هجوماً شكلت أوكرانيا من أجله فرق مدرعات جديدة مع دبابات غربية.

خلال أيام، قد يجد بوتين نفسه يواجه في الوقت نفسه سقوطاً في جبهة أوكرانيا، وإمكانية تجدد حرب أهلية. العملية العسكرية الخاصة التي كان يجب أن تؤدي إلى احتلال كييف خلال ثلاثة أيام ترتد الآن إلى بيته.

انشل بابر

هآرتس 25/6/2023

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية